Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

إن الإنسان منذ أن يولد في هذه الدنيا تبدأ حركته إلى الله تعالى، فهو في طريق إلى الله تعالى.. ولكل طريق بداية ونهاية، ولكل طريق زاد، ولكل طريق رفقة سفر.. فالذي لا يعتقد أنه في حركة دائبة إلى الله عزوجل، فإن هذا الإنسان سوف يخسر حياته.. ومن المعلوم أننا في هذه الحياة الدنيا خلقنا لمهمة راقية، عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. وفي حديث قدسي يثير في الإنسان الدوافع الحركية في قلبه، حيث يعبر رب العالمين عن نفسه بهذا القول: (كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف).. ففي هذا الحديث القدسي ذُكر الهدف من الخلقة بعنوان المعرفة، وفي الآية القرآنية ذُكر الهدف بعنوان العبادة؛ وكلاهما وجهان لعملة واحدة.. فالإنسان في حركته إلى الله عزوجل، يسير في حركة دائبة، وختام هذه الحركة هو اللقاء القهري بالله عزوجل: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}.. فاللقاء أمر قهري، ولا مناص من ذلك، ولكن شتان بين لقاء كلقاء الحبيب مع محبوبه، وبين لقاء المتهم مع القاضي الذي يريد أن يُحْلِل عليه عقوبته!..

هنالك نوعان من اللقاء :
الأول: لقاء قهري: لابد أن الإنسان في عرصات القيامة، سيقف أمام الله -سبحانه وتعالى- ليقدم حسابه.. في ذلك اليوم يحب العبد أن يتكلم مع ربه دفاعاً عن نفسه، واستجلاباً للرحمة، التي تتجلى في القيامة بما لا يقاس في الدنيا، والإمام الباقر (ع) أشار إلى تلك الرحمة في هذه الرواية: سئل محمد بن علي الباقر -عليهما السلام- عن أرجى آية في كتاب الله؟.. فقال الإمام للسائل (بشر بن شريح البصري): (ما يقول فيها قومك)؟.. قال: يقولون: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ}، قال: (لكنّا أهل البيت لا نقول بذلك)، قال السائل: فأيّ شيء تقولون فيها؟.. قال: (نقول: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}؛ الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة).. وقال الصادق (عليه السلام): (رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد).. فالنبي الأكرم (ص) هذه سعة دائرة الشفاعة لديه.. ولكن مع هذه الشفاعة النبوية، ومن قبل ذلك الرحمة الإلهية -لأن شفاعة النبي (ص) قبس من رحمة الله الواسعة في عرصات القيامة-، إن البعض يريد أن يتكلم مع ربه -والله يحب حديث العبد معه-، ولكن في ذلك اليوم ماذا يقال للعبد؟!.. {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}!.. كلمة (اخسأ) تقال للحيوان نجس العين، لا تقال لبني آدم!.. في عرصات القيامة هنالك لقاء، ولكن أي لقاء؟!.. العبد يريد أن يتكلم مع ربه مع حبيبه، ولكن الله عزوجل يقول: انتهت العلاقة!.. اليوم دار جزاء ولا عمل، وفي دار الدنيا كان العمل ولا جزاء!..

الثاني: لقاء اختياري: إن البحث والحديث والتفحص والتمحص حول اللقاء الاختياري في الحياة الدنيا، هو غاية الأماني للعباد السالكين إلى الله عزوجل.. في المناجيات الخمس عشرة لإمامنا زين العابدين وقرة عين الساجدين (ع)، نلاحظ كيف يتكلم مع ربه: (إلهِي!.. فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ… وَهَيَّمْتَ قَلْبَهُ لإرادَتِكَ… وَفَرَّغْتَ فُؤادَهُ لِحُبِّكَ… وَقَطَعْتَ عَنْهُ كُلَّ شَيْء يَقْطَعُهُ عَنْكَ… يا نعيمي وجنتي).. فالتعابير التي يستعملها الإمام زين العابدين (ع) يريد بنا أن نصل إلى هذه الدرجة العالية من الإنس بالله عزوجل.. وهذه الآية: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تشير إلى هذه الحقيقة، ولكن بنحو الموجبة الجزئية.. وجوه يومئذ تشع نضارة وبشاشة، ناظرة إلى ربها، ولكن هذه الوجوه لا كل الوجوه.. فقوم خلقوا للنار، وقوم خلقوا لنعيم الجنة من حورها وقصورها، وقوم خلقوا للنظر إلى وجه الله عزوجل.. وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها.. فليس هذا مقام كل أهل الجنة، وإنما هذا مقام الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ومن مشى في ركبهم.

