علی اعتاب الحسین(ع)-ليلة ١٣ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي

كل مصانع العالم وأسواقه تعمل لخدمة الجلد والجوارح (طعام، عطور، تجميل، لهو)، لكنها لا تعطي إلا لذّات سريعة تنتهي بالحموضة والصداع والفراغ؛ أما السعادة التي لا تزول فمكانها القلب، ولا يهبها إلا خالق السعادة، لا عمليات التجميل ولا الكؤوس ولا الليالي الحمراء.
إنّ شرب الخمر أو الغرق في اللهو لا يحلّ أزمة السعادة؛ أربع ساعات سُكر يعقبها وعيٌ أثقل، وذنبٌ أشدّ؛ يشبه دفن النعامة لرأسها في الرمال لتتخيّل غياب الصياد، بينما الخطر قائم؛ من يواجه ألمه مع الله خير ممن يضلّل نفسه بسُكْرٍ مؤقت يضاعف خسارته.
كما أن ركوب الطائرة يجعل المدن والأراضي التي كانت محلّ صراع تبدو كشقّة صغيرة لا تُرى، كذلك من يرتفع بقلبه في «السفر إلى الله» يرى الخصومات على الأمتار والأموال والألقاب شيئاً حقيراً لا يستحق أن يرهق روحه؛ العلوّ المعنوي هو الذي يصغّر الدنيا لا تغيّر الظروف الخارجية.
لست حراً تماماً ولا مجبَراً تماماً؛ أتحرك داخل «قطار» يسير بسرعة ومحطات يختارها الله؛ يحبط بعض عزائمي ويحقّق أخرى «عرفتُ الله بنقض العزائم وفسخ الهمم»، فيسوق الأحداث بما لا أحتسب، إن جعلته وليّي وتبرّأت من حولي وقوتي وقلت: يا رب، تولَّ أمري.
قبول الحسين أن يخرج إلى مصرعه مع أخواته وبناته ورضيعه، وهو يعلم أن النهاية شهادة وسبي، ليس حركة غير محسوبة، بل تسليم كامل لحكمة الله؛ لو لا هذا التسليم وما ترتب عليه من ركب السبايا ومواقف زينب والرضيع، لما كان لعاشوراء كل هذا الأثر في القلوب عبر القرون.
إنّ حيرة السيدة زينب عليها السلام بين الخيام المحترقة، واليتامى، والعليل، والجثث المقطّعة، وحيرة الإمام السجاد عليه السلام وهو يحاول دفن بدنٍ كلّما رفع عضواً سقط آخر، مشهدان يُقسَم بهما على الله؛ من يعيش هذه الحيرة في قلبه ويتوسّل بها، يرجو أن لا تُردّ له دعوة، لأن قلبه يتصل بأقصى درجات الانكسار في كربلاء.

Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)
Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.