في رحاب الولادة العطرة للإمام الرضا (ع) – الجزء 3 – الشيخ حبيب الكاظمي

إنّ طريق المعرفة والرقي إلى الله مفتوح للرجال والنساء معًا، والمرأة المؤمنة ليست محصورة في دائرة البيت والزوج والإنجاب فقط، بل لها نصيب كامل من مدارج الكمال الروحي والعلمي اقتداءً بفاطمة المعصومة وسائر النساء المتميزات كآسية وأم موسى وخديجة والزهراء وزينب ونرجس عليها السلام.

إنّ طبيعة حياة المرأة في «صومعة المنزل» تمنحها جوّ اعتكاف طبيعي وفرصة استثنائية للنمو الروحي؛ فكما كان أمير المؤمنين بين غزواته وجراحه، كانت الزهراء في بيتها معتَكفة على العبادة وخدمة الزوج والأولاد، ويمكن للمرأة اليوم أن تحوّل بيتها إلى محطة تكامل لا إلى ساحة غفلة.

إنّ أول خطوة في طريق الكمال أن نسدّ «ثقوب القربة» أي الذنوب، فالمعصية الواحدة المستصغَرة كالثقب الصغير الذي يفرّغ ماء القربة مع الزمن، والحاج أو الزائر قد يُعطى نورًا عظيمًا ثم يضيّعه بأول ذنب بعد الحج أو الزيارة، فيصبح «مُصْرِفًا في الأنوار لا في الأموال».

إنّ النعم الروحية – كنور الحج والزيارة – «وحشية» سريعـة الفرار؛ تُكتسَب بلحظات قرب وتُفقَد بمعصية واحدة، واسترجاعها أشدّ صعوبة من تحصيلها الأول، لذلك وجب الحذر الشديد من جوار النعم وحفظها بالمراقبة المستمرة قبل وأثناء وبعد مواسم الطاعة.

إنّ من أخطر الأمراض الروحية استصغار الذنوب؛ فالاعتداء على حدود الله – ولو كان «ليلة واحدة» أو نظرة واحدة – يشبه تجاوز حدود البلاد بلا إذن، ويكفي أن نتذكّر أن المعصية موجهة إلى «جبار السماوات» لا إلى نظام بشري حتى نشعر بهولها.

إنّ الخشية الحقيقية من الله ثمرة «العلم بالله» لا مجرّد علوم الصرف والنحو؛ فـ«إنما يخشى الله من عباده العلماء» أي العارفون بربهم، وهؤلاء هم الذين تتحوّل صلاتهم إلى خشوع صادق كما في قوله تعالى: «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون».

إنّ ما يحدثه الناس من ذنوب «جديدة» – خصوصًا في عصر الأجهزة التي تفتح باب المعصية بكبسة زر – يقابَله بلاء جديد من الله «ما لم يكونوا يعرفون»، وقد تكون الجائحة العالمية والقلق والاضطراب النفسي الواسع نماذج واضحة لهذه العقوبات المستحدَثة.

إنّ على المؤمن أن يتعامل مع الفتور والإدبار في مواسم الطاعة كعقوبة ينبغي تشخيص سببها؛ فربما قال الله في حقّه «كره الله انبعاثهم» فسلبه لذّة الدعاء والزيارة، ولهذا يستحب قبل الحج أو العمرة أو دخول الحرم أن يختلي العبد بمناجاة وتوبة صادقة خوفًا من أن يُقال له: «لا لبيك ولا سعديك».

إنّ محنة الإمام الرضا عليه السلام كانت فريدة؛ أُخرِج من وطنه وأُجبِر على قبول ولاية العهد صوريًا مع طاغية «عفريت مستكبر»، وضُرِبت السكة باسمه ثم قُتل مسمومًا غريبًا بلا أهلٍ ولا أنيس في غرفة وحده، ومع ذلك جسّد أعلى درجات الرضا والتسليم بقضاء الله.

إنّ البلاء الذي لا دخل للعبد في سببه – كمرضٍ مفاجئ أو ولدٍ معوَّق يُجعل في رحمه – من أعظم موارد التعويض الإلهي؛ فصاحب هذا الابتلاء كمن كُلّف بتربية «طفلٍ للسلطان»، فيستحقّ أجرًا جزيلًا، وربما كان أهل العاهات أشدّ الناس قربًا من رحمة الله يوم القيامة.

Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)
Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.