عبر من حياة الأنبياء

تأملات وعبر من حياة النبي موسى (ع)-ج3

إن من المحطات المهمة جداً في حياة النبي موسى (ع) ما جرى له في جانب الطور، حيث رأى ناراً -نلاحظ بأن الله قام بأمرٍ تكويني- فالنبي موسى (ع) ذهب لأمر عادي من شؤون الحياة العادية، لكن الله تعالى جعل في هذه الحركة الطبيعية البركة الكثيرة.. فمن الممكن أن نعنون هذه الحركة تحت عنوان: (كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو)!.. قال أمير المؤمنين (ع): كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو!.. فإن موسى بن عمران خرج يقتبس لأهله نارا، فكلّمه الله تعالى فرجع نبيّا.. وخرجت ملكة سبأ كافرة، فأسلمت مع سليمان.. وخرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون، فرجعوا مؤمنين.. فقد يقوم الإنسان بفعلٍ ما، وبحسب الظاهر لا بركة فيه، ولكن الله يجعل فيه عين البركة.

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.. إننا نلاحظ هنا العلاقة اللصيقة الشفيقة بين العبد وربه.. فموسى (ع) من قبل أن يكون نبياً كان بشراً، ولكن كان من المحسنين.. ففي آية أخرى في سورة طه، هنالك تفصيل آخر للحوارية التي جرت بين موسى (ع) والله سبحانه وتعالى.. إن الله تعالى يذكر أموراً إلى جانب الربوبية: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}.. نلاحظ هنا أن هذه الآيات جمعت أصول الدين الثلاثة:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلّاَ أَنَا}.. إشارة إلى جانب التوحيد.
{َاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}.. إشارة إلى حركة الرسالة، وإلى أن الله جعل هناك شريعة.. ومن المعلوم أن هذه الشريعة لا تؤتى إلا من قبل النبي.
{إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ}.. إشارة إلى جانب المعاد.

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}.. إذا جعلنا هذه الآية لام النتيجة والعاقبة، فمعنى ذلك أن ثمرة الصلاة، هي ذكر الله عز وجل.. فغاية الصلاة هي متمثلة بذكر الله سبحانه وتعالى.. إن الذكر حركة قلبية، وإقامة الصلاة -بحسب الظاهر- تقوم بها الجوارح، وقسم من الجوانح.. لكن ثمرة الصلاة هي ثمرة معنوية محضة.

ثم إن رب العالمين قام بمعجزة، حيث جعل العصا تتحول إلى شيء مخيف كأنها جان.. ومن الطبيعي أن موسى لما رأى ذلك {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ}.. وعليه، فإن معنى ذلك: أن الله تعالى -تقوية لقلوب أنبيائه، وإتماماً للحجة على الأمة- يتصرف في مواد الطبيعة.. فالذي يتصرف بهذا الوجود- سواء كان بشكل متعارف، أو بشكل غير متعارف- هو الله عز وجل.

هنا عندما رأى الله تعالى هذا الفزع من موسى (ع) قال له: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ}.. إن الإنسان عندما يرى شيئاً مخيفاً، يمد يديه.. ولكن الآية تقول: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ}.. يقال في بعض التفاسير: أمر بأن يجعل يديه على صدره، كناية عن الإطمئنان والأمان.. أي لا تمد يديك مد الخائف، وإنما ضم يديك إلى صدرك، مادام الله هو الذي خلق هذا الأمر المخيف فلمَ الخوف؟!..

{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}.. نلاحظ أن موسى (ع) هنا هو في حالة الإنفتاح مع ربه، فيقترح على ربه ويقول: ربي اجعل لي وزيراً معي، يؤيدني ويقويني على الدعوة، ألا وهو هارون.

إن النية إذا كانت إلهية، وإذا كان الغرض هو رضا الله عز وجل، فإن كثرة الشركاء لا تضر.. ففي عالم الأموال، إن الإنسان إذا شارك أحداً، فقد قسم رأس ماله.. أما في العمل الرسالي فإن كثرة الشركاء لا يضر أحدنا، بل يزيده قوةً.. ومن هنا يقال كمثل: لو أن الأنبياء جميعا اجتمعوا في قرية واحدة، لما وقع النزاع بينهم، لأنهم يرون بأن العمل كله في خدمة الدين والشريعة.

فعندما اقترح هارون، جعل دليلاً قال: {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} معنى ذلك أن طلاقة اللسان، وقوة البيان، من سبل دعم الشريعة.. وعليه، لأن نكون مؤثرين في نشر الرسالة الإلهية، علينا أن نتوسل بكل سبل التبليغ لدعم الشريعة.. وفي عصرنا هذا الفضائية أكثر بياناً، فنحن علينا أن نستغل هذه الأداة في نشر الشريعة.. ففي تلك الأيام لم يكن إلا اللسان.. إن موسى له لسان، لكن يقال كان هنالك شيء في بيانه، وهارون كما تقول الآية أفصح لساناً.. فهذا اللسان الأفصح يقدم على اللسان الذي هو أقل فصاحة.

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا}.. فرعون ذلك القاتل للرضع، الذي بيده- بحسب الظاهر- أولئك الجنود الظاهريين.. لكن القرآن يقول لموسى: كن مطمئناً!.. فمادام نحن قد جعلنا لك هذا السلطان، فلا تخف.. إذا كان السلطان من الله عز وجل، هل يقف أمامه السلطان البشري؟..

{بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.. لماذا الإنتكاس في الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس؟.. المشكلة في هذه العبارة: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.. فالنبي غالب إن عاجلاً أو آجلاً، ولكن المشكلة في الإتباع.. فيا بني إسرائيل!.. إن اتبعتم الأنبياء فأنتم الغالبون.. فوجود موسى (ع) ووجود هارون (ع) في الأمة لا يكفي للإنتصار، إذ لا بد من الإتباع.. وكذلك في زماننا هذا، فإن وجود المهدي (عج) من دون إتباعٍ، ومن دون اقتاء، ومن دون نصرة، لا يمكن الغلبة.. فسر الغلبة هو في وجود أمثال موسى وهارون في القيادة، وفي عنصر الإتباع.. ففي القاعدة (إذا اجتمع العنصران، تم النصر والغلبة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى