- جواهر البحار
- » تتمة كتاب الصلاة
- » أحاديث في ما يكون بين يدي المصلّي
قال أبوسلیمان مولی العسكري (عليه السلام): سأل بعض الموالي الإمام العسكري (عليه السلام) _ وأنا حاضر _ عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال (عليه السلام): لا، ليست الصلاة تذهب هكذا بحيال صاحبها، إنّما تذهب مساوية لوجه صاحبها.
«مساوية لوجه صاحبها»، أي إلى السماء من جهة رأسها، ويحتمل أن يكون المراد أنّها تذهب إلى الجهة التي توجّه قلبه إليها، فإن كان قلبه متوجّهاً إلى الله تعالی، وعمله خالصاً له سبحانه فإنّه يعود إليه ويقبل عنده، سواء كان في مقابله شيء أو لم يكن، وإن كان وجه قلبه متوجّهاً إلى غيره تعالى، وعمله مشوباً بالأغراض الفاسدة والأعراض الكاسدة، فعمله ينصرف إلى ذلك الغير، سواء كان ذلك الغير في مقابل وجهه أو لم يكن، ولذا يقال له يوم القيامة: «خذ ثواب عملك ممن عملت له» وهو المراد من الخبر الآتي في قوله (عليه السلام): «الذي أصلّي له أقرب إليّ من هؤلاء»، أي هو في قلبي وأنا متوجّه إليه، ولا يشغلني هذه الأمور عنه، فعلى هذا يمكن أن يكون هذا وجه جمع بين الأخبار، بأن يكون النهي لمن تكون مقابلة هذه الأمور سبباً لشغل قلبه، والتجويز لمن لم يكن كذلك.
ويحتمل الخبر الآتي وجهاً آخر، وهو أن يكون المعنى أنّ الربّ تعالی لمّا كان بحسب العلّية والتربية والعلم أقرب إلى العبد من كلّ شيء، فلا يتوهّم توسّط ما يكون بين يدي المصلّي بينه وبين معبوده، والأوّل أوجه.
والحاصل أنّ الغرض من عدم كون الصورة والسراج وأمثالهما بين يديه عدم انتقاش صورة الغير في القلب والنفس والخيال، وتوجّه العبد بشراشره إلى ربّ الأرباب، فمن لم يتوجّه إلى غيره فلا ضير، والله الموفّق لكلّ خير.
كان الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يصلّي، فمرّ بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه، فلمّا انصرف من صلاته قال (عليه السلام) له: لم نهيت الرجل؟ قال: يا بن رسول الله، خطر فيما بينك وبين المحراب، فقال (عليه السلام): ويحك، إنّ الله عزّ وجلّ أقرب إليّ من أن يخطر فيما بيني وبينه أحد.
دخل أبو حنيفة على الصادق (عليه السلام) فقال له: رأيت ابنك موسى يصلّي والناس يمرّون بين يديه، فلا ينهاهم وفيه ما فيه؟ فقال (عليه السلام): ادعوا لي موسى، فدعي فقال (عليه السلام): يا بنيّ، إنّ أبا حنيفة يذكر أنّك كنت تصلّي والناس يمرّون بين يديك فلم تنههم؟ فقال (عليه السلام): نعم، يا أبت، إنّ الذي كنت أصلّي له كان أقرب إليّ منهم، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ الۡوَرِيدِ﴾، فضمّه (عليه السلام) إلى نفسه، ثمّ قال (عليه السلام): بأبي أنت وأمّي، يا مودع الأسرار.