الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نوقف هدر ساعات العمر ؟

– من الحقائق المؤسفة ما نراه في هذه الأيام متفشياً بين الناس ، من هدرٍ لساعات العمر في كل ما هبَّ ودبَّ ، في الأمور اللاهية واللاهادفة .. ولو أن هذا الشيء المنفق عبثاً كان مالاً ، لغلبه التألم بل الضجر الشديد ، والحال أن العمر هو أغلى شيء في الوجود.

– من المعلوم أن بعض السدود العظيمة -التي تعد مصدراً لتغذية بعض المدن- أنها حصيلة من القطرات المائية المتجمعة من هنا وهناك ، وأيضاً حياتنا بمثابة تلك القطرات المتجمعة في السدود ، فلو جمعنا هذه الساعات المهدرة ، لخرجنا بفائدة كبيرة في الدنيا ، بل والأهم من ذلك هو أن نكون ادخرنا زاداً قد يجنبنا الندامة والحسرة القاتلة في يوم القيامة ، فيومئذ يكون هو في أسفل طبقات الجنة ، بينما يرى من هم ذووا الهمم العالية بجوار المصطفى وآله (ع) ويا لها من حسرة قاتلة !.

– إن من مصاديق وروافد ضياع العمر وهدر الساعات : ساعات النوم الزائدة : الإنسان بإمكانه أن ينام ساعات محدودة ، يتقوى بها على طاعة الله.. وأيضاً ساعات البطالة في العمل : ترى البعض يجلس ينظر إلى الأبواب والشبابيك أو يقلب نظره في صحيفة ما ، لا يعرف ماذا يعمل ، وهو على هذه الحال كل يوم !.. كذلك ساعات الجلوس مع الآخرين : يستهلك الكثير من الوقت ذهاباً وإياباً.. وساعات الانتظار والسياقة ، وفي المعاملات الحكومية ، وفي أيام الصيف الذي يحتار في نفسه كيف يقتل الوقت ؟!.. وقد يأتي الصيف وينتهي وهو مفلس في مفلس لم يعمل لا لدنيا ولا لآخرة !.

– لا يقتصر العمل الجاد في الحياة ، وتربية النفس والفكر والعواطف ، والجوارح والجوانح ، فقط على العلماء والمراجع ، بل أيضاً على عامة الناس.. فإن ابن آدم إذا مات قامت قيامته ، فالقبر إما حفرة من حفر النيران ، وإما روضة من رياض الجنة.. فالذي يعتقد بهذا المصير ، ألا يحق له أن يفكر بشكل جدي ماذا يعمل ، ليوقف هدر هذا العمر الذي ذهب عبثاً ؟!.

– هنالك أربعة محطات لتوليد الطاقة البشرية واستغلال الوقت :

أولاً: الجانب العبادي : وليس المقصود به الصلاة والصوم والأوراد ، بل هو الالتفات إلى عالم الغيب ، فالإنسان بإمكانه أن يعيش عالماً من عوالم القرب من الله عزوجل وهو جالس في مكانه لا يتحرك ، ويعيش حالة الأنس والارتياح والمعية برب العالمين بما لا يقاس لا بالأمومة ولا بالعروس.. ذلك الأنس الذي جعل الإمام موسى بن جعفر (ع) يشكر الله تعالى على نعمة السجن !.. وذلك أيضاً هو الذي جعل موسى (ع) يخر صعقاً.. وهو أيضاً الذي جعل النبي المصطفى (ص) يتكلف المشقة ، ويتعبد في غار حراء بلا تكليف شرعي.. والذي جعل علي (ع) يقول : (جلوسي في المسجد أحب إلي من جلوسي في الجنة ؛ لأن جلوسي في المسجد فيه رضا ربي ، وجلوسي في الجنة فيه رضا نفسي).. والذي جعل أهل الجنة يتركون القصور والحور ، وينشغلون بالنظر إلى جلال الله وجماله.

– ثانيا: الجانب الفكري : إن الإنسان المؤمن طاقة بناءة ، طاقة مفكرة ، يطالع ويقرأ ويتأمل ، لذا تراه في حالة من الهدوء والسكينة لا يخشى شيئاً ، تتصاغر في عينه كل عناصر القوى الكبرى المستكبرة ، بل تبدو في ذهنه كالدمى ؛ لأنه يعلم بأن صاحب هذه القوى العظمى هو رب العالمين ، وكل ذلك إنما هو من بركات الحركة الفكرية الدائبة والمطالعة المستمرة.

– ثالثاً : الجانب الخدماتي : إن الإنسان المؤمن معطاء ، يفرج عن المكروب ، ويغيث الملهوف ، ويساعد المحتاج… فها هو إمامنا السجاد (ع) عندما جاء لدفن أبيه الحسين (ع) يصف بأن هنالك آثار السنان والسيوف والرماح ، وإلى جانبها آثار الجراب التي كان يحملها في المدينة للفقراء والمساكين.

– رابعاً : الاستجمام المحلل : لا بأس بإعطاء النفس حقها بالترويح ، قال تعالى : {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.. مثل السفر ، أو ممارسة رياضة مندوبة كالسباحة مثلاً ، ولكن بشرط أن تكون في أجواء شرعية.

– في ختام الحديث نذكر بعض ما ورد في الروايات عن سلوك أهل البيت (ع) وجديتهم في هذه الحياة :

* يقول سألت أبا عبد الله الإمام الصادق (ع) عن صاحب هذا الأمر (يقصد الإمام الكاظم) ، قال صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب ، ودخل الإمام موسى بن جعفر (ع) وهو طفل صغير المجلس ومعه بهمة عناق مكية (عنزة أو غنمة دون الحول) فأخذ (ع) يقول لها اسجدي لربك (بدلاً من ملاعبتها بلا هدف) ، فأخذه أبو عبد الله وضمه إليه وقال بأبي أنت وأمي من لا يلهو ولا يلعب.

* أنزل الله تعالى في يحي (ع) : {وآتيناه الحكم صبيا} ، لما قاله من كلام بليغ للصبيان الذين أرادوا أن يلعب معهم ، حيث قال : ما للعب خلقنا !.

* رواية عن علي (ع) ، عن النبي (ص) أنه رأى رجلاً يرسل طيراً ، فقال : شيطاناً يتبع شيطان.

– أخيرا : على المؤمن أن يعيش هذه الهدفية ، وإلا سيصل به الأمر ، كما نقل عن بعض العلماء أنه رؤي رجلاً ميت وهو يعض على يديه من الندامة ، لما ينظر إلى خلفه من صحراء مقفرة لا خير فيها أبدا !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى