- ThePlus Audio
تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع)/ج١
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
أهمية حضور مجالس أمير المؤمنين عليه السلام
نحن في أيّام أميرِ المؤمنين عليه السلام، نُقيم عزاءَه لنتعلّم من مدرسته، وهذه الدماءُ والمصائبُ تفتحُ آذانَ القلوب.
الموعظةُ تُسمَع من الخطيب أو عبر التلفاز، لكن الحضورُ بنفسك له أثرٌ آخر، وهو من مصاديق قولِه تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ»[١].
لذلك لا ينبغي الاكتفاءُ بالقنوات والمواقع، فإنّ للمجلسِ نفحةً خاصّة، والملائكةُ تحفُّه بالبركة، وهذا لا يتحقّق في سائرِ الأماكن.
ومجلسُنا – إن شاء الله – في عنايةِ أميرِ المؤمنين وإمامِ زمانِنا عجل الله تعالى فرجه، كأنّنا ندخلُ عزاءَ فقيدٍ عظيمٍ حاضرٍ فيه أهلُه في مقدّمة المستقبلين.
الحاجة إلى برنامج للتكامل الروحي
خطبُ أميرِ المؤمنين عليه السلام كلُّها عيون، ومن أشهرِها خطبةُ المتّقين، وهي منهجٌ للتربيةِ والصلاح للشباب والنساء والرجال، في الجامعات والحوزات.
السؤال المتكرّر اليوم: أين الطريق؟ كيف نتكامل؟ وهذه علامةُ يقظةٍ روحيّة.
في الماضي كان أقصى توفيقِ كثيرٍ من الناس أن يُؤمَر بالصلاة أو يزور المشاهد، ولم تكن ظروفُ التكامل مهيّأة، أمّا اليوم فالأبوابُ مفتوحة: زيارات، مواسم، مشاهد. لكن لا بدّ من برنامجٍ منظَّم، لا عملَ عشوائيًّا بلا خطة.
مثلُ من يجمع الحديدَ والخشب وسائرَ موادّ البناء بلا مهندسٍ ولا خارطة؛ يكدّس الموادَّ الخام ولا يقومُ له بنيان.
كذلك بعضُنا يجمعُ «الزياراتِ والأعمالَ» في الأربعين، في رمضان، في الحجِّ والعمرة، ثمّ بعد سنة لا يرى في نفسه جديدًا، كأنّ حياتَه نسخةٌ مكرّرة.
عدم احتقار الناس والطاعات والمعاصي
الخطيب يتكلّم عن نفسِه، ولا يتجرّأ على عباد الله؛ فهناك أولياءُ مخفيّون «تحت قباب الأرض»، أخفاهم الله عن أعين الخلق إجلالًا لهم، فلا نعرف مَن هو الوليّ.
لذلك لا تحتقرْ أحدًا فلعلَّه وليّ، ولا تحتقرْ طاعةً فلعلّها المنجية، ولا تحتقرْ معصيةً فلعلّها المهلكة.
وهذا المعنى مرويّ في كلمات العارفين والأولياء.
ضرورة الثورة الباطنية وتجديد الحياة
يمرُّ العامُ تلو العام، ونرى أنفسَنا كما كنّا، من دون تغييرٍ باطنيّ، فيصير اليومُ مثل الأمس، والغدُ مثل اليوم.
الشاعر يقول ما مضمونه: إنّ الديكَ يصيحُ عند الفجر، وكأنّه يقول: مضت ليلةٌ من عمرك وأنت لا تشعر.
فإذا كان الحيوانُ ينتبه لمرور الليالي، فالإنسانُ أولى أن ينتبه ليالي القدر وليالي هذه المناسبات، ليجعلَها بدايةَ «دورة المتّقين»؛ ليتخرّج من مدرسةِ أميرِ المؤمنين بشهادةِ التقوى.
همّام العابد وسؤالُه عن صفات المتّقين
خطبةُ المتّقين لها سياقٌ جميل؛ راويها رجلٌ عابد، لكنّه أيضًا كان فَهِمًا متطلّعًا للكمال؛ فالعبادةُ لا تنافي الفهم.
كان هذا العابدُ يريدُ أن يتخرّج من مدرسةِ عليٍّ عليه السلام، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، صِفْ لي المتّقين.
في الحديث: «المؤمنُ كَيِّسٌ فَطِن»[٢].
وجاء: «حُبَّذا نومُ الأكياسِ وإفطارُهم»[٣].
فقد يكون الصائمُ كثيرَ العمل وهو غافل، ويكون آخرُ قليلَ العمل لكنّه «كَيِّسٌ فَطِن»، يعيش في عالمٍ من الوعي والتوجّه، وهذا هو المطلوب.
