Layer 5
فهرس تفسير المتدبرين
وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١ وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢ وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣ فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤ فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥ يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨ أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١ قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢ فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

اختلاف مراتب الملائكة

إن هذه السورة مفتتحة بالعديد من الأقسام بالملائكة ، فمنها :
﴿النَّازِعاتِ﴾ وهي التي تنزع أرواح الكفار ؛ شديدة في نزعها من أبدانها .
﴿النَّاشِطاتِ﴾ التي تنزع أرواح المؤمنين ؛ رفيقة بهم عند استلالها من أجسادهم .
﴿السَّابِحاتِ﴾ المسرعة في تنفيذ الأوامر الإلهية ؛ كقبض أرواح المؤمنين ، وإيصالها إلى مقرها في مقعد الصدق عند المليك المقتدر بسرعة .
﴿فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً﴾ المتقدمة في سيرها ، سواء لقبض الأرواح ، أو لتبليغ خطاب الوحي للأنبياء .
﴿الْمُدَبِّراتِ﴾ التي تدبّر شؤون الوجود ، فهي الواسطة بين الأوامر الإلهية الصادرة ومقدرات الكائنات المنجزة .
وهذه الأقسام بدورها تدل على تنوع عمل الملائكة تبعا لتعدد مراتب عبوديتها ، ولا يخفى أن ما تدبّره الملائكة هو من الأمور المهمة ، حيث جاء الأمر بصيغة النكرة ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ لإفهام هذه الأهمية .

الوجوه المختلفة للنزع

إن ساعة النزع والموت لمن الساعات المهمة في حياة البشر ، ومن هنا استحق أن ينوّع الله تعالى من عمل الملائكة ، بحسب حالات نزع الكافر وغيره ، وطريقة إيصال الأرواح إلى مكانها اللائق بها ، هذا كله إذا كانت الآية ناظرة إلى تصرفات الملائكة   . . وهناك ما يشير إلى أن الآيات ناظرة إلى حالات النجوم بحسب حركتها في السماء[١]  . . وهناك ما يشير إلى أنها ناظرة إلى حالات المجاهدين في ميادين القتال ؛ وهذا يؤيد ما قيل عن القرآن الكريم بأنه حمّال ذو وجوه .

[١] . التبيان : ج١٠ ص٢٥١ ، مجمع البيان في تفسير القرآن : ج١٠ص٦٥١ .

السر في التعبير بالنزع

إن نزع الأرواح من الأجساد متناسب مع شدة ترسخها في عالم الشهوات ، فكما يصعب نزع السهم من الجسد لحيلولة نصالها الصغيرة من الخروج ، فكذلك الأمر في أرواح الكافرين ، فإن الملائكة تبالغ في نزع تلك الأرواح كالقسي تنزع بالسهم ؛ أي تُمد بجذب وترها إغراقا في المد .

وسائط الفيض

إن عظمة الملائكة تتجلى في أنها مدبرة للأمر ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ أضف إلى القَسَم بهم في سور عديدة ، مثل : سورة الصافات وسورة المرسلات ؛ فهم وسائط التبليغ ، والحال بأن الله تعالى ينسب هذا الأمر الخطير إلى نفسه قائلا ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾[٢] بفارق أن الملائكة وكيلة في التدبير ، والله تعالى هو الأصيل في كل شؤونه .
فهل من الغريب بعدها أن ننسب ذلك إلى كبار أوليائه الذين هم وسائطٌ في الفيض ، وفي رتبة مخدومي الملائكة؟!

[٢] . سورة يونس : الآية ٣ .

الجمع بين المتنافيات

إن انشغال الملائكة بتدبير أمور الوجود الكبرى بأمر من الله تعالى ، لا ينافي استغراقها في تسبيح الله عز وجل بمقتضى قوله تعالى ﴿وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾[٣] فالمطلوب من الإنسان كخليفة لله تعالى في الأرض ـ  الذي يضاهي الملائكة في رتبتهم ـ أن يصل إلى هذه الدرجة من الجمع بين الانشغال بالخلق ، والاستغراق بالخالق!
والطريق إلى ذلك قد تشير إليه الآية ؛ وهو إحساس الإنسان بمقام العندية المستفاد من كلمة ﴿وَمَنْ عِندَهُ﴾[٤] وكأن هذا هو مفتاح الوصول إلى الذكر المستغرق .

[٣] . سورة الأنبياء : الآية ٢٠-١٩ .
[٤] . سورة الأنبياء : الآية ١٩ .

طولية التدخل الغيبي

إن انتساب حوادث الوجود كالإماتة والرازقية وغيرها ، إلى أسباب متعددة ـ  بعد انتسابها إلى الله تعالى ـ إنما هي كانتساب الكتابة إلى القلم واليد في طول الانتساب إلى الإنسان لا في عرضه ، وحينئذٍ لا غرابة في انتساب أمور الوجود إلى أسباب متعددة ، كانتساب الموت إلى ملك الموت[٥] أيضا بعد الانتساب إلى الله تعالى   . . وبذلك تبقى عظمة الربوبية بحالها ، بملاحظة هذه الطولية في كل مواردها .

[٥] . ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ سورة السجدة : الآية ١١ .

الصيحتان العظيمتان

إن من خصوصيات القيامة أن فيها صيحتين عظيمتين توجبان الاضطراب ، فعُبّر عنهما بـ ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ التي توجب الاضطراب العظيم و﴿الرَّادِفَةُ﴾ التالية لها . . وقد استعمل القرآن نفس مادة الاشتقاق بالنسبة للمنافقين في المدينة قائلا ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾[٦] فكانّ حديث هؤلاء في نشر الأراجيف ، بمثابة الزلزال المُدمر لاطمئنان المجتمع .

[٦] . سورة الأحزاب : الآية ٦٠ .

حال الكافرين في القيامة

إن حالات الكفار المنكرين للبعث يوم القيامة ، تشبه حالات قلوب المؤمنين في الدنيا في أنها :
﴿واجِفَةٌ﴾ أي مضطربة من خوف الله تعالى ، كوجل قلوب المؤمنين .
﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لخشوع قلوبهم ، وهي من أجلِّ صفات المؤمنين في الدنيا! .
والحال أنه بجانب هذه الصفات المشتركة في الآخرة ، هناك صفة تخص المؤمنين في الدنيا وهي أنهم ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[٧] فالكمال كل الكمال أن تكون صفات القلوب في الآخرة ، متحققة في الحياة الدنيا وهي دار التكامل والقرب .

[٧] . سورة الأحقاف : الآية ١٣ .

ما بعد الصيحة الثانية

إن أرض القيامة بعد النفخة الثانية تتحول إلى ما يصفه القرآن الكريم ﴿فَإِذا هُم ْبِالسَّاهِرَةِ﴾ أي مستوية خالية من النبات ، لذا ينبغي للإنسان ـ  عندما ينظر إلى مباهج الحياة الدنيا ـ أن يتذكر ذلك اليوم الذي تزول فيه جميع معالم الأرض ، ويبقى معلم واحد يتمثل في كل ما كان منتسبا إلى الله تعالى ، إذ إن الباقي هو وجهه الكريم ، ويلحق به كل ما انتسب إليه .