- الآيات ٢٩ إلى ٣٦
- من سورة المطففين
الطبيعة الإجرامية
إن القرآن الكريم عَدَل عن لفظ الذين كفروا إلى ﴿الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ممّا يدل على أن الذي يدعوهم إلى إيذاء المؤمنين هي طبيعتهم الإجرامية المترشحة عن كفرهم ، وإلا فقد يكون الكافر مقتصرا في كفره على الكفر الاعتقادي فحسب .
وحينئذ نقول : إن هذه الطبيعة إذا وجدت في نفس من يُظهر الإسلام ، فقد تؤدي إلى نفس الأعمال التي تصدر من الكافرين ، من الاستهزاء بالمؤمنين وغيرها ممّا ذكر في الآية .
انقلاب المواقف
إن الكفار قوم لا منطق لهم ليحاجّوا به ، وإنما ديدنهم الاستهزاء ﴿يَضْحَكُونَ﴾ والإشارة المحقرة ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ والاجتماع على الباطل والسخرية من المؤمنين ﴿انقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾ والتعالي بلا دليل ﴿إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ﴾ .
إلا أن كل ذلك ينقلب يوم القيامة ، لتكون كل هذه المواقف لأهل الجنة في مقابل أهل النار ، وهم يتقلّبون في نعيم الجنة متكئين على الأرائك ، وحالهم كما يصفه القرآن الكريم﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلا أنه في هذه المرة ، يكون هذا الاستهزاء ضمن موقف حق يمتدحه رب العالمين .
موجبات التحمّل
إن هذه الآيات التي تذكر تعامل الكفار المجرمين مع المؤمنين ، تهيّئ المؤمنين لتحمّل أنواع الأذى من : استهزاء ، وتغامز ، واتهام ، وغيره ممّا لا يدع مجالا لتوقّع رضا الكفار أو مدحهم .
فالانحراف العقائدي لهؤلاء إضافة إلى طبيعتهم الإجرامية ، لا يدعان مجالا للتقارب بين هاتين الفئتين إلا أن يتبع أحدهم ملة الآخر ، وخاصة أن الآية تشير إلى الجهل المركب للمجرمين ، حيث وصفوا المؤمنين بأنهم على ضلال ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ والحال أنهم هم أساس الضلال ، وكم جاء الردع الإلهي في قالب الاستهزاء قاصما لهم عند الدفاع عن أوليائه قائلا ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ بمعنى أنه لا شأن لكم بعبادنا المهتدين! .
انتظار عقوبة الظالمين
إن البعض في الدنيا يستعجل عقوبة الظالمين ، والحال أن أمرهم بيد الله تعالى الذي لا يخاف الفوت ، وهو الذي بيده نهايات الظالمين والمظلومين وهو الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .
ومن هنا فإنه مهما تأخر العقاب عنهم ، فهناك يوم ينادي فيه رب العالمين ﴿هل ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وكأن الله تعالى يريد أن يُري انتقامه من الظالمين لأوليائه المؤمنين ؛ مطمئنا لهم بما لاقوه منهم أيام حياتهم الدنيا .