في رحاب الولادة العطرة للإمام الرضا (ع) – الجزء 4 – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ الفرح الحقيقي بميلاد الإمام الرضا عليه السلام ليس مجرّد أناشيد ومظاهر شعبية، بل هو طاقة روحية يجب تحويلها إلى طاعة وقرب من الله، لأن أعمالنا تُعرض على المعصوم؛ فإذا رأى فيها المعصية ساءه ذلك، ولا يَحسُن بالمحب أن يسوء إمامه في ليلة فرحه.
إنّ من أرقى هدايا الزائر في ليلة المولد أن يُهدي للإمام ركعتين خالصتين يحاول فيهما جمع قلبه ما استطاع، فيقول: «يا مولاي هذه الركعتان لك»، فإنّ مثل هذه العطية الروحية أحبّ إلى الإمام من كثير من كلام اللسان الخالي عن الحضور.
إنّ العبادة الحقيقية عند الإمام الرضا والجواد عليهما السلام ليست في كثرة الصلاة والصيام فحسب، بل في «كثرة التفكر في أمر الله» و«القصد إلى الله بالقلوب»، فالتوجّه القلبي والتأمّل العميق في التوحيد والنبوة والولاية أبلغ من إتعاب الجوارح بالطقوس الخالية من حضور القلب.
إنّ التفكر والمناجاة والخلوة بالله – كما في مناجاة أمير المؤمنين في تحف العقول، أو في المناجاة الشعبانية – باب واسع للكمال، وقد كان بعض العلماء يجلس بعد الصلاة بلا ذكر لفظي طويل، بل في «محضرية» صامتة يشعر فيها أنه بين يدي الله، وهو مقام لا يُنال إلا بالمجاهدة الطويلة.
إنّ الزيارة المثالية للأئمة هي حديث «الحي مع الحي»؛ حيث يخاطب الزائر إمامه بصدق فيقول مثلًا: «إن لم تُعطني فلا أزعل»، فيُظهر حبًّا غير مشروط، وقد رأي بعض العلماء هذا النمط من الخطاب العفوي عند زوّار الحسين عليه السلام، وهو نموذج لما ينبغي أن تكون عليه علاقتنا بأهل البيت.
إنّ زيارة «أمين الله» من أصحّ الزيارات سندًا ومتنًا، وقد أكّد العلامة المجلسي على استحباب قراءتها في جميع المشاهد مع تعديل السلام بحسب الإمام، لأنها لا تقتصر على الثناء بل تشتمل على طلبات شاملة: كأن يكون العبد «محبوبًا في أرضك وسمائك» و«صابرًا على نزول بلائك».
إنّ فقرة «وعَبرةً من بكى من خوفك مرحومة» في زيارة أمين الله تفتح بابًا عظيمًا؛ فالمؤمن مأمور أن يستحضر ذنوبه القديمة – لا لليأس بل لتحفيز الدمعة – ويكرّر هذه العبارة حتى تفيض عيناه، لأن دمعة الخوف تَرجو أن تكون دليل قبول الزيارة واستجابة الدعاء.
إنّ للبكاء مراتب مختلفة؛ فهناك دمعة الحزن على مصائب الحسين عليه السلام، وهناك دمعة الشوق والمحبة والتوبة في أدعية كدعاء أبي حمزة الثمالي أو الجوشن الكبير أو المناجاة الشعبانية، وهذه الأخيرة «بكاء خُشوعي» خاصّ بمن بلغ نوعًا من البلوغ الروحي لا يقتصر على التأثر العاطفي.
إنّ الدمع الخاشع يطفئ «بحارًا من غضب الله» كما في النصوص، وهو علامة أمل بأن القلب ما زال حيًا؛ فخطر العبد كل الخطر أن يُعاقَب بقسوة القلب، إذ «ما عوقب عبد بعقوبة أشد من قسوة القلوب» التي تقطع صلته بالسماء وتجعل الطاعات جافة لا روح فيها.