شرح دعاء الافتتاح

الحلقة العاشرة

حقيقة إن حلاوة هذا الدعاء الذي نترنم به في ليالي شهر رمضان المبارك ، يفوق كل حلاوة مادية في هذا الشهر.. ومن المعلوم أن البعض يحاول أن يعتني بمطعمه وبمشربه في هذا الشهر الكريم ، ولكن البعض يبحث عن هذه الكنوز التي أودعها الله عزوجل في هذا الشهر الكريم ، شهر القرب والمصالحة والتودد إلى رب العالمين.

– (اَلْحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ في غَضَبِهِ ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُريدُ..)..

في هذه الفقرة نتعلم درس الصفح والعفو بعد المقدرة.. إن رب العالمين هو أقدر القادرين ، إذ كلنا نواصينا بيد الله عزوجل ، والوجود في قبضته ، والسماوات مطويات بيمينه.. ولكن في نفس الوقت رب العالمين يرى عباده وهم منغمسون في معصيته ومخالفته – من منا لم يعص ربه !- والكثيرون من الصائمين هم أهل الكبائر في أيام سنتهم ، ولكن الله عزوجل يتودد إليهم في شهر رمضان المبارك ، ويدعوهم إلى طاعته.. إن رب العالمين يتأنى وهو مليء بالمبادرة ، ويصبر وهو القادر على الانتقام.. فهلا تعلمنا درس العفو والصفح !.. وخاصة بين ذوي الحقوق.. إنسان له زوجة صالحة إجمالاً ، ربت له الأولاد ، وتعبت في منزله ، وأمضت ريعان شبابها في خدمته وراحته ، ولكنها زلت زلة في يوم من الأيام ، أو في ساعة من الساعات ، نرى أنه ينتقم منها ، متناسياً كل هذا التأريخ الطويل !.. أين العفو بعد المقدرة ؟!.. أين التأسي بهذه الصفة الإلهية ؟!.. ومن المعلوم أن من يريد أن يصل إلى ملكوت الأسماء الحسنى ، وأن يصبح مرآة عاكسة لصفات الله وجلاله وجماله ، فإن عليه أن يتأدب بهذه الآداب.

ومن منن الله على عبده هو أن يشرح صدره ، لأن هذا مما يعينه في أموره الحياتية كثيراً ، فليسأل الإنسان ربه في ليالي شهر رمضان المبارك شرح الصدر.. فهذا نبي الله موسى (ع) أراد أن يذهب إلى طاغوت زمانه ، وإذا به يدعو ربه قائلاً : {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.. وكم من الجميل أن تتحقق هذه الصفة في الإنسان !.. أن يكون على مستوى بحيث تكون له القدرة على أن يستوعب الصدمات ، وأن يستوعب إساءة الخلق ، وأن يكون صبوراً حليماً ، متأسياً بأئمة أهل البيت (ع) ، كالإمام المجتبى (ص) المعروف بحلمه.. بل إن خريجوا هذه المدرسة لهم مواقف رائعة في هذا المجال ، ويحسن بنا أن نقتدي بهم في تعاملهم مع الناس.. كمالك الأشتر الذي يعد القائد العام لقوات على (ع) العسكرية ، فلننظر كيف هو تعامل مع ذلك الذي تجاسر عليه وأهانه ، حيث لم يحلم عنه فحسب ، بل أنه ذهب إلى مسجد ليدعو لمن أهانه.. يا لها من عظمة !.. فهلا تأسينا بهؤلاء العظماء !.. فهذه هي صفة الحلم والعفو بعد المقدرة التي كانت فيهم (ص).

– (الَّذي بَعُدَ فَلا يُرى ، وقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى تَبارَكَ وَتَعالى..)..
هنيئاً لمن اتخذ الله جليساً !.. فكان في أسحار شهر رمضان المبارك يجالس ربه ، ويناجيه ، ويأنس برفقته ، وقد أشار علي (ع) إلى هذه الحقيقة في قوله : (لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان).. وفي قوله (ع) رداً على من يسأله هل رأيت ربك : (وكيف أعبد رباً لم أره).. فالذي يناجي ربه في خلوات الليل ، فإن الله تعالى جليسه ، كما ورد في الحديث القدسي : (أنا جليس من ذكرني).. وطوبى لمن كان جليسه رب العالمين !..

اللهم اجعلنا ممن أذقته حلاوة حبك وذكرك في هذا الشهر !.. لا تغلق علينا أبواب لطفك ورحمتك ، إنك على كل شيء قدير !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى