لمحات من حياة الإمام محمد الجواد (ع) – الشيخ حبيب الكاظمي

  1. في مناسبات أهل البيت عليهم السلام، من المناسب أن تُراجع سيرتهم لا أن تقتصر المناسبة على الذكر العاطفي فقط. فكل ولادة أو شهادة يمكن أن تكون فرصة لمعرفة شيء من حياة المعصوم، وأخلاقه، ومزاياه، وموارد الاقتداء به.
  2. معرفة حياة المعصوم يمكن أن تكون من خلال الكتب المفصلة أو المختصرة، ومن خلال السرد التاريخي أو التحليل التاريخي. المهم أن تتكوّن لدى المؤمن صورة متكاملة عن الإمام الذي يواليه، حتى يتحول الولاء إلى اتباع عملي.
  3. الكرامات والمعجزات باب ثابت في حياة أهل البيت عليهم السلام، وقد ظهر منهم من البركات ما يشهد به الصديق والعدو. لكن الباب الأقرب إلى العمل والاقتداء اليومي هو باب مكارم أخلاقهم.
  4. الاهتمام بمكارم أخلاق الأئمة عليهم السلام يفتح للمؤمن طريق التأسي العملي. فالمعجزة قد تزيد اليقين، أما الخُلق فيقدّم نموذجًا يمكن أن يُترجم إلى سلوك في البيت، والعمل، والمجتمع، والعبادة.
  5. من نفائس أبواب السيرة باب كرائم أخلاق الإمام. فبعد معرفة مولده، ووفاته، وأسمائه، وألقابه، وأولاده، وكراماته، ومناظراته، تبقى الأخلاق هي المجال الأوسع لتربية النفس على نهج أهل البيت عليهم السلام.
  6. وفاة الإمام المعصوم ليست حدثًا عاديًا في حياة الإمام الذي يليه. فقد أدرك الإمام الهادي عليه السلام مضيّ أبيه الإمام الجواد عليه السلام بما تداخله من ذلة لله لم يكن يعرفها، وكأن رحيل الإمام يترك أثرًا خاصًا في قلب الوصيّ من بعده.
  7. مضيّ الإمام يترك أثره في عالم القلوب. فالحزن على الإمام لا يكون مجرد عاطفة شخصية، بل حالة ولائية تسري في قلوب الموالين، لأن الإمام حجة الله ومركز النور في زمانه.
  8. الإمام الرضا عليه السلام رُزق ولدًا واحدًا هو الإمام الجواد عليه السلام، بخلاف الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الذي كثر نسله وانتشرت أنواره في شرق الأرض وغربها. وكان الإمام الرضا يعلم أن هذا الولد هو وارثه في مقام الإمامة.
  9. ولادة الإمام الجواد عليه السلام كانت سبب سرور عظيم للإمام الرضا عليه السلام، لأنها جاءت بعد انتظار، وفيها استمرار خط الإمامة. وقد وصفه الإمام الرضا عليه السلام بأنه شبيه موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام.
  10. منذ ولادته، ارتبطت حياة الإمام الجواد عليه السلام بمعنى خاص من الابتلاء. فقد أشار الإمام الرضا عليه السلام إلى قتله، وبكى عليه أهل السماء، وكان يناغيه في مهده مع علمه بما ينتظره من مصير.
  11. صغر سن الإمام الجواد عليه السلام لم يكن مانعًا من مقامه الإلهي. فالله تعالى قد آتى الحكم لبعض أنبيائه في الصغر، كما في قوله تعالى: “وآتيناه الحكم صبيًا”، وقد يعطي الحكم في سن الأربعين، فالعطاء الإلهي لا يخضع للمقاييس العمرية المعتادة.
  12. الإمامة اصطفاء إلهي، وليست منصبًا يكتسبه الإنسان بالتدرج العمري أو الخبرة الظاهرية. كما جاز أن يُعطى الحكم صبيًا، جاز أن يتسلم الإمام الجواد عليه السلام مقام الإمامة وهو في حداثة سنه.
  13. كان الشيعة يترقبون مولد الإمام الجواد عليه السلام، لأن استمرار سلسلة الأئمة الاثني عشر كان متعلقًا بهذا المولود المبارك. فجاءت ولادته لتكشف الغمة، وتقطع الخلاف، وتطمئن قلوب المؤمنين.
  14. وصف الإمام الجواد عليه السلام بأنه مولود لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه يرتبط بخصوصية ميلاده في حفظ امتداد الإمامة. فقد كانت ولادته جوابًا عمليًا على القلق الذي عاشه بعض الشيعة في أواخر عمر الإمام الرضا عليه السلام.
  15. من وجوه بركة الإمام الجواد عليه السلام أنه أول إمام يتسلم مقام الإمامة قبل البلوغ، في عمر صغير. وهذه خصوصية نادرة لم تسبق له في آبائه ولا في أبنائه، وظهرت بها قدرة الله في جعل الإمامة حيث يشاء.
  16. الإمام الجواد عليه السلام جمع بين صغر السن وعظمة المقام، وبين حداثة العمر وتمام الحجة. وهذا يجعل سيرته شاهدًا على أن الميزان في الإمامة هو النص والاصطفاء والعلم الإلهي، لا السن والتجربة البشرية وحدهما.
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

لمحات من حياة الإمام محمد الجواد (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام)

نتناول في حديثنا هذا لمحات من حياة إمامنا أبي جعفر محمد بن علي الجواد (ع). يحسن بنا جميعا في كل مناسبات أهل البيت (ع) أن نراجع شيئا من سيرتهم. وذلك من خلال الكتب المفصلة تارة، ومن الكتب الموجزة تارة أخرى. فتارة نراجع الكتب التي فيها سرد تاريخي محض، وتارة نراجع الكتب التي فيها تحليل تاريخي. وعلى كل حال نأخذ سلسلة كاملة أو دورتين في حياة كل معصوم وخاصة عند التوقف عند أخلاقه ومزاياه وموارد الاتباع.  بغض النظرعن مبحث الكرامات والمعجزات التي يشهد بها الصديق والعدو.

كرامات أهل البيت (عليهم السلام)

وهذا أمر مسلم وهو من المتواترات؛ فخلال قرنين ونصف من حياة أئمة أهل البيت (ع) ترشح منهم من البركات الكثير. وتكفي قصة واحدة قطعية لإثبات قدرتهم في هذا المجال؛ فكيف إذا وقعت المئات والآلاف ولكن الباب الذي يمكن أن نتأسى به عملياً هو باب مكارم أخلاقهم. رحم الله صاحب كتاب البحار؛ هذا العلامة الموفق الذي جمع في بحاره ما جمع. وإن من امتيازتنا نحن أتباع أهل البيت (ع) أنه ليس عندنا كتاب صحيح؛ فكل رواية قابلة للبحث السندي، وهذا هو المنطق. فالروايات تفصلنا عن أئمة أهل البيت (ع) قرون وقرون، وكيف نجزم بصحة الروايات النبوية التي جُمعت بعد عشرات السنين. إن الأمر بعهدة من يدعي ذلك؛ فلسنا بصدد ذلك.

يوجد في هذا الكتاب الشريف حول حياة الأئمة روايات تتسلسل هكذا؛ مولد الإمام وفاته، أسمائه وألقابه، وأحوال أولاده، وما ظهر منه من الكرامات، ومناظراته، والنصوص الدالة عليه. وهناك باب بعنوان: كرائم أخلاقه. وهذا الباب؛ باب نفيس في حياة كل إمام من أئمة أهل البيت (ع).

معرفة الإمام باستشهاد الإمام

ينقل الكليني في كتابه الكافي وهو من الكتب المعتبرة عندنا رواية هي من الروايات الأخلاقية.  يقول الراوي: (رَأَيْتُ أَبَا اَلْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَقَالَ «إِنّٰا لِلّٰهِ وَإِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ»  مَضَى أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ وَكَيْفَ عَرَفْتَ قَالَ لِأَنَّهُ تَدَاخَلَنِي ذِلَّةٌ لِلَّهِ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهَا)[١].إننا نفهم من هذه الرواية؛ أن الإمام أحس باستشهاد أبيه من خلال حالة نفسانية. عندما يمضي الإمام؛ من الطبيعي أن تتغير أحوال الكون، ويسري الحزن في قلوب الموالين جميعاً. وهذه رواية تبين لنا علاقة الإمام بالإمام.

أيضا من الروايات المتناولة لسيرة إمامنا الجواد (ع) ما روي عن الرضا (ع) أنه قال: (إِنَّمَا أُرْزَقُ وَلَداً وَاحِداً وَهُوَ يَرِثُنِي)[٢]. كم كان للإمام موسى بن جعفر من الذرية؟ يكفي اليوم على وجه الأرض الإمام الرضا (ع) وأخته فاطمة المعصومة (ع). هذان من نسل إمامنا موسى بن جعفر (ع) وقد انتشرت منه الأنوار في شرق الأرض وغربها؛ ولكن الرضا (ع) يقول: إنما أرزق ولداً واحدا، ولقد سر به الإمام الرضا (ع) كثيرا وقال: (قَدْ وُلِدَ لِي شَبِيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَالِقِ اَلْبِحَارِ وَشَبِيهُ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ)[٣]، وقد ذكر لهم الإمام (ع) شبهه بالأنبياء السلف.

التنبأ باستشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) من قبل والده

إن إمامنا المنتظر (عج) كذلك يحمل صفات الأنبياء وهذا المعنى موجود في كل أئمة أهل البيت (ع). وعند ميلاده أخذ الرضا (ع) ينعى ولده الوحيد الذي رُزقه في أواخر عمره، فقال: (يُقْتَلُ غَصْباً فَيَبْكِي لَهُ وَعَلَيْهِ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ)، ولعل البعض قرأها: يقتل غيضاً. ثم تقول الرواية: (وَ كَانَ طُولُ لَيْلَتِهِ يُنَاغِيهِ فِي مَهْدِهِ)[٤]. ومن الطبيعي عندما يذكر الإمام في ليلة ميلاده أنه سيقتل أن تنتابه حالة من حالات الكآبة أيضا.

وآتيناه الحكم صبيا

يقول أحد الرواة: (رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَدْ خَرَجَ عَلَيَّ فَأَحْدَدْتُ اَلنَّظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى رَأْسِهِ وَإِلَى رِجْلِهِ لِأَصِفَ قَامَتَهُ لِأَصْحَابِنَا بِمِصْرَ فَخَرَّ سَاجِداً وَقَالَ إِنَّ اَللَّهَ اِحْتَجَّ فِي اَلْإِمَامَةِ بِمِثْلِ مَا اِحْتَجَّ فِي اَلنُّبُوَّةِ قَالَ اَللَّهُ وَآتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا  – وَقَالَ اَللَّهُ حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً – فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى اَلْحِكْمَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى وَهُوَ اِبْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً)[٥] ، وهذا أيضا من مزايا إمامنا الجواد (ع).

المولد الأعظم بركة

وهناك رواية أخرى تبين ترقب الأمة لولادته: (إِنَّا عِنْدَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمِنًى إِذْ جِيءَ بِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قُلْنَا هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ قَالَ نَعَمْ هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْهُ)[٦]. ويبدو من هذه الرواية أن الشيعة كانت تتوقع مولوداً مباركاً للرضا (ع) هو تاسع الأئمة الميامين.

قد يسأل سائل فيقول: لماذا اختص الإمام الجواد (ع) بهذا التعبير من بين كل أئمة أهل البيت (ع) الذين لهم بركة أيضا؟ هناك مزية في ميلاد الجواد (ع) أنه قطع الخلاف وارتفع النزاع واستقرت عيون الشيعة، وقرت بمولده. ويبدو أن القوم كانوا يترقبون المولود هذا. لو لم يولد الإمام الجواد (ع) ماذا كنا نصنع برواية الأئمة الاثني عشر؟ النبي (ص) وهو الصادق المصدق بشر بالاثني عشر وكانت الشيعة في أواخر عمر الرضا (ع) في قلق. أين إدامة هذا الخط المبارك؟ فبميلاده (ع) انكشفت الغمة.

وهناك توجيه آخر؛ لعل هذه البركة هي إشارة إلى أنه أول إمام يؤتى الإمامة قبل البلوغ في التاسعة والعاشرة؟ إنه أول إمام يعطى مقام الخلافة الإلهية وهو في هذا العمر. وهذه بركة نادرة لم يسبقه بذلك آبائه ولا كانت في أبنائه. إن الإمام الوحيد الذي أوتي الإمامة في هذا العمر هو أبو جعفر محمد بن علي الجواد (ع).

[١] الکافي  ج١ ص٣٨١.
[٢] بحار الأنوار  ج٥٠ ص١٥.
[٣] اثبات الوصية، ص٢١٠.
[٤] اثبات الوصيّة ص ٢١٧.
[٥] بحار الأنوار  ج٥٠ ص٣٧.
[٦] الخرائج و الجرائح  ج١ ص٣٨٤.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • هناك مزية في ميلاد الجواد (ع) أنه قطع الخلاف وارتفع النزاع واستقرت عيون الشيعة، وقرت بمولده. ويبدو أن القوم كانوا يترقبون المولود هذا. لو لم يولد الإمام الجواد (ع) ماذا كنا نصنع برواية الأئمة الاثني عشر؟
Layer-5.png