تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع) – ج2 – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ مقام «المعيّة مع الله» هو غاية السالك؛ فالمؤمن لا يكتفي بالنظر من قاع الوادي إلى قمة الجبل، بل يستثمر ما بقي من عمره، خاصة في وحدته بعد كِبره، ليتدارك ما فاته ويحوّل بيته إلى خلوة يترقى فيها إلى صحبة الله في كل أحواله.
إنّ قوله تعالى «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» يجمع كل الكمال؛ فالتقوى خوفٌ باطني يشبه حذر الإنسان من أرض الألغام، والإحسان خروج من دائرة الأنانية إلى رعاية فقراء الناس، حتى يصبح العبد نافعًا بعلمه وماله وجاهه.
إنّ المتقي المحسن لا يكتفي بالعبادات الشكلية، بل يحمل قلبًا رقيقًا يتألم لجوع جاره وذلّ المسلمين، كما تجلّى في سيّر الأئمة عليهم السلام الذين كانوا يحملون الجراب على ظهورهم ليلًا لإطعام المحتاجين دون أن يوكِلوا ذلك لغيرهم.
إنّ من أعظم الكنوز التي يُرزقها العامل في سبيل الله أن يجتمع في المحتاج الواحد أوصاف الفقر واليتم والتهجير، فيصبح «ابن سبيلٍ يتيمًا فقيرًا» يجمع أبوابًا من الأجر لمن أراد كنزًا للآخرة بصدقةٍ واحدة.
إنّ «أهل الفضائل» الذين تصفهم خطبة المتقين ليسوا مجرد مكثرين من النوافل، بل هم أصحاب صفات باطنية راسخة؛ فالعصبي الشهواني ليس من أهلها وإن أكثر الصلاة، بينما المتزن الحليم الرؤوف بالخلق هو الأقرب لروح مدرسة علي عليه السلام.
إنّ حسن الظن بالله يجب أن يرافق الخوف؛ فالعاقل لا يستهين بالذنب ولا ييأس من الرحمة، ويعلم أنّ من عباده من يُؤمر به إلى النار ثم يُنقَذ بصدق قوله: «ما كان هكذا ظني بك»، فيعامل الله عبده على حسب ظنه به.
إنّ التأمل في مصاب أمير المؤمنين عليه السلام، خاصة من خلال موقف العقيلة زينب وهي تنظر إلى وجه أبيها المصفرّ وعصابته الملطخة بالدم، يربط القلب بخط المتقين الذين جمعوا بين قمّة الشجاعة في الميدان وقمّة الرقة والبكاء في المحراب.
إنّ مقارنة زينب عليها السلام بين جسد أبيها علي المضرّج وجسد أخيها الحسين المقطّع الذي لا رأس له، تفتح بابًا للقلوب لتفهم أن مدرسة التقوى عند أهل البيت هي مدرسة الفداء الكامل لله، حتى يكون الدم والدمعة كلاهما طريقًا إلى مقام المعية الإلهية.