الكدح والفرارية :
إن القرآن الكريم عندما يذكر هذه الحركة الدائبة، يستعمل كلمات الحركة والإثارة: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ (الكدح) مبالغة في السعي.. فالإنسان الذي يسعى يوماً وينام يوماً، لا يقال بأنه إنسان كادح.. ومن الغريب أن نرى هذه الهمة للإنسان في بعض الأمور التي قد لا تجد لها كثير جدوى، كما نشاهد في بعض الأفلام العلمية كيف أن الجماعات في الدول الأوروبية وغير ذلك، لأجل اكتشاف بعض الأمور البسيطة، يصعدون القمم العالية.. ويذهبون إلى أقصى قطب الشمال والجنوب، لكشف مغارة ثلجية مثلاً.. ونحن هذه النفوس التي بين أيدينا، هذه النفوس التي بها نكتسب الخلود أبد الآبدين، هل بذلنا هذا الجهد الذي يبذله غواصو البحار للوصول إلى الأعماق المرجانية في المحيطات مثلاً؟.. هم يغوصون عشرات الأمتار بل مئات الأمتار، ويعرضون حياتهم للخطر، ليكتشفوا سمكة صغيرة؛ هل نحن حاولنا أن نغوص في بحار أنفسنا، لاكتشاف النقاط المظلمة والمضيئة فيها؟.. فنحن لسنا هذه الأبدان الفانية!.. إن علي (ع) عندما يصف الجسم البشري، يصفه بوصف بليغ في الذم: (مسكين ابن آدم؛ مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل.. تؤلمه البقة، تقتله الشرقة، وتنتنه العرقة.. ما لابن آدم والفخر!.. أوله نطفة، وآخره جيفة.. لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه)، وفي قول آخر: (أوله نطفة قذرة، وآخرة جيفة نتنة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة).

أليس من الواجب أن نفكر في هذا السبيل الذي يستلزم الكدح ويستلزم الفرار؟.. والله تعالى يدعونا للفرار إليه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}.. والفرار إلى الله عزوجل له أركان: هنالك ما يخاف منه، وهنالك ما يلتجأ إليه، وهنالك حركة بين ما يخاف منه وبين ما يلتجأ إليه.. فالذي لا يخاف من شيء كيف يفر؟.. مثل إنسان ذهب إلى غابة، فرأى سبعاً ضارياً، ففر من هذا الأسد إلى مأمن.. هل نحن نعيش في حياتنا حالة الخوف من شيء؟.. أم أننا نائمون لا نكاد نجد عدواً في هذه الحياة؟.. أليس القرآن الكريم يأمرنا أن نتخذ من الشيطان عدواً: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}؟.. هل عشنا حقيقة هذه العداوة؟.. هل عشنا حقيقة هذه المعركة غير المتناسبة؟.. عدو يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم.. لك أن تتصور معركة بين جبهتين -بين جيشين-: جيش يمثل جندياً واحداً، وجيش يمثل قبيلاً من المتدربين على القتال!.. أنت إنسان وحيد فريد أعزل، وحولك جماعات متسلحة!.. إن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم، كما في الخبر الشريف: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق).. ورد في الحديث أنه: أتى رسول الله (ص) بقيع الغرقد فوقف على قبرين ثريين فقال: أدفنتم هنا فلاناً وفلانة -أو قال وفلاناً- فقالوا: نعم يا رسول الله، فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب.. ثم قال: والذي نفسي بيده!.. لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين من الجن والأنس، ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث، لسمعتم ما أسمع ورأيتم ما أرى.. لولا أن قلوب بني آدم فيها هرج ومرج، وتذهب يميناً وشمالاً، وإلى كل رطب ويابس، وإلى كل غث وسمين، لسمعوا ما كان يسمعه الرسول (ص)، ولرأوا ما يرى.. فإن النبي (ص) ليس بدعاً من الرسل، فرب العالمين قلب العباد ظهراً لبطن، فلم ير أطوع من قلب حبيبه المصطفى (ص).. ورب العالمين له سننه؛ فالسبيل لتقوية البصيرة، وفتح عين الباطن، هو أن نكون على خط الرسول المصطفى (ص).

