Search
Close this search box.
Layer 5
.
فهرس جواهر البحار
كتاب العقل والعلم والجهل
كتاب العدل والمعاد
كتاب النبوة
كتاب تاريخ نبينا (ص)
كتاب الإمامة
كتاب تاريخ أميرالمؤمنين (ع)
كتاب تاريخ فاطمة والحسنين (ع)
كتاب تاريخ السجاد والباقر والصادق والكاظم (ع)
كتاب تاريخ الرضا والجواد والهادي والعسكري (ع)
كتاب تاريخ الحجة (عج)
كتاب السماء والعالم
كتاب الإيمان والكفر
كتاب العشرة
كتاب الآداب والسنن
كتاب الروضة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب القرآن
كتاب الأدعية والأذكار
كتاب الصوم
كتاب الحج والعمرة
كتاب المزار
كتاب العقود والإيقاعات

حديث جليل يتضمن وصية أمير المؤمنين (ع) للحسن (ع) عند انصرافه من معركة صفين وهي وصية تجمع من أصول العلم ومكارم الأخلاق والقيم الإسلامية الكثير، وفيه يبين منزلة الحسن (ع) من نفسه، وهلم جرا، وهذه أحاديث جليلة جمعها العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، وقد اقتبس الشيخ حبيب الكاظمي بعض هذه الأحاديث وحذف أسانيدها مع مراعاة التبويب، فكانت جواهر البحار الذي بين يديك.

الحديث: ١
/
ترتيب جواهر البحار: ٦٩٠٠

قال الباقر (عليه السلام): لمّا أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) من صفّين كتب إلى ابنه الحسن (عليه السلام):

بسم الله الرحمن الرحيم، من الوالد الفان المقرّ للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذامّ للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها غداً … وجدتك بعضي بل وجدتك كلّي، حتّى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني، وحتّى كأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني عن أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا، مستظهراً به إن أنا بقيت لك أو فنيت.

فأوصيك بتقوى الله _ يا بنيّ _ ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جلّ جلاله إن أخذت به؟

فأحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلّلـه بذكر الموت، وقرّره بالفناء، وأسكنه بالخشية، وأشعره بالصبر، وبصّره فجائع الدنيا، وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّبه، وتقلّب الليالي والأيّام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين، وسر في ديارهم، واعتبر آثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلّوا ونزلوا، وعمّن انتقلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا دار الغربة وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم.

فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والنظر فيما لا تكلّف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكفّ عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حقّ جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحقّ حيث كان، وتفقّه في الدين، وعوّد نفسك التصبّر على المكروه، فنعم الخلق الصبر، وألجئ نفسك في الأمور كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربّك فإنّ بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة، وتفهّم وصيّتي ولا تذهبنّ عنك صفحاً، فإنّ خير القول ما نفع، واعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلّمه.

يا بنيّ، إنّي لمّا رأيتك قد بلغت سنّاً، ورأيتني أزداد وهناً، بادرت بوصيّتي إليك لخصال، منها: أن يعجّل بي أجلي دون أن أفضى إليك بما في نفسي، أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا وتكون كالصعب النفور، وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء إلّا قبلته، فبادر بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك، وتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما كنّا نأتيه، واستبان لك منها ما ربّما أظلم علينا فيه.

يا بنيّ، إنّي وإن لم أكن قد عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمارهم وفكّرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، واستخلصت لك من كلّ أمر نخيله، وتوخّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر، مقبل الدهر، ذو نيّة سليمة ونفس صافية، وأن ابتدأك بتعليم كتاب الله عزّ وجلّ وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز بك ذلك إلى غيره … .

واعلم مع ذلك يا بنيّ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به من وصيّتي إليك: تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك والصالحون من أهل بيتك، فإنّهم لن يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكّروا كما أنت مفكّر …

فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك لذلك بتفهّم وتعلّم لا بتورّط الشبهات وعلوّ الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه، والرغبة إليه وفي توفيقك، ونبذ كلّ شائبة أدخلت عليك كلّ شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة، فإن أيقنت أن قد صفا لك قلبك فخشع، وتمّ رأيك فاجتمع، وكان همّك في ذلك همّاً واحداً، فانظر فيما فسّرت لك وإن لم يجتمع لك رأيك على ما تحبّ من نفسك وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنّك إنّما تخبط خبط العشواء وتتورّط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط ولا خلط، والإمساك عند ذلك أمثل … .

إنّما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر، نبا بهم منزل جدب، فأمّوا منزلاً خصيباً، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً ولا يرون لنفقته مغرماً، ولا شيء أحبّ إليهم ممّا يقرّبهم من منزلهم.

ومثل من اغترّ بها كقوم كانوا في منزل خصيب، فنبا بهم إلى منزل جدب، فليس شيء أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه.

ثمّ فزّعتك بأنواع الجهالات لئلّا تعدّ نفسك عالماً، فإنّ العالم من عرف أنّ ما يعلم فيما لا يعلم قليل، فعدّ نفسه بذلك جاهلاً، وازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهاداً، فما يزال للعلم طالباً وفيه راغباً وله مستفيداً ولأهله خاشعاً ولرأيه متّهماً وللصمت لازماً وللخطأ جاحداً ومنه مستحيياً.

وإن ورد عليه ما لا يعرف لا ينكر ذلك، لما قد قدّر به نفسه من الجهالة، وأنّ الجاهل من عدّ نفسه بما جهل من معرفة العلم عالماً وبرأيه مكتفياً، فما يزال من العلماء مباعداً وعليهم زارياً، ولمن خالفه مخطّئاً، ولما لم يعرف من الأمور مضلّلاً، وإذا ورد عليه من الأمر ما لا يعرفه أنكره وكذّب به، وقال بجهالته: ما أعرف هذا، وما أراه كان، وما أظنّ أن يكون وأنّى كان ولا أعرف ذلك، لثقته برأيه وقلّة معرفته بجهالته …

يا بنيّ، تفهّم وصيّتي، واجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، وأحبّ لغيرك ما تحبّ لنفسك واكره له ما تكره لها، لا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس ما ترضى لهم منك، ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما علمت ممّا لا تحبّ أن يقال لك، واعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب، وإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك، واسع في كدحك ولا تكن خازناً لغيرك.

واعلم يا بنيّ، أنّ أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة وأهوال شديدة، وإنّه لا غنى بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفّة الظهر، فلا تحملنّ على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقيلاً ووبالاً عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك في حال غناك، وجعل قضاءه لك في يوم عسرتك، وحمّله إيّاه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه، فلعلّك تطلبه فلا تجده.

واعلم أنّ أمامك عقبة كؤوداً، لا محالة أنّ مهبطها بك على جنّة أو نار، فارتد لنفسك قبل نزولك.

واعلم أنّ الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لدعائك وتكفّل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعيّرك بالإنابة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث تعرّضت للفضيحة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، ولم يشدّد عليك في التوبة، فجعل توبتك التورّع عن الذنب، وحسب سيّئتك واحدة وحسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب والاستعتاب، فمتى شئت سمع نداءك ونجواك، فأفضيت إليه بحاجتك وأبثثته ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستعنته على أمورك، ثمّ جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه.

فألحح عليه في المسألة يفتح لك أبواب الرحمة، لا يقنّطك إن أبطأت عليك الإجابة، فإنّ العطيّة على قدر المسألة، وربما أخّرت عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطيّة، ربما سألت الشيء فلم تؤتاه وأوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً، أو صرت إلى ما هو خير لك، فلربّ أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك ودنياك لو أوتيته، ولتكن مسألتك فيما يعنيك ممّا يبقى لك جماله وينفى عنك وباله، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له، فإنّه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسناً أو سيّئاً أو يعفو العفوّ الكريم.

و اعلم يا بنيّ، إنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنّك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، وأنّك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه، ولا بدّ أنّه مدركك يوماً، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك وبين ذلك، فإذاً أنت قد أهلكت نفسك.

يا بنيّ، أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حيث تراه حتّى يأتيك، وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، ولا يأخذك على غرّتك، وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فإنّ ذلك يزهّدك في الدنيا ويصغّرها عندك، وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهلها وتكالبهم عليها، وقد نبّأك الله جلّ جلاله عنها، ونعت إليك نفسها وتكشّفت لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهرّ بعضها بعضاً، ويأكل عزيزها ذليلها ويقهر كبيرها صغيرها وكثيرها قليلها …

وأكرم نفسك عن دنيّة _ وإن ساقتك إلى الرغائب _ فإنّك لن تعتاض بما تبذل شيئاً من دينك وعرضك بثمن وإن جلّ … وظلم الضعيف أفحش الظلم … والتصبّر على المكروه يعصم القلب … ولقاء أهل الخير عمارة القلب …

ما أقبح القطيعة بعد الصلة! والجفاء بعد الإخاء! والعداوة بعد المودّة! والخيانة لمن ائتمنك! والغدر بمن استأمن إليك! وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ولك يوماً ما، ومن ظنّ لك خيراً فصدّق ظنّه، ولا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالاً على ما بينك وبينه، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه، ولا يكن أهلك أشقى الناس بك، ولا ترغبنّ فيمن زهد فيك، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل، ولا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك، وإنّما يسعى في مضرّته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه.

والرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك … ولا تكفر ذا نعمة، فإنّ كفر النعمة من ألأم الكفر … واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين … ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة، ونعم طارد الهموم اليقين … نعم الخلق التكرّم … والإفراط في الملامة يشبّ نيران اللجاجة … وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده … أخّر الشرّ، فإنّك إذا شئت تعجّلته … ولا تكثر العتاب، فإنّه يورث الضغينة، واستعتب من رجوت عتباه … خير المقال ما صدّقه الفعال …

سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار … ولا تملّك المرأة من الأمر ما جاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتمللهنّ … ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً … وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنّك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وإنّ اليسير من الله أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كلّ منه …

وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك فائدة ما فات من منطقك … وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الإسراف … وأحسن المماليك الأدب، واقلل الغضب، ولا تكثر العتب في غير ذنب، فإذا استحقّ أحد منك ذنباً فإنّ العفو مع العدل أشدّ من الضرب لمن كان له عقل … وأكرم عشيرتك، فإنّهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، وإنّك بهم تصول، وبهم تطول اللذّة عند الشدّة، وأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورهم، وتيسّر عند معسورهم، واستعن بالله على أمورك، فإنّه أكفى معين، وأستودع الله دينك ودنياك، وأسأله خير القضاء في الدنيا والآخرة.

المصدر الأصلي: كشف المحجّة١
/
المصدر من بحار الأنوار: ج٧٤
، ص١٩٨-٢١٦
(١) عبَر المجلسي (رحمة الله عليه) عن هذا الكتاب بكتاب الوصایا.
الحديث: ٢
/
ترتيب جواهر البحار: ٦٩٠١

من وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام) بعد كلام له: فكن عند ذلك _ يابنيّ _ كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا وبر فيسلب، ولا ضرع فيحلب، فما طلابك لقوم إن كنت عالماً عابوك، وإن كنت جاهلاً لم يرشدوك، وإن طلبت العلم قالوا: متكلّف متعمّق، وإن تركت طلب العلم قالوا: عاجز غبيّ، وإن تحقّقت لعبادة ربّك قالوا: متصنّع مراء، وإن لزمت الصمت قالوا: ألكن، وإن نطقت قالوا: مهذار ١ ، وإن أنفقت قالوا: مسرف، وإن اقتصدت قالوا: بخيل، وإن احتجت إلى ما في أيديهم صارموك وذمّوك، وإن لم تعتدّ بهم كفّروك، فهذه صفة أهل زمانك …

ومن صفة العالم أن لا یعظ إلّا من يقبل عظته، ولا ينصح معجباً برأيه، ولا يخبر بما يخاف إذاعته، ولا تودع سرّك إلّا عند كلّ ثقة، ولا تلفظ إلّا بما يتعارفون به الناس، ولا تخالطهم إلّا بما يفعلون، فاحذر كلّ الحذر وكن فرداً وحيداً … .

المصدر الأصلي:  العدد القویّة
/
المصدر من بحار الأنوار: ج٧٤
، ص٢٣٤-٢٣٥
(١) «المِهْذار»: كثیر الخطأ والباطل في الكلام. راجع: تاج العروس، ج٧، ص٦١٦.
الحديث: ٣
/
ترتيب جواهر البحار: ٦٩٠٢

قيل للحسن (عليه السلام): يا بن أمير المؤمنين، بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما نلتها منه بشفيع منك إليه، بل إنعاماً منه عليك إلّا ما أنصفتني من خصمي فإنّه غشوم ١ ظلوم، لا يوقّر الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير، وكان (عليه السلام) متّكئاً فاستوى جالساً وقال له: من خصمك حتّى أنتصف لك منه؟ فقال له: الفقر، فأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه إلى خادمه وقال (عليه السلام): أحضر ما عندك من موجود، فأحضر خمسة آلاف درهم فقال (عليه السلام): ادفعها إليه، ثمّ قال له: بحقّ هذه الأقسام التي أقسمت بها عليّ، متى أتاك خصمك جائراً إلّا ما أتيتني منه متظلّماً.

المصدر الأصلي: العدد القویّة
/
المصدر من بحار الأنوار: ج٧٤
، ص٢٣٥
(١) «الغَشُــوم»: الذي يخبــط النـاس ويـأْخذ كلّ ما قدر عليه. لسان العرب، ج١٢، ص٤٣٨.