مكارم الأخلاق، ورحلة الارتقاء بالنفس – ليلة ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي
معرفة الأئمة لا تقتصر على أسمائهم وسيرتهم؛ الزيارة الجامعة ترسم مقامهم الحقيقي: بهم ينزل الغيث، وبهم تنتظم عوالم الهداية، وكل ما يُنسب إليهم إنما هو بأمر الله لا في قباله. قراءتها عند الإمام الهادي، صاحب هذه الزيارة، تتحول من نصّ محفوظ إلى طلبٍ صادق: “يا مولاي، عرّفني منزلتكم واكتب هذه المضامين في قلبي”.
الغلو ليس في الاعتقاد بأن الإمام يشفي، أو يحيي، أو يعلم، أو يتصرف؛ الغلو الحقيقي أن يُعطى مقاماً مستقلاً في قبال الله، أو يُعتقد أنه يفعل من دون إذنه! ما دام الفعل “بإذن الله”، كما قال عيسى: { وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ}، فلا يبقى معنى للاعتراض؛ لأن قدرة الأولياء شعاع من قدرة الله وليست شريكاً لها.
القرآن خاتم الكتب السماوية، وحامل علمه أرفع من حامل الكتب السابقة؛ لذلك يكون المسيح، مع عظمته وروحانيته ومعجزاته، مأموماً للإمام المهدي عليه السلام عند ظهوره؛ المسيح محفوظ ليشهد إمامة القائم، والخضر محفوظ ليؤنسه في غيبته؛ هذه حقائق تضع الإمامة في موقعها الكوني لا في إطار المقارنة البشرية الضيقة.
كما أن الله هو “أحسن الخالقين” في عالم الأجساد، فإن محمداً وآل محمد عليهم السلام هم ذروة ما يمكن أن يظهر في عالم الأرواح؛ لو كان في الوجود الروحي صورة أكمل منهم لخلقها الله، لكنهم خاتمة الكمال البشري والنبوي والوصائي، ولذلك يكون المهدي “طاووس أهل الجنة” بعد أكثر من ألف عام من العبادة والاصطفاء.
لا يكفي أن أقول: “ولايتكم أحب إليّ من الدنيا”، لأن الإمام يرفض أصلاً أن يُقاس الولاء بالدنيا؛ الدنيا ستر عورة وسدّ فورة، أما مودتهم فثمرتها الحياة الباقية، جنات عدن، والخلود في قربهم.
زين العابدين عليه السلام ليس فقط أسيراً باكياً؛ هو أكثر إنسان على وجه الأرض تحمّل المحن: سمع استغاثة أبيه، ورأى جسده مثخناً بالجراح، وعاش ليلة الحادي عشر بين الأجساد والخيام المحروقة، ثم سار في السبي ورأى عمته زينب تُقاد من بلد إلى بلد.
كما خُصّ الحسين عليه السلام بالشفاء في تربته والإجابة تحت قبته والأئمة من ذريته، خُصّ السجاد عليه السلام بحرقة أدعيته التي تُفجّر البكاء في ليالي رمضان؛ دعاء مكارم الأخلاق ليس دعاءً عابراً بل دستور سير وسلوك، ومنهج كامل لمن يبحث عن طريق إلى الله.
أعلى مراتب التسليم أن أقول: “يا رب، خذ مني ما يخلّصني، وأبقِ لي ما يصلحني”؛ مال، وجاه، صحة، ولد، أو راحة… كلها عطايا وليست ملكاً ذاتياً. أطلب قلباً سليماً ولو في بدن سقيم، وأخاف من غضب الله أكثر من خوفي من فقدان ما أحب.
لا أقف عند طلب المال أو المعدّل أو الوظيفة؛ أطلب من كل إمام أن يسأل ولده المهدي عجل الله فرجه أن يتكفّلني، ثم أقول: “صيّرني من همّكم”، لأن من كان من همّ الإمام لا ينتكس بعد الموسم، ولا يضيع بعد الزيارة، بل تبقى عناية الولي تلاحقه في الدراسة والزواج والعمل والفتن.