مكارم الأخلاق كما يرسمها الإمام السجاد (ع) – ج137 – الشيخ حبيب الكاظمي
الدخول إلى الجنة فوز، لكن المؤمن لا يرضى أن يكون فيها ضيفاً على غيره أو في أدنى الدرجات؛ الطموح الحقيقي أن أكون مع النبي وآله في أعلى المقامات: «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً» لا إسراف في طلب الخير الأخروي، ولا عيب في أن أطمع بما لا ينتهي.
الصحيفة الكاملة ليست زينة مكتبة ولا نصوصاً لمناسبات محدودة؛ هي مدرسة كاملة في المناجاة، والتربية، واليقظة، ومكارم الأخلاق. من أراد طريقاً عملياً للتكامل فليبدأ من دعاء «واجعل إيماني أكمل الإيمان»، وليعامل الصحيفة كدستور حياة لا كقراءة عابرة.
الشباب لا يبقى، وبعد الخمسين أو الستين تتقلص الآمال، ويتفرق الأولاد، ويضعف الجسد، وقد يبقى الإنسان وحيداً مع مرضه وحساباته؛ لذلك لا أؤجل مشروع نفسي إلى آخر العمر. محرم وصفر ومجالس الحسين مواسم يقظة: من لم يستيقظ فيها، فمتى يستيقظ؟
أرتّب صحتي، وطعامي، وبيتي، وزواجي، وعَمَلي، لكن أين النفس التي بين جنبي؟ المعيار ليس أن أصلي أو أحجّ شكلاً، بل أن تنهاني صلاتي عن الفحشاء، وأن ينعكس الحج والزيارة والجمعة في سلوكي خارج المسجد؛ وإلا صارت العبادة كدواءٍ بلا أثر.
البطولة ليست دائماً في امتحان استثنائي؛ قد تكون في صلاة أول الوقت وسط السفر أو العمل، أو في قيام الليل رغم الإرهاق، أو في ضبط نظرة تتكرر كل يوم، فالإنسان الذي يقدّم هذه المجاهدات الصغيرة المتصلة يبني رصيداً عظيماً، لأن الله يرى من يترك صفقة أو راحة أو نوماً من أجل موعده معه.
الحياة الرتيبة لا تصنع تميّزاً؛ أحتاج إلى قربان: خدمة والدين بإحسان، تنازل عن مال مشبوه، رفض فتنةٍ رغم قدرتي عليها، أو تحمّل أذى في سبيل الله، فكل نبي تميّز بقربان: إبراهيم بالنار والذبح وترك إسماعيل في الوادي، وأنا أبحث عن قرباني الواقعي الذي يثبت أن طاعتي ليست كلاماً.
العامل قد يتعب سنة ليجمع ما يناله سائلٌ من كريم في لحظة؛ كذلك التوسل الصادق بالأئمة قد يعوض نقصي وضعفي، فلا أتعامل مع الإمام كاسم في زيارة، بل كحيّ يسمع كلامي ويرى مقامي؛ أزور أولياءه وسفراءه، وأطلب منهم أن يبلغوا حاجتي لمن رأوه وصافحوه، وأدخل على الإمام بثقة العبد بباب وليّه.
الشيطان يلقي الخواطر في القلب؛ لا أستسلم لها ولا أكتفي بمللٍ من نفسي، بل أطبق دعاء السجاد: «اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي ذكراً لعظمتك، وتفكراً في قدرتك، وتدبيراً على عدوك». كل وسوسة تصبح مناسبة لذكر الله ولعن الشيطان ورفض مشروعه، حتى يعتاد أن يجد مني مقاومة لا استجابة.
حين يُذكر السجاد عليه السلام لا يُذكر المرض والأغلال فقط، بل يُذكر الابن الذي سمع استغاثة أبيه وهو عاجز، وحاول أن يخرج بالسيف والعصا، ثم عاش حتى دفن والده المقطّع، ورأى آثار السلاسل في جسده بعد وفاته، وبقي يحمل صورة كربلاء والأسر في كل دمعة ومناجاة.