إن الذي يريد أن يصل إلى مرحلة اللقاء الإلهي، لابد من أن يعيش هذه الحالة من الفرارية.. ومن الملفت أن كلمة (النفر) استعملت في القرآن في مجال التزكية والمجاهدة، وفي مجال طلب العلم.. قال تعالى يحث على الجهاد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}، وقال في آية أخرى يحث على طلب العلم: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.. فإذن، إن التعبير بالكدح، والتعبير بالفرار، والتعبير بالنفر؛ كل هذه التعابير فيها رائحة السعي الحثيث، والمواصلة في الحركة إلى اجتياز العقبات التكاملية.

تحديد المنهجية :
لابد من تحديد المنهجية في الهدف، وتحديد السبيل الموصل.. فإن لكل أداة مادية هنالك أدوات الاستعمال.. لو أن إنساناً أراد أن يتخصص في جزء من أجزاء البدن كالعين أو المخ، فإنه يحتاج إلى سنوات من الدراسة والتخصص.. ومن المعلوم بأن العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان.. فإذا كان في علم الأبدان نحتاج إلى تخصصات مرهقة، وإلى ممارسات متوالية في المستشفيات والعيادات وغير ذلك؛ فكيف بعلم الأديان؟!.. علم الأبدان موضوعه البدن الفاني، الذي يتلاشى في القبر إلى تراب لا قيمة له.. وعلم الأديان موضوعه الأرواح، وسلوك العباد، وما يقربنا إلى الله عزوجل، وما يوجب لنا الخلود أبد الآبدين في مقعد الصدق عند المليك المقتدر.. أين نسبة علم الأبدان إلى علم الأديان؟!.. هل نحن في علم الأديان نبذل هذا الجهد، ونحمل هذا الهم؟.. لابد من تحديد المنهجية!.. وإن علماءنا (رحمهم الله) قديماً وحديثاً كتبوا لنا المناهج.. ولكن نحن لا نقرأ المنهج، ولا نحاول أن نطبقه، ولكن نبحث هنا وهناك عن ولي من أولياء الله عزوجل، ونتوقف عن السير بدعوى أن في زماننا هذا ليس هنالك من يأخذ بأيدينا، كما كان في الأزمنة السابقة في الحوزات القديمة!.. من قال بأن الأمر متوقف على ذلك؟!.. أليس رب العالمين هو رب العالمين؟!.. ألم يأمر القرآن الكريم أن نتخذ من رسول الله أسوة حسنة؟!.. وسنة النبي (ص) مدونة، ولمن أراد أن يراجع ويتأسى، فهذا كتاب (سنن النبي) للعلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان.. لنرى سيرته، وسنته، وتعامله مع الناس، وقيامه في الليل، ومراقبته في النهار.

إن رب العالمين ما فرط في الكتاب من شيء، فالإنسان إذا كان صادقاً وجادّا في سيره، فإن المدد يأتيه من كل مكان.. ومن المعلوم أن من طبيعة السير الروحي والأخلاقي اتحاد الجنسين.. فنحن لم نر معلماً يشرف على فتاة في عالم التربية الروحية مثلاً!.. ولكن الله عزوجل رأى القابلية في أمة من إمائه باسم مريم، تقبلها وكفلها زكريا وأنبتها نباتاً حسناً.. بل وصل أمرها إلى درجة أن الأنبياء والأولياء في بيت المقدس، كانوا يتنازعون على كفالتها: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}.. هي لا تبحث عن أستاذ، وإنما رب العالمين جعل زكريا -وهو غير مَحرم على مريم- ولياً ومربياً، وهو نبي من أنبياء الله عزوجل.. وقد بلغ الأمر بهذه الفتاة المؤمنة -التي انتخبها ربها واصطفاها على نساء العالمين في زمانها-، إلى أن زكريا أدهش مما رآه من منزلتها عند الله عزوجل.. كلما دخل عليها زكريا -لا مرة ولا مرتين-، وجد عندها رزقاً: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

فإذن، إن المنهجية من الأمور التي لابد أن ندرسها بدقة.. فعلم الأصول علم، والفقه علم، والأخلاق علم أيضاً بشقيه النظري والعملي، المسمى بالحكمة النظرية والحكمة العملية.. لابد وأن نحمل هذا الهم، وخاصة إذا رأى الإنسان في وجوده بعض بوادر الفساد.. الإنسان قد لا يجاهر بحسده الباطني، وقد لا يجاهر ببغضه وحقده الباطني، وقد لا يجاهر بحالة التكبر الباطني لديه؛ ولكن هو يعلم أنه يعيش هذا الجو.. إن الإنسان الذي يعيش الملكات الخبيثة -لا قدر الله عزوجل- فإنه في يوم من الأيام سيقع في فخاخ إبليس.. ومن المعلوم أن إبليس كان من العباد الذين قلّ نظيرهم في العبادة، وورد في بعض المتون أنه كان خطيب الملائكة.. فالشيطان كان يصعد ويخطب بالملائكة، يخطب في العرفان والأخلاق والتقرب إلى الله عزوجل، ولكن هذه الملكة الخبيثة في جوفه: الحسد، والتعالي، والقياس اللامنطقي؛ -كالبذرة المستنبتة في أعماقه- في يوم من الأيام أوجدت له خذلان الأبد!..

وعليه، فإن القضية تحتاج إلى منهجية، وإلى دراسة، وإلى تأمل.. ومن أفضل الدروس في هذا المجال: التأمل الفردي في هذا الطريق.. فإن علماءنا السلف كان من ديدنهم، أن يطيلوا الجلوس على سجادة الصلاة، بعد الفراغ من الفريضة.. والنبي الأكرم (ص) وعدنا بدعوة مستجابة بعد كل فريضة، فكيف إذا كان في جماعة، وفي مسجد، وبعد الصلاة الوسطى -المفسرة بصلاة الظهر- مثلاً؟.. إن المؤمن يغتنم هذه الفرصة، ليخوض في أعماقه، بما يعرف بالسير الأنفسي.. فالسير الآفاقي مطلوب، ولكنه مكلف؛ أما السير الأنفسي ما أريحه من سير!.. متى ما شئت في جوف الليل، أو في وضح النهار، تجلس مع نفسك لتسبر أعماق وجودك، لترى مكامن الشيطان وفخاخه في أعماق وفي سويداء القلب.. فإذن، إن المنهجية من العناصر المهمة واللازمة في هذه الحركة التكاملية.

المراقبة المتصلة :
إن الحركة الروحية التكاملية تحتاج إلى مراقبة متصلة.. ويحسن أن نذكر هذه المقولة لأحد العارفين، وهي على شكل فتوى: يقول: (إن ترك الحرام بقول مطلق، لا يتم إلا من خلال المراقبة المتصلة).. فالذي يريد أن يترك الحرام بكل صوره وفي كل ساعاته، فهذا الأمر لا يتم إلا من خلال المراقبة المتصلة، والذي لا مراقبة له سوف لن يصل إلى درجة من درجات الكمال، وقد ورد عن إمامنا الكاظم (ع): (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم).. لابد أن يرى الله عزوجل قبل كل شيء، ومع كل شيء، وبعد كل شيء.. ومن أبلغ آيات المراقبة في القرآن الكريم قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.

ولو تأملنا في هذه الآية في حياتنا اليومية: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.. ويمكن القول قياساًَ -قياساً صحيحاً- وما ينظر من نظرة، إلا لديه كذلك رقيب عتيد.. وما يخطر في قلبه من خاطرة، إلا ولديه رقيب عتيد.. في الآية ذُكر اللسان كعينة.. فالذي يعيش هذه الحالة من المراقبة الإلهية الشاملة لسلوكه، هذا الإنسان سوف لا يفكر في الحرام فضلاً عن ارتكاب الحرام، وهي ما يسمى بالعصمة النازلة.. فالعدالة تتحقق بترك الحرام والمعصية وعدم الهم بالحرام، والمعصوم بلغ الذروة في هذا المجال.. وكذلك الإنسان المؤمن، بإمكانه أيضاً أن يصل إلى درجة من التكامل الباطني، بحيث أنه لا يفكر في الحرام فضلاً عن التخطيط والبرمجة لدخول ذلك العالم.

كثرة الانتكاسات في مجال طلب العلم والمجاهدة :
من الملاحظ أن هنالك بحثا في كتب الرجال -في سيرة أصحاب النبي (ص)، وأصحاب الأئمة (ع)- عن الذين ارتدوا بعد النبي (ص)، والذين ارتدوا عن خط علي (ع) – القاسطين والمارقين والناكثين-.. في زمان كل إمام كان هنالك بعض الذين بلغوا الدرجات العليا في العلم والعمل، وانتكسوا وتقهقروا، كالواقفية الذين وقفوا على الإمام موسى بن جعفر (ع)، ووقفوا أمام إمامنا الرضا (ع)، وأكلوا الأموال التي كانت بأيديهم، هؤلاء كانوا من خيار أصحاب موسى بن جعفر (ع).. والشلمغاني الذي ورد في حقه الذم، والكثيرون من أصحاب الأئمة (ع) سقطوا بعد أن وصلوا إلى الدرجات العليا من التكامل، كالزبير الذي وقف أمام علي (ع) في حربه مع إمام زمانه.. ما الذي حدث؟.. هل هذه الانتكاسات انتكاسات فجائية؟.. أم أن هنالك بعض المقدمات التي أدت إلى هذه الانتكاسات؟..

يذكر التأريخ أن الذين كانوا في جيش عمر بن سعد (لع)، وشاركوا في قتل الإمام (ع)، فالبعض منهم كان يقاتل من بعيد، والبعض كان في الخط الأول في قتال الحسين (ع) وأصحاب الحسين (ع)، والبعض منهم كان يبالغ في قتال أصحاب الحسين (ع)، ومن المعلوم كيف فعلوا بالحسين (ع) بعد استشهاده.. إن التأريخ ينقل أن الذين كانوا في الصف الأول في قتال الحسين (ع)، كانوا مع علي (ع) في حروبه، ولعل البعض كان يحمل في بدنه بعض الجراح في حربه في صفين أو النهروان أو غير ذلك.. فما الذي جعل المقاتل في صف علي (ع) ينتكس إلى درجة تصل إلى أن يقف أمام الحسين (ع)، ليمثل بجثمان ابن رسول الله؟!..

إن هذه الانتكاسات محيرة، ونحن لا نعلم بعض الأوقات الأسباب لذلك، ولكن من أسباب ذلك انتقام الشياطين من المتفوقين في العلم والعمل.. إن من أصعب الشهور على الإنسان المؤمن: شهر شوال؛ لأن الإنسان خرج من شهر نومه كان فيه عبادة، ونفسه كان فيه تسبيحاً، والشياطين مغلولة؛ والآن فكت الأغلال.. أنت عندما تريد أن تقتل أسداً أو نمراً فتصيبه بجرح، هذا الحيوان سوف يستأسد ويبالغ في قتالك، لأنه جرح على يدك.. وكذلك فإن الشياطين بعد شهر رمضان تضاعف من جهودها، لا لإرجاعك إلى ما كنت عليه في أول شهر رمضان، بل لتكون أسوأ مما كنت عليه حتى في شهر رجب وشعبان!.. تصادر المكاسب جميعاً؛ لأنها تراك وأنت لا تراها.. هذه الجوهرة التي اكتسبناها في شهر رمضان، وفي ليالي القدر، نحن لا نرى هذه الجواهر، لأنها في عالم الملكوت لا في عالم الملك.. ولكن الشياطين تعلم -بما لها من قدرات- أنك صاحب جوهرة، وبالتأكيد صاحب الجوهرة هو بغية قطاع الطرق، فهم يبحثون عن أصحاب الجواهر!..

ومن هنا فالذين يرون في أنفسهم تميزاً علمياً وعملياً، وميلاً إلى العبادة وإلى المجاهدة، ويلتزمون بنوافل الليل، ويستشعرون حلاوة الحب الإلهي، ويتذوقون المناجاة مع رب العالمين؛ هؤلاء ليكونوا على حذر تام؛ لأن الشيطان لهم بالمرصاد.. والقرآن الكريم قد عمم حكماً: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.. المخلَصين والمخلِصين بينهما فتحة وكسرة، وبين الفتحة والكسرة بعد المشرقين!.. من هو المخلِص؟.. هو: الذي يحاول أن يكون مخلِصاً.. ومن هو المخلَص؟.. هو الذي أنتخبه رب العالمين، وزكّا إخلاصه.. وقد ورد: (الناس هلكى؛ إلا العالمون.. والعالمون هلكى؛ إلا العاملون.. والعاملون هلكى؛ إلا المخلصِون.. والمخلصِون على خطر عظيم).. فالإنسان يهدأ قراره عندما يصل إلى مرحلة المخلَصين، أي عندما يمضي رب العالمين على شهادة الإخلاص لديه.. ولكن من أين نعلم بأن الله قبلنا؟.. إذا لم نصل إلى دائرة المخلَصين، فنحن من الذين تمت عليهم الغواية.. في علم الأصول: أنه لدى الشك أن هذا مصداق للعام أو المخُصِص، فإنه يُلحق بالعام.. فالمخُصِص يحتاج إلى دليل، وإذا لم يقم الدليل على المخصص، فحكم العام هو المحكَّم في هذا المجال.

المدد الغيبي :
إن المدد الغيبي نعم العون لمن يريد أن يصل إلى هذا الطريق!.. فرب العالمين رؤوف بعباده إلى حد لا يمكن أن يتصوره العباد!.. بعض العلماء يتحير في تفسير هذا الحديث.. رب العالمين غني مطلق، في مقعد الصدق، عنده أرواح الأنبياء والأئمة وأولوا العزم، ما شأنه بي وبك؟!.. ما أوزاننا بين يديه؟!.. نقرأ في مناجاة أبي حمزة لإمامنا زين العابدين (ع): (رب وما خطري): أي ما قدري بين يديك؟!.. ما وزن أحدنا في هذا الكون المترامي بالمجرات الشاسعة؟!.. ولكن لنتأمل جيداً في هذا الحديث!.. قال الباقر (ع): (ألا إنّ الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من رجلٍ ضلّت راحلته في أرض قفر، وعليها طعامه وشرابه.. فبينما هو كذلك لا يدري ما يصنع، ولا أين يتوجّه، حتى وضع رأسه لينام، فأتاه آت فقال له: هل لك في راحلتك؟.. قال: نعم، قال: هو ذه فاقبضها، فقال الباقر (ع): والله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من ذلك الرجل حين وجد راحلته).

إن الله عزوجل أشد فرحاً بتوبة عبده ممن ضل راحلته في ليلة ظلماء ثم وجدها!.. الإنسان يتحير: لماذا يفرح رب العالمين هذا الفرح وهو الغني المطلق؟!.. غريب مثل هذا الحديث!.. وقد ورد: يقول الله تعالى لداود: (يا داود!.. لو يعلم المدبرون عني شوقي لعودتهم، ورغبتي في توبتهم؛ لذابوا شوقاً إليَّ.. يا داود!.. هذه رغبتي بالمدبرين عني، فكيف محبتي للمقبلين علي)؟!..
فإذن، لا ينبغي اليأس في هذا الطريق، فرب العالمين إذا رأى في الإنسان القابلية؛ فإنه سوف يمده.. والمدد الغيبي نعم العون للإنسان المؤمن في حركته!.. ذلك الرب الذي أمد المسلمين في يوم بدر بملائكة النصر، وحبسه عنهم في أحد؛ لأنهم مالوا إلى الدنيا.. وربط على قلوب أهل الكهف وزادهم هدى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ}.. وربط على قلب أم موسى التي ألقت بفلذة كبدها في اليم، لأنها أصيبت في سبيل الله عزوجل: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.. وأين نحن وهذه الآية: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}!.. إذ نلاحظ بأن في هذه الآية أدوات تأكيد متعددة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا}: الجملة إسمية.. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ}: لام التأكيد، ونون التأكيد.. {سُبُلَنَا}: جيء بلفظ الجمع.. ومن المعلوم بأن الطرق إلى الله عزوجل بعدد أنفاس الخلائق.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.