كيف نتعامل مع العقيدة؟

كيف نتعامل مع هاجس الموت ؟ – 2

من أهم الموضوعات الإستراتيجية في حياة الإنسان أن يفكر في مسألة الموت بجدية . نقرأ في سورة تبارك : ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ – الملك 2 ﴾ والأنبياء يركزون على هذه النقطة : ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً – مريم 15﴾ الولادة محطة أساسية ، والموت المحطة الثانية ، والبعث المحطة الثالثة ، وفي آية أخرى يقول عيسى بن مريم (ع) : ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً – مريم 33 ﴾ .

ماالفرق بين هذه المراحل الثلاث : الولادة ، الموت ، البعث ؟

نحن نعلم أن من الموت إلى البعث الأمر ليس بأيدينا ، هذه الفترة فترة غير اختيارية ، الإنسان في رحمة الله الواسعة ، إلا من الصدقات الجارية ، والولد الصالح ، والعلم النافع . وكذلك ماقبل الولادة ، الإنسان في عالم الأجنة … عالم النطفة … عالم الأرواح ، أيضا ليس هنالك أمرٌ باختيار الإنسان ، الفترة الوحيدة التي مُنح الإنسان فيها الاختيار هي : مرحلة الولادة إلى مرحلة الموت ، لذا هي من أهم الفترات في حياة الإنسان ، يقول البعض في قوله تعالى :﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً – الأحزاب 72 ﴾ رجوعا للتفاسير يقال أن الأمانة هي : التكليف هي الاختيار ، كل ما في الوجود مسيرٌ بأمر الله عزوجل ، إلا بني آدم له أن يعمل أو لا يعمل ، و ما سمعنا في عالم الخلقة بمخلوقٍ يقول : ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ – النازعات 24 ﴾ إلا فرعون وأمثال فرعون .

معادلة الموت !

في هذا اليوم أعطيكم معادلة بسيطة ، تَذَكَرُوها ولا تَنْسَوْها ، المعادلة : في عالم الرياضيات عندما تُقسم اللامحدود على المحدود الجواب لا محدود ، لأن القضية غير مُتناهية . إن حياتنا بعد الموت .. إلى البرزخ .. إلى البعث .. إلى الصراط .. إلى الميزان ..إلى الجنة أو النار .. كم سنة ؟ ﴿ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ – البقرة 39 ﴾ يُقال في الجنة تأتي لأصحابها بطاقة تهنئة : ( من الحي الذي لا يموت ، إلى الحي الذي لا يموت ) طبعا الحي الذي لا يموت بذاته هو الله تبارك وتعالى ، والإنسان يُصبح ُحيا لا يموت بفضل الله عزوجل .. إذن حياة لا محدودة تُقسم على كم ؟ على 20 .. 30 .. 70 سنة …كم قيمة هذه اللحظات من حياتنا ؟.. الآن متوسط أعمار الحضور في المسجد 40 سنة ، يعني بقي 20 سنة على نهاية حياتنا ، 20 سنة تحدد الأبد !! .. إما نعيما وإما جحيما والعياذ بالله ، والنعيم على درجات : البعض على باب الجنة مع المستضعفين.. وهناك من يُزاحم المصطفى (ص) وأهل بيته في الدرجات العليا ، نقرأ في الأدعية : ( واجعل لي مع نبيك مستقرا وقرارا) هذه السعادة الأبدية تحددها هذه الليالي والأيام الرخيصة ، التي تذهب بكل رطب ويابس ، وبكل غث وسمين .

تغيير مجرى الحياة :

( تفكر ساعة – سواء كنت على البحر تتفكر ، أو تتفكر مع الخطيب في خطبة الجمعة – خيرٌ من عبادة ستين سنة ) لعلك هذا اليوم تخرج بقرار نهائي يُغير مجرى حياتك ، ذلك الذي كان يسرق ، وسمع قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ – الحديد 16 ﴾ قال : بلى قد آن ، وينتقل إلى حال آخر . بشر الحافي ، عندما وصله سؤال الإمام الكاظم (ع) لجاريته : حرٌ سيدكِ أم عبد ؟.. يقول الإمام (ع) : نعم لو كان عبدا لله ما عمل كذا وكذا ، وإذا ببشر يتحول إلى إنسان آخر . إذن خطب الجمعة ، كتاب نافع ، شريط مسجل ، مجلس من مجالس أهل البيت (ع) ، قد تغير مجرى حياة الإنسان ، ما لا يغيره لا حجٌ ولا عمرةٌ ولا اعتكافٌ في بيت من بيوت الله عزوجل . إذن علينا أن نتعامل مع القضية معاملة حقيقية . الإمام الصادق (ع) له تعليقٌ جميل : ( لم يخلق الله عزوجل يقينا لا شك فيه أشبه بشك لايقين فيه من الموت ) الموت حقيقة ، نحن صلينا صلاة الأموات على عالم عاش بين ظهرانيكم ، ولكن القضية كأنها قصة أو أسطورة وانتهت ، ويتوالى الموت . نرجع لعالم البرزخ ، والذي تخبرنا به الروايات ، لأنها من القضايا الغيبية :

لغز الموت :

أهم معادلة لحل لغز الموت أن نعلم من نواجه ، عندما تسافر إلى بلد لأجل سياحة .. أو زواج .. لأجل حالة مفرحة ، تركب الطائرة بكل شوق ، ومعك على الطائرة مجرمٌ مغلول اليدين يُبعث لكي يُحاكم ، كلاهما مسافر ، ماالفرق بينهما ؟ الفرق هو اللقاء : الأول يلتقي مع أحبته ، والثاني يُوْدَع في قعر السجون .

و نورد رواية منقولة عن أمير المؤمنين (ع) بالنسبة لإبراهيم (ع) خليل الرحمن ، و في الحقيقة الإنسان يتعجب ، كيف يتخذ الله إنسانا خليلا له ؟!.. يتعجب من شدة اللطف الإلهي من ناحية ، ويتعجب من قابليات البشر من ناحية أخرى ، إنسانٌ عنده القابلية أن يصعد إلى مستوى أن يكون خليل الرحمن . هبط جبرائيل (ع) وقال : السلام عليك يا إبراهيم ، قال : وعليك السلام يا ملك الموت ، قال ابراهيم (ع) : داعٍ أم ناعٍ ؟.. قال : بل داع ياإبراهيم ، قال إبراهيم (ع) : هل رأيت خليلا يُميتُ خليله ؟.. قد يقول البعض هذا خلاف التسليم ، ولعل إبراهيم (ع) يريد البقاء للدعوة الناس للدين ، فرجع ملك الموت ، وقال له : يقول الله عزوجل : وهل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه ؟ أنا أحبك على كل حال ، أحب أن ألتقي بك الآن ، بقيت في الدنيا بما فيه الكفاية ، الآن أريد اللقاء بك ، رب العزة والجلال يشتاق إلى لقاء عبده المؤمن .

تمني الموت :

هناك ظاهرة تمني الموت ، وتُذكر هنالك أبياتٌ معروفة على لسان الإمام السجاد(ع) في الشام ، وهي أبيات من تخيل الشعراء ، وليست روايات متقنة :

فيا ليت أمي لم تلدني ولم يراني يزيد في البلاد أسير

هذه الأبيات غير منسجمة مع خط الإمامة ، ربما كانت من أجل الإبكاء ، ولكن هذا ليس منطق المعصوم ، كلام السيدة زينب (ع) : ( ما رأينا إلا جميلا ) هو الفصل ، وهو المنطق الصحيح ، وهي (ع) مؤتمة بإمام زمانها الإمام زين العابدين علي (ع) . جاء رجلٌ للصادق (ع) : يقول : قد سئمتُ الحياة ، أتمنى على الله الموت ، فقال (ع) : ( تمنى الحياة لتطيع لا لتعصِي فلئن تعيش فتُطيع خيرٌ لك من أن تموت فلا تعصي ولا تُطيع ) يبدو على المتكلم الكسل ، يريد أن يموت حتى يرتاح ، أنت تمنى الحياة لتطيع الله ، ( واجعل حياتي ما حييت بذلة في طاعتك ) أطل في حياتي ، أسألك العفو والعافية والمعافاة ، في الدنيا والآخرة . إذن تمني الموت حالة غير صحية في الحياة ، إذا سئم الحياة لذنوبه لأخطائه عليه أن يعوض ذلك .

حقيقة الموت

1.الإنسان معرض للموت في كل لحظة : حقيقة الموت حقيقة راهنة ، كل يوم الإنسان معرض لذلك ، سمعت بعض الإحصائيات ، في الأخبار العلمية ، أن إحدى شركات التأمين الكبرى ، التي تؤمن الشركات الصغيرة ، حسَبَت احتمالات الموت في بني آدم ، فرأوا أن حياة الإنسان غير طبيعية ، هو في اليوم يتعرض أكثر من مرة للموت ، ولكنه يعيش ، لهذا البعض لا يحب قراءة الكتب الطبية ، لأنه سيتنبه أن حياته متوقفة على جلطة بسيطة ، في المخ أو في القلب … في الحقيقة ، لو تعرض الإنسان لأقل خلل في بدنه ، فإما الموت وإما الشلل …

2.كل من عليها فان : لما أُسري بالنبي (ص) إلى السماء يقول : رأيت ملكا بيده لوح من نور ، لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، كهيئة الحزين ، فقلتُ من هذا يا جبرئيل ؟.. قال : هذا ملك الموت مشغولٌ في قبض الأرواح حقيقةً ، ساعد الله قلب ملك الموت على مايراه كل يومي آلاف النياحات وآلاف الآلام مرضى ، مؤمنين وغير مؤمنين حق له أن تكون له حالة الكآبة والحزن ، قال : أدنني منه يا جبرئيل لأكلمه ، أدناني منه ، قلت له : ياملك الموت أَكُلُ من مات أو هو ميتٌ فيما بعد أنت تقبض روحه ، قال : نعم ، قلتُ تحضرهم بنفسك ؟ قال : نعم ، الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي كدرهم في كف رجل يُقلِّبُه كيف يشاء ، وما من دار في الدنيا إلا وأدخلها في كل يوم خمس مرات ، بعدد الصلوات اليومية ، أقلب الوجوه أيها مستعدة للقبض ، وإذا بكى أهل البيت على ميتهم ، قلت لهم : لا تبكوا عليه ، فإن لي إليكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ 26 وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ – الرحمن 27 ﴾ لو أن أحدنا اعتقد بهذه الحقيقة ، ألا يُغير من مَسِيْرِ حياته شيئا ما ؟.. مثلا يغير من اهتماماته ، يكون جديا في الحياة أكثر ، يُفكر في القضايا الاستراتيجية ، لا يكتفي بطعامه وشرابه وأهله وماله ، بل يحاول أن يُضيف عنصرا جديدا في الحياة .

سبحان مالك الملوك ، ملك الموت نفسه بيد الله عزوجل يوم القيامة بعد أن تقبض الأرواح ، تُقبض روح ملك الموت ، بعدها يقول الله عزوجل : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ – غافر 16 ﴾ لا يوجد جواب ، الكل موتى ، يأتي الجواب منه جل جلاله : ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ – غافر 16 ﴾

3.الموت سرور وثبور : من الأشياء التي تُزعج الإنسان ، و تُحول الموت من حقيقة إلى كابوس مزعج عدم الاستعداد .يقول الإمام الحسن (ع) : ( أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نُقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد ، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفذ ) ولهذا الحديث المعروف : ( الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر ) فالدنيا سجن المؤمن قياسا لما بعده من النعيم ، وهي تعتبر الدنيا سجن وأي سجن ؟ الطفل في بطن أمه يقول : هل يُعقل أن يوجد مكان في العالم أفضل من هذا المكان ؟..مكان دافئ .. الطعام مجاني .. رعاية .. حوله دم ..نجاسة .. هو يمتص دم الأم .. وهو مُرتاحٌ في عالمه !!.. لو يعلم ما في الدنيا من حدائق ورياحين ، من متع ، طبعا لا يتحمل العيش لحظة واحدة في بطن أمه ، إذن ، مابعد هذه الدنيا ، نسبته كنسبة عالم الأجنة إلى عالم الدنيا .

وقفات مع الموت

أولا : أهوال الموت
1. حقيقة سكرات الموت : الكثير يخاف من سكرات الموت ، وضغطة القبر وما شابه ذلك ، هذه القضية مرتبطة بسلوك الإنسان ، أنت بسلوكك تحدد الراحة في الموت أو الصعوبة في الموت فتأتي بعض الروايات التي تصور موت الإنسان المؤمن ، بعض المرضى الذين لم يُتقنوا حياتهم ، تجدهم في حالة من القلق ، يوصي سريعا ، ولكن الوصية ماذا تعمل ؟ صحيح يوصي بصلاتة .. بصيامه .. برد مظالم … ولكن تاريخٌ ..حياة .. ذهبت إما بالغفلة وإما بالشهوة ، ماالذي يغير هذا ؟.. بعكس إنسان آخر يموت وهو مطمئن بموتته ، لدرجة أنه يغتسل قبل أن يموت حتى يريح المغسل ، فأين هذا من ذاك ؟

دخل علي بن محمد (ع) على مريض من أصحابه ، وهو يبكي ويجزع من الموت ، فقال (ع) له : يا عبد الله ، تخاف من الموت لأنك لا تعرفه ، أرأيتك إذا اتسخت وتقذرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك ، وأصابك قروح وجرب ، وعلمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله ، أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك ؟.. أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك ؟ فقال : بلى يا بن رسول الله .قال الإمام (ع): فذلك الموت هو ذلك الحمام ،أنت لم تنظف نفسك ، وقلنا ( موتوا قبل أن تموتوا ) عليك أقذارٌ وأوساخٌ ، هذه الأوساخ إذا بقيت عليك في عالم البرزخ تقض مضجعك ، إذا وردت على الله يوم القيامة تزيدك خجلا ، فمن لطف الله عزوجل أنه يُبلي الإنسان المؤمن قبل موته ، البعض يبقى في المستشفى سنواتٌ مشلول أو مبتلى ببلاءات كثيرة ، وذلك من باب أن يغتسل من ذنوبه ، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك ، فإذا أنت وردت عليه وحاورته ، فقد نجوت من كل هم وغم وأذى ، ووصلت إلى كل سرور وفرح .فسكن الرجل ونشط واستسلم ، وغمض عين نفسه ، ومضى لسبيله . فالإمام (ع) بهذه الكلمة الطيبة جعله يموت ميتة مريحة .

2. هول المطلع : ولا ننسى نفس الانتقال من الدنيا إلى الآخرة فيه هول ، هذا لا يخفى ، ولهذا الإمام الحسن (ع) وقت الوفاة يبكي ، سبط رسول الله (ص) وريحانته ، فلذة كبد الزهراء (ع) ، ولكن عند الموت كان يبكي ، فقيل له: يا ابن رسول الله تبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أنت به ؟ .. وقد قال فيك ما قال ، وقد حججت عشرين حِجة ماشيا وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتى النعل بالنعل ؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين : لهول المطلع ، وفراق الأحبة . على كل حال ، مقام الله عزوجل مقام عظيم ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ – النازعات 40 ﴾ الاطلاع على مقام الله عزوجل فيه ثقل ، وإن كان أئمتنا (ع) تجاوزوا هذه المرحلة ، وروايات أهل البيت (ع) إنما هي من باب إعطاء قاعدة عامة .

3. الشيطان واللحظات الأخيرة : الآن نبشركم أيها المؤمنون ، إنشاء الله تموتون على الإيمان ، ورد في الروايات أن الشيطان يحوم على ابن آدم ساعة الموت ، يريدُ أن يسلب منه التوحيد ، النبوة ، الإمامة . ولهذا أحد الصلحاء كان يسب ساعة الاحتضار ، ينظر إلى زاوية في الدار ويسب ، سئل : أنت تسب من ؟.. قال : هذا الشيطان جاء في اللحظات الأخيرة ، ويريد أن يسلب مني ما أنا فيه ، ولكن هيهات لا يمكن ذلك ، لذلك نسأل الله الثبات في آخر الزمان ، ونحن الآن إما في آخر الزمان ، أو فيما يقرب من آخر الزمان ، فتنٌ كثيرة : الفتن الفكرية من ناحية ، الفتن السلوكية من ناحية ، الإنسان لا يضمن غده .. ولده .. عائلته .. وقد رأينا انتكاساتٍ كثيرة ً في حياة المؤمنين والمؤمنات .

4. ضغطة القبر : بعض أحداث ساعة الموت يعود إلى سلوك الإنسان ، يقول النبي (ص) : ( ضغطة القبر للمؤمن كفارةٌ لما كان منه من تضييع النعم ) قال الصادق (ع) : أُتي رسول الله (ص) ، فقيل له : إنّ سعد بن معاذ قد مات ، فقام رسول الله (ص) وقام أصحابه معه ، فأمر بغسل سعد وهو قائمٌ على عضادة الباب ، فلما أن حُنّط وكُفّن وحُمل على سريره ، تبعه رسول الله (ص) بلا حذاء ولا رداء ، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرةً ويسرة السرير مرةً حتى انتهى به إلى القبر .
فنزل رسول الله (ص) حتى لحّده وسوّى اللبن عليه ، وجعل يقول : ناولوني حجرا ، ناولوني ترابا رطبا ، يسدّ به ما بين اللبن ، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوّى قبره ، قال رسول الله (ص) : إني لأعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه ، ولكنّ الله يحبّ عبدا إذا عمل عملا أحكمه ، فلما أن سوّى التربة عليه قالت أم سعد : يا سعد !.. هنيئا لك الجنة.
فقال رسول الله (ص) : يا أم سعد مه !.. لا تجزمي على ربك ، فإنّ سعدا قد أصابته ضمة ، فرجع رسول الله (ص) ورجع الناس فقالوا له : يا رسول الله !.. لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد ، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء ، فقال (ص) : إنّ الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء فتأسيّت بها ، قالوا : وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة ، قال : كانت يدي في يد جبرائيل آخذ حيث يأخذ ، قالوا : أمرت بغسله ، وصلّيت على جنازته ولحّدته في قبره ، ثم قلت : إنّ سعدا قد أصابته ضمة !.. فقال (ص) : نعم ، إنه كان في خلقه مع أهله سوء.

وعن الصادق(عليه السلام): (من مات ما بين زوال الشمس يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة أعاذه الله تعالى من ضغطة القبر ). وهي علامة على صلاح الإنسان المؤمن .

ثانيا : بشارات الموت
1.خروج روح المؤمن : يقول الرسول (ص) : إذا رضي الله على عبد ، يقول يا ملك الموت إأتني بروحه ، حسبي من عمله ، قد بلوته فوجدته حيث أحب ، ينزل ملك الموت ومعه 500 من الملائكة ، معهم قبضان الرياحين ، وأصول الزعفران ، كل واحد يُبشره ببشارة سوى صاحبه ، ويقوم الملائكة صَفين لخروج روحه ، إذا رآهم إبليس وضع يده على رأسه ثم صرخ ، يقول له جنوده : مالك ياسيدنا ؟ اليوم أنت مضطرب ، يقول : أما ترون ما أُعطي هذا العبد من الكرامة ، وإبليس حسود حقود ، عندما يرى هذه الكرامة يتأذى ، لذلك عندما تسجدون إبليس يصيح ، يقول : سجدتَ و أبيتُ وأطعتَ وعصيتُ ، ثم يقول إبليس لصحبه ، أين أنتم عن هذا ؟… يقولون : جهدنا به فلم يُطعنا ، وهذه من الخواتم السعيدة التي يتمناها الإنسان. ولهذا استعيذوا بالله من الشيطان دائما ، وهذه الاستعاذة معروفة في أوساط العلماء : ( أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي ، وأعوذ بمحمد الرضي من شر ما قُدر وقُضي ، أعوذ بإله الناس من شر الجنة والناس ) ، يقول الإمام الصادق (ع) :( ما من أحد يحضره الموت إلا وكِّل به إبليس من شياطينه ) هو طبعا طوال عمره يعيش مع الشياطين ،﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ – الزخرف 36 ﴾ يأمره بالكفر ، ويشككه في دينه ، لهذا لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .

2. بشرى للمؤمنين : قال العسكري (ع) : وذلك أنّ مَلَك الموت يَرِدُ على المؤمن وهو في شدة علّة ، وعظيم ضيق صدره بما يخلف من أمواله ، ولما هو عليه من اضطراب أحواله في معامليه وعياله ، وقد بقيت في نفسه مرارتها وحسراتها ، واقتطع دون أمانيّه فلم ينلها ، فيقول له ملك الموت : مالك تجرع غصصك ؟.. قال : لاضطراب أحوالي واقتطاعك لي دون آمالي ، فيقول له ملك الموت : وهل يحزن عاقل من فقد درهم زائف واعتياض ألف ألف ضعف الدنيا ؟.. فيقول : لا ، فيقول ملك الموت : فانظر فوقك ، فينظر فيرى درجات الجنة وقصورها التي تقصر دونها الأماني ، فيقول ملك الموت : تلك منازلك ونعمك وأموالك وأهلك وعيالك ، ومن كان من أهلك ههنا وذريّتك صالحاً فهم هناك معك ، أفترضى به بدلا مما هناك ؟.. فيقول : بلى والله . ثم يقول : انظر !.. فينظر فيرى محمداً وعلياً والطيبين من آلهما في أعلى علّيين ، فيقول : أَوَ تراهم ؟.. هؤلاء ساداتك وأئمتك ، هم هناك جلاّسك وآناسك ، أفما ترضى بهم بدلا ممن تفارق ههنا ؟..فيقول : بلى وربي ، فذلك ما قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ – فصلت 30 ﴾ ، فما أمامكم من الأهوال كُفيتموها ، ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري والعيال ، فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم ، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، هذه منازلكم وهؤلاء ساداتكم آناسكم وجلاّسكم .

أثر الولد الصالح بعد الموت : اهتموا بموتاكم ، خاصة الأبوين .. البعض بيته سيارته رأس ماله من أبيه . . البعض يرث حياة كاملة ، ويتنعم بذلك من دون أن يذكر أباه بشيء ، في الواقع هذا قلة إنصاف ، البعض يكون بارا بوالديه في حياتهما وعاقا بهما بعد مماتهما . قال النبي (ص) : مرّ عيسى بن مريم (ع) بقبر يُعذب صاحبُهُ ، ثم مرّ به من قابل سنة أخرى فإذا هو ليس يّعذب ، قال : يا ربّ !.. مررت بهذا القبر عام أول ، فكان صاحبه يُعذب ، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يُعذب ؟.. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : يا روح الله !.. إنه أدرك له ولدٌ صالحٌ ، فأصلح طريقاً ، وآوى يتيماً ، فغفرت له بما عمل ابنُهُ. وسبحان الله رأينا بعض الآبناء الذين يبرون آباءهم ، الله عزوجل يوفق أبناءهم لأن يذكرونهم ، وسمعنا قصصا كثيرة لآباء ، الأب الذي ظلم أباه فابتلي بولد ظالم ، البعض قد يقول أن هذا خلاف العدل الإلهي وما شابه ذلك ، جواب مختصر : أن الله عزوجل يعلم في عالم الأرواح عواقبها بدون تدخل منه ، و هذه الروح تهبط إلى الدنيا وباختيارها تعمل ما تعمل ، هل من المانع أن الله عزوجل مكافأة أو معاقبة ، يوزع هذه الأرواح في نُطف الأشخاص ؟.هذه الروح المتميزة باختيارها يقذفها في نطفة فلان ، كذلك العكس .فهذا ليس من مصاديق الظلم أبدا ، إنما هو توزيع والله عزوجل لم يتدخل في شقاء العبد ، إنما وزع الأمور توزيعا حسب القابليات واللياقة في هذا المجال .ولهذا الإنسان عندما يتزوج ماذا يقول ؟ يأخذ بناصية الزوجة ويقول : ( اللهم إن رزقتني منها ولدا فاجعله من شيعة محمد وآل محمد )، وهناك بعض الأدعية حال الحمل ، الإنسان يضع يده على بطن الأم ويدعو ، لهذا في القرآن ورد عن زكريا أنه لم تكن له ذرية ، رأى مريم وما هي فيها من الدرجات ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا – آل عمران 37 ﴾ زكريا (ع) نبي عظيم وامرأة تتقدم عليه في هذا الامتياز ، فكان جواب مريم (ع) أنه من عند الله ﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ – آل عمران 37 ﴾﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ – آل عمران 38 ﴾ عندما رأى ذلك تمنى زكريا الذرية الطيبة فبشره الله بيحي .

محاسبة النفس قبل الموت :
لنحول فكرة الموت من كابوس إلى حقيقة ، كيف ؟﴿ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ – ص 46 ﴾ الله عزوجل يمن على سليمان وعلى داود (ع) بأن جعلهم يذكرون الدار .وما المقصود بالدار ؟.. المقصود هو : الموت وأحداث ما بعد الموت : زيارة القبور أمرٌ جيد .. وزيارة المرضى في المستشفيات أمرٌ جيد ، والأهم ما أوصى به الإمام الكاظم (ع) : ( ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ) إن عمل حسنة استزاد الله منها ، وإن عمل سيئة استغفر الله منها ، قبل أن ينام فليفكر دقائق في أمره بدل الهواجس وغيرها ، يفكر فيما عمله ، وفيما ينبغي أن يعمله يوم غد . في حياة علمائنا الأبرار متعارفٌ عندهم قبرٌ في المنزل ، ينزل أحدهم في قبره وينام ، ولو أمكن لكم إخوتي ناموا في القبر دقيقة واحدة ، مكانٌ ضيق رائحة التراب ، رائحة العفن ، ولعل الديدان موجودة ، الإنسان لا يتحمل دقيقة واحدة ، لو عملها الإنسان مرة واحدة في حياته ، فذلك يكفي لِأن يرتدع إنشاء الله ، ومع ذلك لا نيأس من رَوح الله عزوجل.

قصة السيد الميلاني
انظر إلى جُلساءك في الجنة محمد وآل محمد ، ونذكر قصة عن السيد الميلاني الكبير ، توفي وله ما له من المناقب ، رأى أحد الأقارب السيد في عالم الرؤيا ، قال له : ما الخبر بعد الموت ؟ وهو مرجعٌ وسيدٌ جليل ، يقول عندما متُّ كل الأئمة حضروا عندي ، ولكن ، بقي عندي اضطراب ، ما الذي يحصل ؟ هول المطلع ، كما يقول الإمام الحسن (ع) ، ولكن هدأت في لحظة واحدة ، عندما جاءت أمي فاطمة (ع) سكن روعي وهدأ بالي .

الخلاصة :
1. في عالم الرياضيات عندما تُقسم اللامحدود على المحدود الجواب لا محدود ، فأعمارنا المحدودة وإن طالت إلى 70 أو 80 هي التي تحدد إما النعيم الأبدي وإما الشقاء الأبدي ، فهل نبيع اللامحدود بالمحدود ؟

2. أهم معادلة لحل لغز الموت أن نعلم من نواجه ، فأنت إذا كنت في سفرك الأبدي ذاهبٌ لله … محبوبك ومعشوقك الأوحد ، والذي جهدت في حياتك على طاعته والتقرب منه فسيكون سفرك سعيدا ، وعندما لا تكون كذلك فبالطبع ستكون رغبتك هي الفرار من الموت الذي لا مفر منه . فأنت تسعد بعملك وبمقابلة من عملت له ، أو العكس .

3. ( تمنى الحياة لتطيع لا لتعصِي ، فلئن تعيش فتُطيع خيرٌ لك من أن تموت فلا تعصي ولا تُطيع ) لذا علينا الابتعاد عن تمني الموت الذي يكون مبعثه الكسل والرغبة في الراحة ، بل نتمنى الحياة لنطيع الله لتكون حياتنا كلها لله .

4. حقيقة الموت : أولا :أن الإنسان معرض للموت في كل لحظة فكيف ننساه وهو يتبعنا ، ثانيا :أن كل من عليها فان ، ثالثا: أن الموت حالة سرور أو ثبور ، وأنت بسلوكك في الدنيا تختار ، فماذا تختار ؟

5. الكثير يخاف من سكرات الموت ، وضغطة القبر وما شابه ذلك ، هذه القضية مرتبطة بسلوك الإنسان ، أنت بسلوكك تحدد الراحة في الموت أو الصعوبة في الموت ، وإنما ضغطة القبر وسكرات حالة يمر بها الميت ليغتسل من ذنوبه ، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص الذنوب ، وتنقية من السيئات .

6. استعيذوا من الشيطان دائما ، لقنوا موتاكم الشهادتين ، فالشيطان يحوم حول ابن آدم ساعة موته لينتزع منه ما يمكن انتزاعه ، واسألوا الله الثبات لكم وللمؤمنين والمؤمنات .

7. اهتموا بموتاكم ، خاصة الأبوين .. البعض بيته سيارته رأس ماله من أبيه . . البعض يرث حياة كاملة ، ويتنعم بذلك من دون أن يذكر أباه بشيء ، في الواقع هذا قلة إنصاف ، البعض يكون بارا بوالديه في حياتهما وعاقا بهما بعد مماتهما .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى