سيطر على ذهنك.. تتغير حياتك!-ليلة ١٤ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي

من يريد تهذيب نفسه يبدأ بكفّ الجوارح عن الحرام (النظر، السمع…) ثم يرتقي الإنسان لضبط القلب، ثم يصل إلى أرقى المراحل: أن يصير ذهنه بيده، فيقرر متى يفكّر وبماذا، حتى في الصلاة؛ حينها لا يعيش شروداً ولا “تمريجاً في القلب”، بل يصير قادراً على حضور حقيقي مع الله.

الطالب الفاشل غالباً مشكلته ليست في ذكائه، بل في شرود ذهنه؛ من تعلّم أن يُسكت فوضى الأفكار، ويمنعها من الجري بلا هدف، صار أقدر على الفهم في القاعة وعلى الخشوع في الصلاة؛ الذهن الصافي نفسه الذي يبدع في الفقه يمكنه أن يبدع في الاقتصاد، كما فعل الشهيد الصدر حين كتب “اقتصادنا” و“البنك اللاربوي” و“فلسفتنا” من قلب النجف.

زيارة المعصوم ليست فقط دخول الحرم وتلاوة بعض الأذكار؛ يمكن لروحي أن تزور روحه وأنا في بيتي: أغمض عيني، أستحضر حضوره، أبكي على مصابه، وأتكلّم معه بقلب منكسر؛ من تعوّد أن يمزج بين الزيارة البدنية والقلبية عند الضريح، يستطيع أن يستمر في الزيارة الروحية حين يُحرم من السفر، فتحيا علاقة ثابتة لا يقطعها البُعد.

من علامات بقاء أثر العشرة أن لا يمرّ على الإنسان يوم وليلة إلا ويبكي على الحسين ولو لحظات، إما بقراءة مصيبة أو سماعها؛ هذا البكاء في الخلوة –“ذكر الله خالياً ففاضت عيناه”– يجعل العين لا تبكي يوم القيامة، ويحفظ حرارة الحبّ الحسيني من البرود التدريجي.

الذنب المتكرر، ولو كان “نظرة” أو سماعاً، كالثقب الصغير في قربة مملوءة؛ لا يفرغها دفعة واحدة لكنه مع الزمن يتركها خالية؛ من أصر على الصغائر كُتبت له كبائر، فـ“لا صغيرة مع إصرار”، ومن استهان بقطرات المعصية وجد في نهاية المطاف أن ماء قلبه الصافي قد نفد.

الذنب الجماعي أخطر من الذنب الفردي: من يفتح موقعاً منحرفاً، أو يقود شلّة فسق، لا يكفيه أن يقول “أستغفر الله” فيمسح الله كل الآثار؛ ذنوبه الشخصية قد تُمحى، لكن ضلال من أضلّهم يبقى معلقاً برقبته؛ لا يكفي أن يتوب، بل يحتاج أن يهدم ما بناه من فساد، ويسترجع من أضلّهم، وهذا في الغالب متعذر.

أعظم ما يمكن أن أحمله من هذه الليالي أن أخرج حاملاً همَّ “الهداية”، لا همَّ نجاتي الفردية فقط؛ أن أبحث عن الآبقين في الجامعة والمحيط، وأستدرجهم للمجلس، ثم أقول للحسين: “يا أبا عبد الله، أتيت به إليك، والباقي عليك”، كما فُعل مع الحرّ؛ أن يهدي الله بي رجلاً واحداً، خير لي من ألف عمرة لنفسي.

Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)
Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.