وصايا الإمام موسى الكاظم (ع) لهشام بن الحكم – الجزء الأول – 80 – الشيخ حبيب الكاظمي
- كلمات أهل البيت عليهم السلام لا تنحصر فيمن وُجّه إليه الخطاب مباشرة، بل تمتدّ إلى كل من يبلغه الحديث وينتفع به.فإذا قال الإمام لأحد أصحابه: يا فلان، فإن المؤمن يستطيع أن يستقبل هذا الكلام وكأنه موجّه إليه أيضًا.
- الإمام موسى بن جعفر عليه السلام كان إمامًا ممتحنًا مبتلى، وقد تميّز بلاؤه بطول الحبس وشدته.فبعض الأئمة عليهم السلام قُتلوا، وبعضهم نُفوا، وبعضهم عاشوا تحت الإقامة الجبرية، أما الإمام الكاظم عليه السلام فقد ارتبطت محنته الكبرى بالسجن.
- رغم الحبس والابتلاء، لم ينقطع أثر الإمام الكاظم عليه السلام في الأمة.فقد انتشرت ذريته في شرق الأرض وغربها، وبقيت علومه حاضرة من خلال أصحابه وخواصه، ومن أبرزهم هشام.
- وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لهشام ليست توجيهًا خاصًا بشخص واحد فقط، بل هي من الوصايا الخالدة التي ينتفع بها المؤمنون في كل زمان.وتكرار النداء بـ “يا هشام” يكشف عن عناية خاصة، وقرب في التربية والتوجيه.
- هذه الوصايا صادرة من منبع الحكمة والعصمة، ولذلك فهي ليست حكمة بشرية عادية.علم الأئمة عليهم السلام امتداد لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن بعده أمير المؤمنين عليه السلام، ثم الأئمة من ذريته.
- نقل الإمام عليه السلام للحديث القدسي يكشف عن مقام المعصوم واتصاله بالعلم الإلهي.فالحديث القدسي لا ينقله إلا من كان مأذونًا ومؤهّلًا لحمل هذا النوع من المعرفة الربانية.
- المؤمن الحقيقي هو الذي يقدّم رضا الله على رغبات نفسه.وهذا لا يقتصر على ترك الحرام، بل يشمل أيضًا تهذيب النفس أمام المباحات الزائدة التي لا تقرّب إلى الله.
- الهوى لا يكون دائمًا في الحرام، فقد يكون في ترف زائد، أو فضول نظر، أو كثرة كلام، أو أكل وشرب بلا حاجة، أو استمتاع لا هدف وراءه.وكلما رقّت نفس الإنسان، صار أكثر انتباهًا لهذه الموارد.
- من اعتاد أن يترك بعض رغباته المباحة طلبًا لرضا الله، صار أقدر على ترك الحرام.مجاهدة النفس في الأمور الصغيرة تقوّي الإرادة، وتمنح القلب صفاءً واستعدادًا للطاعة.
- الغنى الحقيقي ليس في المال المدّخر ولا في كثرة الممتلكات، بل في النفس.فقد يملك الإنسان الكثير ويبقى فقيرًا من الداخل، لأنه شديد التعلق والخوف والطمع.
- كلما ازداد مال الحريص ازداد فقره، لأن فقره ليس قلة المال، بل شدة الاحتياج النفسي إلى الدنيا.أما من رزقه الله غنى النفس، فإنه يعيش مطمئنًا ولو لم يملك إلا مقدار كفايته.
- الإنسان يحتاج إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويعيش به بكرامة، وما زاد على ذلك لا يكون نافعًا إلا إذا وُضع في طريق صحيح.المال الزائد قد يكون نعمة إذا استُعمل في طاعة الله، وقد يكون عبئًا إذا صار سببًا للتعلق والقلق.
- الفارق الحقيقي بين المؤمن وغيره ليس في مقدار المال، بل في محل الثقة.المؤمن يثق بالله، أما المتعلق بالدنيا فيثق بماله، مع أن المال فانٍ ومتغير ولا يملك ضمان المستقبل.
- من أعظم النعم أن يجعل الله همّ الإنسان في آخرته.فقد تكون الجوارح قوية والبدن قادرًا، لكن الإنسان يفتقد العزيمة في طريق الله، فيبقى نشاطه مصروفًا للدنيا وحدها.
- كمال المؤمن أن تجتمع له قوة الجوارح مع قوة العزيمة.فيكون بدنه قادرًا على العمل، وقلبه مندفعًا إلى خدمة الله، وهمّه متوجهًا إلى الآخرة.
- من قدّم هوى الله على هوى نفسه، جعل الله غناه في نفسه، وهمّه في آخرته، وتكفّل برزقه.هذه العطايا تعالج أصل قلق الإنسان: حاجته، وهدفه، وخوفه من المستقبل.
- رزق المؤمن لا يُقاس بالحسابات المادية وحدها، بل تجري فيه عناية الله من حيث لا يحتسب.فقد يفتح الله له أبوابًا لم تكن في حسابه، ليشعر أن اليد الإلهية هي التي تمدّه بالعطاء.
- المؤمن يعمل ويسعى ويتاجر، لكنه لا يتكل على الأسباب استقلالًا.يرى الأسباب وسائل، ويرى الله هو الرازق الحقيقي والمدبّر لشؤونه.
- حين يكون الله من وراء تجارة الإنسان وسعيه، يخفّ خوفه من المستقبل.فهو لا يترك العمل، لكنه لا يجعل قلبه عبدًا للعمل أو المال أو السوق.
- الطريق إلى الطمأنينة يبدأ من مجاهدة الهوى.فمن آثر رضا الله على رغبات نفسه، نال غنى القلب، وحياة الهمّ الأخروي، وبركة الرزق، وصار أكثر تحررًا من سلطان الدنيا.