Layer 5
فهرس تفسير المتدبرين
ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩ إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠

اتخاذ الطريق

إن سلوك الطريق إلى الله تعالى لا يكون بالقهر والجبر على طيّه ، وإلا انتفت المجاهدة المطلوبة في القرب إليه ، بل إنه جعل هداية السبيل منوطة بالمجاهدة فيه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾[١] .
وعليه ، فإن من شاء العودة والمآب إلى الله تعالى ، لا بُد أن يكون مريدا ومشيئا لذلك أولا ﴿فَمَن شَاء﴾ وعازما على اتخاذ سبيل ثابت إليه ثانيا ﴿اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآباً﴾ .

[١] . سورة العنكبوت : الآية ٦٩ .

الامتداد الالهي

إن المنذر بالأصالة هو رب العالمين ﴿إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَريبا﴾ ويليه الرسل ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾[٢] ويليهم العلماء ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾[٣]  . . ومن هنا يُعلم كمال الفخر للعلماء وعلو درجتهم ، إذ إنهم صاروا امتدادا للإرادة الإلهية من جهة ، ومتأسين بفعل الأنبياء من جهة اُخرى .

[٢] . سورة الإنسان : الآية ١٦٥ .
[٣] . سورة التوبة : الآية ١٢٢ .

تأثير الإنذار

إن الإنذار أقرب إلى تحريك النفوس الغافلة من البشارة ، ومن هنا ذكرت الآية الإنذار فحسب ﴿إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَريباً﴾ ولم تذكر البشارة عند ذكر ﴿الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ فإن السورة مختومة بذكر الكافرين .

الإنذار القريب

إن الآخرة يراها القوم وكأنها مستقبل بعيد ، والحال أنه لا يفصلنا عن ذلك سوى الموت الذي نحن معرّضون له في كل آن  . . ومن هنا عبّرت الآية عن العذاب بأنه إنذار قريب ﴿إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَريباً﴾ ففيها بيان للقرب بحسب الواقع ، بينما في آية اُخرى ذكرت القرب بحسب ما يراه المولى الحكيم أيضا ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ فکانّه اجتمع  بذلك عالم الثبوت و الإثبات، وهذا الإنذار السابق ـ الموجب للتنبّه ـ حجة أيضا على الكفار يوم القيامة .

تجسّم الأعمال

إن الأعمال تتجسم يوم القيامة ، وقد عبّرت الآيات عن رؤية العمل في مواطن عديدة ، ومنها هذه الآية ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ والحال أنه ينبغي للعبد أن ينظر إلى عمله في الدنيا ماثلا أمام عينيه بطريق أولى ، وذلك لقرب عهده بالعمل من جهة ، وإمكان التدارك من جهة اُخرى ، ولكن المشكلة في انعدام البصيرة الباطنية التي تتكشف بعد فوات الأوان .

شدة الندامة

إن تمني مَن كان مرشحا للخلافة الإلهية أن يكون ترابا ؛ كاشف عن شدة الندامة التي يعيشها الكافر يوم القيامة ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَني‏ كُنْتُ تُراباً﴾ بل من الممكن القول بأن التراب خير منه ؛ لأنه يستلم البذرة في باطنه ليحولها إلى شجرة باسقة ، وهؤلاء قد أودع المولى في بواطنهم بذور الخير ، إلا أنهم لم يستنبتوها في أعماق نفوسهم ، بل جعلوها مغطاة ببواطنهم الممسوخة ، فخابوا بهذا الإخفاء الذي أشار إليه قوله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ وهذا من وجوه التناسب بين لفظة الكفر المأخوذة من التغطية  ، وبين مبدأ اشتقاقه .