أدب النُّصح: الاختصار وامتحانُ القلوب
من آدابِ الحكمة في الروايات: أن يُلقَى الحديثُ على الناس شيئًا فشيئًا؛ جاء في المضمون:
«انبِذْ إليه الحديثَ نَبْذًا»؛ أي اختبرْه بحديثٍ يسير، فإن رأيتَه طالبًا متعطّشًا، تكلّمْ معه وافتَحْ له الباب، وإلّا فإلقاءُ الحكمة على غير أهلِها ظلمٌ للحكمة، كما أنّ حبسَها عن أهلِها ظلمٌ لهم.
إذن على الناصح أن يختصر، فإن قال له الطرف: زدني، زاده.
أميرُ المؤمنين عليه السلام اتّبع هذا المنهج مع همّام؛ فلم يطِل ابتداءً، بل أعطاه أوّلًا آيةً جامعة.
الآية الجامعة: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا»
قال عليه السلام لِهمّام:
«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ»[٤].
هذه الآيةُ وحدها كافيةٌ وصفًا للمتّقين، لمن تدبّرها.
فيها توكيدٌ بـ«إنَّ»، وابتُدِئَت بلفظِ الجلالة «الله»، وهو اسمٌ يُستعمل في المواضع العظيمة، الدالّة على جميع صفات الجلال والكمال.
اسمُ «الله» فيه إشارات:
إذا حُذِف الألفُ بقي: «لله»، كما في قوله تعالى: «لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»[٥].
وإذا حُذِف الألفُ واللامُ بقي: «له»، كما في قوله تعالى: «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»[٦].
وإذا حُذِف الألفُ واللامانِ وبقي الضمير «هو» جاء في قوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»[٧].
ويُذكر في سلوكِ بعضِ العارفين أنّهم يطيلون النظرَ إلى لفظِ الجلالة «الله» في جوف الليل، ليملأوا قلوبَهم بحبِّ مَن يدلّ عليه هذا الاسم الشريف.
مقام المعيّة ودرجات القرب من الله
في كتبِ السائرين إلى الله يُذكَر مقامُ «المعيّة» من أواخر منازل القرب؛ وللقربِ درجات، منها على الأقلّ:
التخلّي عن الرذائل
التجلّي بالتطهير
التحلّي بالفضائل
ومثالُ الإناء: يُنَزَّع عنه القذر، ثمّ يُطهَّر، ثمّ يُملَأ بالعسل.
هذه المعاني ليست خاصّةً بالعلماء والعارفين؛ في القبر والبرزخ والقيامة يُسألُ الإنسان: لمَ لم تَسْعَ إلى ما كان ممكنًا لك من هذه الدرجات ما دام الطريقُ مفتوحًا؟
فالإنسان يعيش ثمراتِ هذه المقامات في البرزخ ويومَ القيامة، ومن الحكمة أن يجمع اليومَ ما ينفعه غدًا.
ولاية أمير المؤمنين والنجاة مع الرحمة الإلهية
عندنا في العقيدة أنّ من مات على ولايةِ أمير المؤمنين عليه السلام، محافظًا على الصلاة والصيام، وقَبِل الله منه ذلك، وامتلأ قلبُه بحبِّ النبي وآله، فقد تحقّق «العمود الفقريّ للنجاة».
قد يتعرّض لبعض الشدائد: سكرات الموت، ضغطة القبر، أو البلاء في أواخر العمر، لكن يُرجى له السلامة من الخلود في النار، فإنّ جحيمَ جهنّم دارُ كبارِ العصاة.
ترد في الروايات إشاراتٌ كثيرةٌ إلى الرحمة الإلهية، لكن لا تُذكَر كلُّ تفاصيلها لئلّا تُورِث الجرأةَ على المعصية.
يكفي ما رُوي من أنّ الرحمة تتجلّى يوم القيامة حتى «يَمتدُّ لها عنقُ إبليس طمعًا فيها» فلا ينالُها؛ وهذا من أخبار المواعظ، ودرجةُ صحّته محلّ بحث عند أهل الحديث.
مشاهد من القضاء الإلهي يوم القيامة
ذكرَ القرآنُ حالَ بعض العصاة:
«خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ»[٨].
والقاضي هناك هو اللهُ عزّ وجل، وقد قال:
«وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ»[٩].
«والمنفّذون للحكم ملائكةٌ «غِلاظٌ شِدادٌ»[١٠].
ومع ذلك، رُوي في بعض كتب المواعظ أنّ العبد إذا أُمرَ به إلى النار ناجى ربَّه:
يا ربّ، ما كان هذا ظنّي بك؛ كنّا في الدنيا نرجو رحمتَك ونقرأ أدعية الرجاء، ونتوسّل بالنبيّ وأهلِ بيته، فكيف يكون هذا مآلُنا؟
فيُؤمَر به إلى الجنّة بحسنِ ظنّه، وهذا المعنى وإن كان سندُ رواياته محلَّ بحث، إلا أنّه موافقٌ لأصلٍ قرآنيّ عام في الرجاء وحسنِ الظنّ بالله.
خطورة اليأس من رحمة الله
قال تعالى في شأن قومٍ:
«لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[١١]، وهو يدلّ على أنّ الأصل وجودُ الخطاب الإلهيّ، وأنّ الحرمان منه عقوبةٌ عظيمة.
لذلك لا يجوز للعبد أن ييأس؛ فبعض الناس إذا وقع في ذنبٍ صغير قال: أنا هلكت، ثمّ يترك الصلاة وسائر الطاعات، ويستسلم للمعاصي، ويقول: «أنا الغريق فما خوفي من البلل»، وهذا من وساوس إبليس.
الطريق الصحيح: التوبةُ والرجوع، مع الرجاء والخوف معًا، لا اليأسُ ولا الجرأة.
مصيبةُ أمير المؤمنين عليه السلام في ليالي شهادته
ثم ينتقل الكلامُ إلى المصيبة، فنصلّي على محمدٍ وآلِ محمد.
نذهبُ بقلوبِنا إلى الكوفة، إلى دار المروءة، لنتفقّد حالَ أميرِ المؤمنين عليه السلام في ليلةِ شهادته؛ البيتُ مظلم، لكنّ الظلامَ ممتزجٌ ببكاءٍ وأنين؛ كلٌّ يبكي على فراقه: الحسن والحسين، العبّاس، وبنو هاشم.
وفي البيت صوتٌ رقيقٌ حنون، هو صوتُ ابنته زينب عليها السلام؛ فالبنتُ أشدُّ حنينًا إلى أبيها.
زينبُ تربّت في أحضان عليٍّ عليه السلام، طالما احتضنَها وقبّلها، وبعد وفاةِ فاطمة الزهراء عليها السلام، كان هو مُسَلّيها، وربّى الحسنَين وزينبَ في بيت الحزن.
يُروى أنّ جيرانَ دارِ عليٍّ لم يكونوا يرون خيالَ زينب لكثرةِ سترها وعفافها.
والآن هي تنظر إلى وجه أبيها، وقد اصفرَّ لونُه؛ ضربةُ السيف على الرأس أفرغت الدمَ، وعلى رأسه عصابةٌ صفراءُ تُشدّ بها موضعُ الجرح، فلا يُدرى أيّهما أشدُّ اصفرارًا: وجهُ عليٍّ أم العصابةُ على رأسه.
[٢] مرويّ في كتب الحديث، منها: الكافي للكليني، باب صفات المؤمن.
[٣] مرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله في بعض كتب الحديث، كبحار الأنوار للمجلسي.
[٤] سورة النحل، الآية ١٢٨.
[٥] سورة البقرة، الآية ٢٨٤، وغيرها
[٦] سورة البقرة، الآية ٢٥٥، وغيرها
[٧] سورة الإخلاص، الآية ١
[٨] سورة الحاقّة، الآيات ٣٠–٣٢
[٩] سورة الأنبياء، الآية ٤٧
[١٠] سورة التحريم، الآية ٦
[١١] سورة آل عمران، الآية ٧٧، ونحوها
خلاصة المحاضرة
يتحدّث الخطيب عن أيّام أمير المؤمنين عليه السلام، وفضل حضور مجالس العزاء والسعي إليها، لأنّ فيها نفحاتٍ خاصّة وبركاتٍ لا تُنال عبر القنوات والوسائل فقط.
ويؤكّد أنّ العبادة وحدها لا تكفي من دون «برنامجٍ وخطّةٍ للتكامل»، فالمؤمن يحتاج إلى منهجٍ واضحٍ ليترقّى، مستفيدًا من خطبة المتّقين كدستورٍ عمليٍّ للحياة الروحيّة.
كما يشرح معنى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ»، ويدعو إلى السير في مراتب القرب من الله مع الجمع بين الخوف والرجاء، وحسن الظنّ برحمة الله وعدم اليأس من مغفرته.
ثم يختم بذكر مصيبة أمير المؤمنين عليه السلام في ليالي جراحه، وحال أهل بيته بالبكاء والأنين، وخصوصًا زينب عليها السلام وهي ترى وجه أبيها المصفرَّ وعصابته الصفراء بعد ضربة السيف.