تجلِّي الخلق الفاطمي في حياتنا – 139 – الشيخ حبيب الكاظمي
- يتناول الحديث معنى استثمار ليالي الجمعة بوصفها محطات أسبوعية للإنابة والرجوع إلى الله، فكما أن ليلة القدر تمتاز بين الليالي بملكوتها وبركتها، فإن ليلة الجمعة تتكرر في العام مرات كثيرة، ويمكن أن تكون فرصة متراكمة لتصفية الحسابات الروحية من غفلات الأسبوع وزلات العين واللسان والأذن.
- ويؤكد المتحدث أن الإنسان قد لا يملك إقبالًا كاملًا طوال الليل، لكن المهم أن يمتلك “لحظات ذهبية”، وهي اللحظات التي يرق فيها القلب وتجري العين.فإذا احترق القلب وجرت الدمعة فعلى الإنسان أن يغتنمها فورًا بالدعاء والإنابة، لأنها قد لا تتكرر، كما يغتنم الخباز حرارة التنور قبل أن تخمد.
- ويشير إلى أن من أفضل أوقات الدعاء ما يكون بعد مجالس أهل البيت مباشرة، لأن الدمعة على الحسين أو الزهراء عليهما السلام تفتح القلب وإن لم يبك الإنسان على ذنوبه.لذلك لا ينبغي أن يخرج المؤمن من المجلس مسرعًا إلى المزاح والغفلة، بل يأخذ زاوية ويغتنم تلك الحالة للدعاء، خاصة لقضاء الحوائج العظام.
- ويؤكد أن أعظم ما يقدمه الإنسان في تلك اللحظات هو الدعاء لفرج الإمام صاحب الزمان عليه السلام قبل حوائجه الشخصية.فمن دعا لفرج إمامه قبل أن يطلب حاجته دلّ ذلك على قربه من قلب الإمام، أما من لا يتذكر الإمام إلا في نهاية دعائه فقد كشف عن ضعف علاقته الخاصة به.
- ويخفف عن من لا يستطيع قراءة الأدعية الطويلة، فينصح بأخذ فقرات قليلة من دعاء كميل أو غيره والتفاعل معها بصدق، لأن الوجود الناقص خير من العدم.فمن لم يقدر على الدعاء كله فليكرر العبارات التي تحرك قلبه، مثل: “إلهي وربي من لي غيرك”، أو “يا سريع الرضا”، أو “ارحم من لا يملك إلا الدعاء”.
- ثم يلفت إلى آخر نهار الجمعة، خصوصًا ما قبل الغروب، باعتباره وقتًا له خصوصية وحزن في قلوب بعض المؤمنين؛ لأنهم يستقبلون صباح الجمعة بالأمل بظهور الإمام، ثم يأتي الغروب ولم يظهر الفرج.وهذا الشعور بالكآبة عند عصر الجمعة يمكن أن يتحول إلى دعاء صادق وتذكر لمحنة الإمام المفقود.
- وفي القسم الثاني، ينتقل الحديث إلى مقام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ويؤكد أن من أراد أن يكون فاطميًا حقًا فعليه أن يقترب من مقام العدالة، ولو لم يبلغ العصمة.والعدالة هنا تعني أن يؤدي الإنسان واجباته ويجتنب المحرمات، فلا يترك صلاة ولا صومًا ولا يقع في الحرام المتعارف، حتى يكون مستعدًا للموت مطمئنًا لا يخاف من لقاء الله.
- ويحذر من جعل الطموح الدنيوي هو الغاية الكبرى، فالتخرج والزواج والعمل وشراء البيت والسيارة والتقاعد كلها مسارات دنيوية زائلة، وقد تسلب بلحظة مرض أو ضعف.أما المقامات المعنوية فهي التي تبقى مع الإنسان، ولذلك ينبغي أن يكون أعلى الهم هو المعاد لا المعاش.
- ويشرح أن العدالة تبدأ تركًا للمحرم، ثم تتحول مع الزمن إلى ملكة، بحيث لا يحتاج الإنسان إلى صراع شديد أمام كل فتنة، بل يصبح قلبه نافراً من الحرام.فمن أحب الله ورسوله وأهل البيت لا تغريه المعصية كما تغري غيره، لأنه يرى في الحرام أذية لمن يحب.
- ثم يربط الحديث بين الأدعية الفاطمية وبين التربية الروحية، ويعرض دعاءً منسوبًا للسيدة الزهراء عليها السلام بعنوان جامع لمطالب الدنيا والآخرة.ويشير إلى أن قصر عمر الزهراء حرم الأمة من معارف فاطمية كثيرة، لكن ما وصل من كلماتها ودعائها يكفي ليكون مدرسة في التوحيد والتسليم.
- ومن فقرات هذا الدعاء أن لا يكلّف الله العبد طلب ما لم يقدره له، وفي ذلك تربية على الواقعية والتسليم.فالإنسان له آمال كثيرة، لكن ليست كل الأمنيات مقدرة أو صالحة له، والمطلوب أن يسأل الله سلامة الدين قبل سلامة الدنيا، وأن يقبل ما قضاه الله ما دام لا يضر بآخرته.
- ويعرض المتحدث بلسمًا عظيمًا للبلاء، وهو أن الله يصلي على المبتلين الصابرين كما أخبر القرآن في آيات الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات.فمن ابتلي بمرض أو فقر أو أذى أو ضيق نفسي وصبر وقال “إنا لله وإنا إليه راجعون”، نال صلوات من ربه ورحمة، وهذا يخفف عليه ألم المصيبة إذا فهم معناها.
- ثم يربط هذا المعنى بسيرة أهل البيت عليهم السلام، فيقرر أن صفوة الخلق كانوا أشد الناس بلاء: النبي أوذي، وأمير المؤمنين ظُلم وحورب، والإمام الحسن طُعن واتهم، والحسين قُتل في كربلاء، وزين العابدين عانى الأسر، وبقية الأئمة ذاقوا السجن والسم والنفي.فإذا كان هؤلاء مع مقامهم العظيم قد عاشوا البلاء، فلا معنى أن يطلب المؤمن حياة مخملية خالية من الامتحان.
- وفي الخاتمة يعود الحديث إلى مصيبة الزهراء عليها السلام، فيصور حزن أمير المؤمنين عند غسلها ودفنها، ووداع الحسن والحسين وزينب لأمهم، حتى بكت ملائكة السماوات لذلك المشهد.ثم ينتقل إلى كربلاء حيث وداع زينب للحسين عليه السلام، ليربط بين مصيبة الزهراء ومصيبة عاشوراء في خط واحد من الظلامة والصبر.
- وخلاصة الحديث أن ليالي الجمعة والأيام الفاطمية محطات ذهبية للرجوع إلى الله، وأن المجالس لا ينبغي أن تكون مجرد بكاء عابر، بل فرصة لتجديد العهد، وطلب العدالة، وتغيير الباطن، وفهم البلاء على أنه طريق إلى صلوات الله ورحمته.ومن أراد الانتساب الحقيقي للزهراء فعليه أن يخرج من مجلسها بعزم على ترك الحرام، والتسليم لله، والدعاء لفرج وليه.