شرح دعاء الافتتاح

الحلقة الرابعة عشر

أما وقد وصلنا إلى منتصف هذا الشهر الكريم ، فمن المناسب أن نقف مع أنفسنا وقفة تأملية ، لننظر هل نحن تملينا وتزودنا وتشبعنا من بركات هذا الشهر الكريم ؟.. ترى هل غفر لنا أم لم يغفر لنا ؟.. الأيام تجري بسرعة ، والليالي تنقضي ، والفرص تمر مر السحاب !.. وبعد أيام نستقبل العشرة الأخيرة من الشهر الكريم ، حيث ليالي القدر ، حيث أخذ الجائزة الكبرى من رب العالمين !.. ومن المعلوم بأن الشقي من حرم غفران رب العالمين في هذا الشهر الكريم.. وأعوذ بالله عزوجل من أن ينصرف عنا هذا الشهر ، ولم نصل إلى مرتبة الغفران ، أو الرضوان !..

أيضاً في منتصف هذا الشهر ، تطل علينا مناسبة ميلاد سبط النبي الأكبر ، الإمام المجتبى (ص) ، ذلك الإمام الذي يضرب به المثل في الحلم والتجاوز.. ويا ليت الإنسان المؤمن الذي يدّعي الانتساب إلى منهج أهل البيت وإلى مدرستهم أن يتأسى بصفاتهم !.. هل نحن نحاول أن نضفي على حياتنا صفة الحلم والتجاوز عن الآخرين ، واستيعاب الصدمات ، وعدم مؤاخذة الناس على كل صغيرة وكبيرة ؟!.. هل حاولنا أن نعمل بقوله تعالى : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } ؟!.. هذه وقفات تأملية بمناسبة منتصف هذا الشهر الكريم..

– (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يُؤْمِنُ الْخائِفينَ ، وَيُنَجِّى الصّالِحينَ..)..
هذه الأيام -وليس هذا بقول مستنكر أو غريب- أغلب الناس تعيش حالة من حالات القلق والخوف من المستقبل ، والاكتئاب المزمن وغير المزمن ؛ فكل هذه العوارض النفسية ، تنغص على الناس حياتهم وهم في ذروة المتاع المادي ؛ ترى إنسان لا ينقصه شيء من متاع الدنيا ، ولكن يعيش مجموعة من هذه الأمراض النفسية ، التي قد تجر البعض إلى ما لا يحمد عقباه.. فالناس إما خوفهم من المستقبل ، أو حزنهم على الماضي الأسود الذي لا يرجع.. فأما الحزن على الماضي : هب أن الله عزوجل غفر لإنسان وقد كان له ما كان ، ولكن العمر الذي ضاع في الباطل وفي المعصية ، فإن هذا العمر لا يرجع ؛ ومن العبث ، بل من الخسران أن يضيع الإنسان ما بقي من عمره أيضاً فيما لا يفيده !.. وإما الخوف من المستقبل : أن تأخذ الإنسان حالة من القلق على المستقبل المجهول كأفراد أو كأمة ، فهذا أيضاً يفوت عليه حاضره.. ومن هنا لا يهنأ بحاضره ، من يفكر في ماضيه أو مستقبله !.. ولكن القرآن الكريم يذكر لنا فئة من الناس وينفي عنهم الخوف والحزن ، ألا وهم أولياء الله ، حيث يقول تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.. فهؤلاء جنس الخوف وجنس الحزن منفي عنهم.. جعلنا الله تعالى منهم !..

الرب هو الذي يؤمن الخائفين ، وينجي الصالحين.. ولو أعملنا الفكر قليلاً ، ونظرنا في تصرف رب العالمين مع أوليائه ، وكيف ينقذهم من حيث لا يحتسبون : ترى هل كان يدور في خلد نبي الله موسى الكليم (ع) عندما وصل إلى شاطئ النهر أو البحر ، حيث العدو من ورائه والبحر من أمامه ، هل كان يخطر بباله ، أن الله عزوجل سوف يحول قاع البحر إلى طريق سالك ، ينجو من خلاله ، ثم يعود بحراً ، ليغرق فرعون ومن معه ؟!.. والنبي المصطفى (ص) يدخل الغار ، وإذا بالعنكبوت -كما في النقل المعروف- تنسج بيتها على باب ذلك الغار.. فيا للعجب !.. أضعف المخلوقات -صاحب أوهن البيوت- ، يحفظ أشرف المخلوقات من أعين الظالمين !.. وهذا الطوفان غمر الأرض وغمر الكون ، ولكن الله عزوجل هيأ سفينة النجاة لنبيه نوح..
الذي يعرف رب العالمين بهذه الصفات ، وبهذه القدرات ، سوف يقر عينه ، ويهدأ قراره في أحلك الظروف.. الرب هو الرب ، والمعاملة هي المعاملة ، والسنة هي السنة ، ولن تجد لسنة الله تبديلا..

اللهم نجنا من القوم الظالمين ، بحق محمد وآله الطاهرين !.. والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى