شرح دعاء الافتتاح

الحلقة السابعة عشر

– (اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، وَأَمينِكَ ، وَصَفِيِّكَ ، وَحَبيبِكَ ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ ، وَحافِظِ سِرِّكَ ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ ، أَفْضَلَ وَأَحْسَنَ ، وَأَجْمَلَ وَأَكْمَلَ ، وَأَزْكى وَأَنْمى ، وَأَطْيَبَ وَأَطْهَرَ ، وَأَسْنى وَأَكْثَرَ ، ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ ، عَلى أَحَد مِن عِبادِكَ وَأنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وَصِفْوَتِكَ ، وَأَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ..)..

بعد أن أنهينا حمد الله عزوجل بأنواع الحمد ، الآن في هذه الفقرة المباركة وصل الدور إلى الصلاة على نبيه وعلى أوليائه ، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.. حمدنا ربنا على نعمه وعلى آلائه ، الآن رب العالمين أمرنا أن نصلي على الذين كانوا سبباً لإيصال الهداية إلى قلوب أوليائه..

النبي الأكرم (ص) كم قاسى في دعوة الناس إلى الله عزوجل !.. عبد الله عزوجل حق عبادته ، حيث اختلى في ذلك الغار إلى الأربعين من عمره ، وهو يتوجه بكل وجوده إلى الله عزوجل.. ثم نزل إلى ساحة الحياة ، حيث عتاة الجاهلية ، وقد تحمل منهم ما تحمل ، أخرجوه من بلدته من مكة ، ثم واجه الكفار والمنافقين في المدينة.. حياة مليئة بكل صور المعاناة ، إلى درجة قال عبارته المبكية : (ما أوذي نبي كما أوذيت).. رغم أنه من الذين أوذوا في حياة الأنبياء : أيوب المبتلى ، ويحى الذي قطع رأسه ، وأهدى إلى بغية من بغايا نبي إسرائيل.. الأنبياء عاشوا ما عاشوا من صور الظلم والأذى ، ولكن حبيبنا المصطفى كان خاتماً في كل شيء ، ومنه الأذى الذي عاناه في حياته المباركة.. أو لا يستحق الحبيب المصطفى (ص) ، أن نصلي عليه صباحاً ومساء ، كما يحب الله ويرضى ؛ لأنه تعالى هو أول المصلين على حبيبه..

والملاحظ أن أول صفة نصفها للرسول (ص) ، هي صفة العبودية.. فقبل أن نصفه بأوصاف الحب ، والاصطفاء ، والأمانة ، وأنه خيرة الله من خلقه ، نقول : (عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ) ، وهذا الذي نكرره في تشهد صلواتنا في كل يوم.. النبي (ص) ما صار نبياً ، إلا لأن الله عزوجل رآه أطوع الخلق بين يديه..

وفي قوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} : نفهم أن صفة العبودية هي ثمرة الوجود ؛ ولو لم نحقق هذه الثمرة في حياتنا ، فوجودنا يصبح وجوداً لغوا باطلاً ؛ لأن الشجرة التي لا تثمر ، تقتلع وترمى جانباً..

إن العبودية حالة وجدانية.. فالأم عندما تضع ولدها ، تعيش حالة الأمومة.. والموظف عندما يتوظف في دائرته ، يعيش مشاعر الوظيفة ، ويرى نفسه موظفاًَ.. فهل نحن عشنا هذه المشاعر في حياتنا ولو ساعة ، ولو دقيقة ، أننا عباد لله عزوجل ؟..

والإنسان الذي يعيش حقيقة العبودية ، فإنه سوف لن ينقدح في نفسه ميل إلى الحرام ، إذ العبد ينسق حركته وسكنته ، وقيامه وقعوده ، على وفق ما يطلب منه المولى.. الذي يعيش حقيقة العبودية ، فإنه يتحول إلى ذلك الإنسان الذي يصفه القرآن الكريم : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.. فالإيمان إذا أصبح مزيناً في الصدر والقلب ، فإن هذا الإنسان لا يجد كلفة عندما يريد أن يقوم بالطاعة.. والذي يكره إليه الكفر والفسوق والعصيان ، فإنه لا يجد ثقلاً عندما يريد أن يكف عن الحرام.. فهنيئاً لمن اتخذه الله عبداً !..

اللهم اجعلنا لك من العابدين ، بحق سيد العابدين حبيبك المصطفى (ص) !.. والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى