الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

ما هي حقيقة البداء؟

– البَدَاء لغة : الظهور بعد الخفاء . يقال زيد بدا له شجاعة عمر ، بمعنى ظهر له ما كان خافياً عنه من أمره . أما في الشرع : فهو بمعنى المحو والتغيير في التقدير والقضاء الإلهي ، يقول تعالى : {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.. وليس ذلك لا على نحو الجهل ، فالله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما يكون ذلك وفقاً لتغير الظروف وتبعاً للمصالح ، وقد ورد في الروايات : أن الله لا يبدو له من جهل .

– إن البداء في عالم التكوينات هو كالنسخ في عالم التشريعات.. إذ من المعلوم أن هناك آيات ناسخة ومنسوخة في القرآن الكريم ، مثل الآية التي تنص على تحويل القبلة من جهة بيت المقدس نحو الكعبة ، فبلا شك أن الله تعالى يعلم منذ بداية الدعوة أن المسلمين سيأمرون بالتوجه إلى الكعبة ، ولكن لمصلحة هو يراها جعل التوجه نحو بيت المقدس.. وكذلك الأمر في عالم التكوين ، فالله تعالى يعلم بأن هذا العبد سيقوم بعمل ما ، خيراً كان أو شرا ، يوجب له تغيير المقدرات.. كمثل الذي حصل لقوم يونس ، عندما رفع الله عنهم العذاب وقد كان محتماً ، لما فزعوا إليه تعالى.. ومن هنا تتجلى قدرة الله تعالى في عدم الخضوع إلى السنن والمقدرات المكتوبة منذ الأزل ، فهو كما وصف نفسه جل وعلا : {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} .

– إن البداء له وجهان : فتارة يكون في عالم الأسباب (قبل الحدوث) ، وتارة في عالم المسببات (بعد تهيئة المقدمات) ، أما إذا قضي الأمر فلا بداء فيه.. كمثل إنسان يتقدم إلى مرمى السهام ، فيبدو لله تعالى – في هذه الحالة – وجهان : إما أن يتدخل في عالم الأسباب ، فيمنع هذا الإنسان من التقدم خطوة إلى الأمام ، كأن يوقعه في حفرة أو يرسل عليه ريح عاصفة.. أو أنه بعدما تتم المقدمات ، ويصبح في المرمى ، يتدخل في عالم المسببات ، بأن تكسر السهام أو تنحرف مثلاً ..

– إن الاعتقاد بحتمية القضاء والقدر يوجب حالة اليأس عند الإنسان ، وبالتالي فنراه قد يوهم نفسه بأن قدره هو الشقاء الأبدي ، ولا فائدة من التوبة والتورع عن المحرمات ، وهذا بالتأكيد مما يؤدي إلى ترك التعبد والدعاء ، والتمادي في الحرام.. في حين أن الذي يعتقد بتصرف الله تعالى المطلق في الأشياء ، فإنه يحذوه الأمل دوماً برحمة الله الواسعة وكرمه ، فيسير متوكلاً عليه تعالى في كل حركاته وسكناته ، سائلاً إياه التوفيق لما يوجب له الخير ، كما لا يقوم بأمور توقعه في التهلكة ، ومن هنا جاء في الحديث : (ما عبد الله عزوجل بشيء بمثل البداء) أو (ما عظم الله عزوجل بشيء بمثل البداء).

– إن البحث عن السعادة هو غاية الجميع ، إذ بلا شك أنه لا يوجد أحد لا يحب أن يكون سعيداً ، بل إن كثيراً من السلبيات من المعاصي والمنكرات منشؤها حب السعادة.. فالذي يدمن المسكرات ، أو يسهر الليالي الحمراء ، أو يعكف على المحرمات ، فإنه يريد أن يعيش عالم اللذة والسعادة .. فإذن، ما من موجود بل حتى الحيوانات فهي عندما تذهب إلى المرعى تنشد اللذة بطعامها وشرابها.

– إن السعادة هي أن يصل الإنسان إلى بغيته ، إن كانت حقة أو باطلة ، محللة أو محرمة.. لذا فإنه يعيش العذاب ولا يهنأ له عيش – وقد يصل الأمر إلى حد الانتحار- ، ما دامت الموانع حائلة بينه وبين ما يريد .. ولا شك في أن بني آدم مجموعة من الآمال والطموح ، وأن السعيد هو الذي يحقق أقصى قدر ممكن من آماله ، ومن هنا فإنه يكون في معرض الانتكاسات المتوالية ، إذ ليست الأمور دائماً وفق ما يشتهيه الإنسان.. كما قال الشاعر :

ما كل ما يتمنى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

– إن المفهوم الإسلامي الصحيح للسعادة هو الوصول إلى رضوان الله تعالى ، بتحقيق هدف الخلقة والوجود ، ألا وهو العبودية الحقة لله تعالى ، حيث يقول تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ؛ وليست هي في الآمال المتفرقة ، المشتتة للذهن ، والباعثة على الحسرة .. أضف إلى أن وحدوية المأمول توجب الطمأنينة وراحة البال ، وخاصة إذا كان هنالك تجاوباً مطرداً ، لا كما في الأماني الدنيوية ، إذ كلما تعلق بها الإنسان اشتد نفورها منه ، فالله تعالى يؤكد هذه الحقيقة ، إذ يقول : (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه باعاً ، ومن تقرب إلي باعاً تقربت إليه ذراعاً ..) وهو أيضاً القائل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ …}،{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ }،{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ …}، فهلا شمرنا السواعد وشددنا الهمة لنيل هذه السعادة الأبدية الحقة ؟!..

– إن موطن السعادة : هو القلب.. وذلك لا يتحقق بمجرد إشباع الشهوات ، أو بتلبية الرغبات المادية ، وإنما باستشعار حالة الاطمئنان ، كما في قوله تعالى : {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. وبتأمل بسيط في هذه الآية ، نلاحظ أن : (ألا) : أداة تنبيه ، إشارة إلى أمر مهم ؛ (بذكر الله) : فتقديم ما حقه التأخير في اللغة العربية يفيد الحصر ؛ (القلوب) : الجمع المحلى بأل يفيد العموم .. وفي هذا دلالة أكيدة على أنه لا يوجد قلب في الوجود يطمئن إلا بذكر الله تعالى ، وأما ما عداه فإنه وهم في وهم.

– من أسباب السعادة :

* الانسجام مع خط الشريعة : بمقدار انطباق السلوك الحياتي وفقاً لما جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي، فإنه تتحقق للإنسان حالة البرد والاطمئنان ، وهي الحالة التي نعيشها بعد كل وجبة دعائية أو بكاء على مصائب أهل البيت(ع) ، حيث نعيش لذة وارتياحا نفسيا لا يقاس بأي متعة من المتع المادية.. جاء عن علي(ع) : ( إنما السعيد من خاف العقاب فآمن، ورجا الثواب فأحسن ، واشتاق إلى الجنة فأبلج ).

* الخلوة مع الذات : أن يكون للإنسان أنسه مع نفسه ، فلا يستوحش إذا خلا لوحده ، أو يعيش حالة الضيق والأذى ، قال الصادق : (السعيد من وجد في نفسه خلوة يشغل بها).

* العلم ، والتدبر ، والتفكر : الإنسان الجاهل إنسان غير سعيد ، فهو يعيش حالة الفراغ والخواء الروحي ؛ بينما العالم تراه يأنس بما في بطون الكتب ، فيأخذ كتاباً في التفسير أو الحديث ، ويعيش مع العلماء ؛ ويقرأ القرآن الكريم ، فيعيش لذة الخطاب والحديث مع رب العالمين ، كما هو حال الأئمة(ع).

* الهمة العالية : نعم ، (هيهات من نيل السعادة ، السكون إلى الهوانة والبطالة) ؛ فالإنسان الغافل ، المتقاعس ، البطال ، الذي لا يحب التكامل ، حاله كما يقول الشاعر : ومن لا يحب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر.

* تصفية الملكات الباطنية : إن من موجبات الشقاء هي حالة الملكات الخبيثة في النفس.. فالإنسان الحسود – مثلاً- يعيش الاضطراب والتوتر والحقد ، وبالتالي فلا مجال له أن يتفرغ لا لطلب العلم ولا للعمل الصالح .. وعليه، فإن خلو الصدر من الأمراض الباطنية من موجبات تحقيق السعادة.

* الارتباط بالمطلق: من المعلوم أن الإنسان دائماً يحب أن يعيش حالة الارتباط بالآخرين ، وأفضل أنواع الارتباط هو الارتباط بالحي الذي لا يموت .قيل للصادق (ع) : (إن من سعادة المرء خفة عارضيه ، فقال : وما في هذا من السعادة ، إنما السعادة خفةّ ماضغيه بالتسبيح).. نعم إن البعض حاله هكذا : ترى لسانه لا يفتأ يتحرك ولا يمل من ذكر الله.. وللعلم أن بعض من مراجع التقليد مع ما لديه من المزاحمات ، إلا أنه لابد أن يقرأ في كل يوم ألف مرة سورة القدر أو ألف مرة سورة الإخلاص .. إن خفة الماضغين بالتسبيح من علامات التوفيق ، ولهذا نقرأ في الروايات عن وصف الأئمة (ع) : كأن لسانه ملتصق بحنكه من كثرة التهليل وذكر الله .

* الاستقرار الاجتماعي : إن البلاءات العائلية والاجتماعية من موجبات القلق وتكدير صفو العيش للعبد ، قال رسول الله (ص) : (أربعٌ من سعادة المرء : الخلطاء الصالحون ، والولد البارّ ، والمرأة المؤاتية ، وأن تكون معيشته في بلده ).

* السيطرة على الشهوات : إن أصحاب المتع الدنيوية دائماً يلهثون وراء الملذات ، متعة تلو الأخرى ، ولهذا فهم لا يعيشون حالة الاستقرار .. نعم ، أسعد الناس من ترك لذة فانية للذة باقية.

* الارتباط العقائدي والانتماء إلى أهل البيت (ع) والتوسل بهم : قال علي (ع): (أسعد الناس من عرف فضلنا وتقرب إلى الله بنا وأخلص حبنا وعمل بما إليه ندبنا وانتهى عما عنه نهينا، فذاك منا وهو في دار المقامة معنا).

* مباركة الله في وجود الإنسان : قال الصادق (ع) : (ما كل مَن نوى شيئا قدر عليه ، ولا كل مَن قدر على شيء وُفّق له ، ولا كل مَن وفّق لشيء أصاب له ، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة ، فهنالك تمت السعادة).

– إن التمادي في ارتكاب الذنوب سبب – والعياذ بالله – في ختم القلب ، حيث يطبع على قلب الإنسان ، فلا يرى المنكر منكراً ، ولا يستهويه المعروف ، فيكون حاله كما بقول تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.. وهذه – بلا شك- مرحلة خطيرة من انطفاء النور الإلهي في نفس الإنسان، وتورث العاقبة السيئة ، كما هو حال أصحاب الأئمة(ع) ، إذ وصل بهم الأمر – كما نعلم – إلى ارتكاب التصرفات السخيفة ، وهم يحسبون أنهم على حق.. والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل ، ويومئذ يندم المسرفون على أنفسهم في حين لا ينفع الندم : {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ، {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى