وصايا الإمام موسى الكاظم (ع) لهشام بن الحكم – الجزء الأول – 80 – الشيخ حبيب الكاظمي

  1. كلمات أهل البيت عليهم السلام لا تنحصر فيمن وُجّه إليه الخطاب مباشرة، بل تمتدّ إلى كل من يبلغه الحديث وينتفع به.فإذا قال الإمام لأحد أصحابه: يا فلان، فإن المؤمن يستطيع أن يستقبل هذا الكلام وكأنه موجّه إليه أيضًا.
  2. الإمام موسى بن جعفر عليه السلام كان إمامًا ممتحنًا مبتلى، وقد تميّز بلاؤه بطول الحبس وشدته.فبعض الأئمة عليهم السلام قُتلوا، وبعضهم نُفوا، وبعضهم عاشوا تحت الإقامة الجبرية، أما الإمام الكاظم عليه السلام فقد ارتبطت محنته الكبرى بالسجن.
  3. رغم الحبس والابتلاء، لم ينقطع أثر الإمام الكاظم عليه السلام في الأمة.فقد انتشرت ذريته في شرق الأرض وغربها، وبقيت علومه حاضرة من خلال أصحابه وخواصه، ومن أبرزهم هشام.
  4. وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لهشام ليست توجيهًا خاصًا بشخص واحد فقط، بل هي من الوصايا الخالدة التي ينتفع بها المؤمنون في كل زمان.وتكرار النداء بـ “يا هشام” يكشف عن عناية خاصة، وقرب في التربية والتوجيه.
  5. هذه الوصايا صادرة من منبع الحكمة والعصمة، ولذلك فهي ليست حكمة بشرية عادية.علم الأئمة عليهم السلام امتداد لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن بعده أمير المؤمنين عليه السلام، ثم الأئمة من ذريته.
  6. نقل الإمام عليه السلام للحديث القدسي يكشف عن مقام المعصوم واتصاله بالعلم الإلهي.فالحديث القدسي لا ينقله إلا من كان مأذونًا ومؤهّلًا لحمل هذا النوع من المعرفة الربانية.
  7. المؤمن الحقيقي هو الذي يقدّم رضا الله على رغبات نفسه.وهذا لا يقتصر على ترك الحرام، بل يشمل أيضًا تهذيب النفس أمام المباحات الزائدة التي لا تقرّب إلى الله.
  8. الهوى لا يكون دائمًا في الحرام، فقد يكون في ترف زائد، أو فضول نظر، أو كثرة كلام، أو أكل وشرب بلا حاجة، أو استمتاع لا هدف وراءه.وكلما رقّت نفس الإنسان، صار أكثر انتباهًا لهذه الموارد.
  9. من اعتاد أن يترك بعض رغباته المباحة طلبًا لرضا الله، صار أقدر على ترك الحرام.مجاهدة النفس في الأمور الصغيرة تقوّي الإرادة، وتمنح القلب صفاءً واستعدادًا للطاعة.
  10. الغنى الحقيقي ليس في المال المدّخر ولا في كثرة الممتلكات، بل في النفس.فقد يملك الإنسان الكثير ويبقى فقيرًا من الداخل، لأنه شديد التعلق والخوف والطمع.
  11. كلما ازداد مال الحريص ازداد فقره، لأن فقره ليس قلة المال، بل شدة الاحتياج النفسي إلى الدنيا.أما من رزقه الله غنى النفس، فإنه يعيش مطمئنًا ولو لم يملك إلا مقدار كفايته.
  12. الإنسان يحتاج إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويعيش به بكرامة، وما زاد على ذلك لا يكون نافعًا إلا إذا وُضع في طريق صحيح.المال الزائد قد يكون نعمة إذا استُعمل في طاعة الله، وقد يكون عبئًا إذا صار سببًا للتعلق والقلق.
  13. الفارق الحقيقي بين المؤمن وغيره ليس في مقدار المال، بل في محل الثقة.المؤمن يثق بالله، أما المتعلق بالدنيا فيثق بماله، مع أن المال فانٍ ومتغير ولا يملك ضمان المستقبل.
  14. من أعظم النعم أن يجعل الله همّ الإنسان في آخرته.فقد تكون الجوارح قوية والبدن قادرًا، لكن الإنسان يفتقد العزيمة في طريق الله، فيبقى نشاطه مصروفًا للدنيا وحدها.
  15. كمال المؤمن أن تجتمع له قوة الجوارح مع قوة العزيمة.فيكون بدنه قادرًا على العمل، وقلبه مندفعًا إلى خدمة الله، وهمّه متوجهًا إلى الآخرة.
  16. من قدّم هوى الله على هوى نفسه، جعل الله غناه في نفسه، وهمّه في آخرته، وتكفّل برزقه.هذه العطايا تعالج أصل قلق الإنسان: حاجته، وهدفه، وخوفه من المستقبل.
  17. رزق المؤمن لا يُقاس بالحسابات المادية وحدها، بل تجري فيه عناية الله من حيث لا يحتسب.فقد يفتح الله له أبوابًا لم تكن في حسابه، ليشعر أن اليد الإلهية هي التي تمدّه بالعطاء.
  18. المؤمن يعمل ويسعى ويتاجر، لكنه لا يتكل على الأسباب استقلالًا.يرى الأسباب وسائل، ويرى الله هو الرازق الحقيقي والمدبّر لشؤونه.
  19. حين يكون الله من وراء تجارة الإنسان وسعيه، يخفّ خوفه من المستقبل.فهو لا يترك العمل، لكنه لا يجعل قلبه عبدًا للعمل أو المال أو السوق.
  20. الطريق إلى الطمأنينة يبدأ من مجاهدة الهوى.فمن آثر رضا الله على رغبات نفسه، نال غنى القلب، وحياة الهمّ الأخروي، وبركة الرزق، وصار أكثر تحررًا من سلطان الدنيا.

 

Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

وصايا الإمام موسى الكاظم (ع) لهشام بن الحكم – الجزء الأول – 80

بسم الله الرحمن الرحيم

خصائص الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

مقامات الأئمة (ع) تنكشف من خلال كلماتهم الطيبة ومما روي عنهم؛ وخاصة عندما يخصون أحداً بالخطاب. وهذا الخطاب المتوجه إلى أحدهم إنما هو خطاب لكل من يصل إليه ذلك الحديث. إن حديثنا هو حول إمامنا موسى بن جعفر (ع)؛ ذلك الإمام الممتحن والمبتلى كآبائه وأبنائه. إن الإمام موسى بن جعفر (ع) قد وقع في بلاء ما وقع فيه أحد من أئمة أهل البيت (ع). إن من الأئمة (ع) من قتل كأمير المؤمنين (ع) وسيد الشهداء (ع)، ومنهم نفي كالإمام الرضا (ع)، ومنهم من كان تحت الإقامة الجبرية كالعسكريين (ع). ولكن الحبس هو من مزايا الإمام موسى بن جعفر (ع) ومع ذلك انتشر منه ما انتشر، وكذلك قد ملأت ذريته شرق الأرض وغربها وقد انتقلت علومه أيضا من خلال الذين كانوا حوله من خواص رواته ومنهم هشام هذا الذي حظي بعناية الإمام موسى بن جعفر (ع). لو أن الإمام أعطى هشام أقطار الأرض أو أقطعه مثلا قطعة كبرى من الأرض لكانت فنيت هذه الأرض وخربت ولكن الوصايا التي خص بها هشام هي إلى يومنا هذا باقية وتُذكر في مجامعنا. (وَهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ).

من أغنى الروايات الموسوية

عندما يصل الأمر إلى ذكر إمامنا موسى بن جعفر (ع)؛ نجد أن من أهم الروايات وأكثرها تفصيلا هو حديث الإمام لهشام. أولا: لماذا خصه بالخطاب؟ يبدو أن هذه الرواية صدرت منه في خلوة وإلا لو أن الإمام كان في جمع من أصحابه لما قال: يا هشام. وهذه الوصية هي من الوصايا الخالدة لإمامنا موسى بن جعفر (ع) وهي نابعة من ينابيع الحكمة؟ أين لقمان وأين حكمة لقمان من حكم إمامنا موسى بن جعفر (ع)؟ إمامنا في ضمن وصاياه ينقل حديثاً قدسياً. مَن مِن الناس يتجرأ أن يذكر حديثا قدسياً؟ لا أحد إلا من هو مرتبط بالغيب.

الأحاديث القدسية

إن الذي نأخذ منه الأحاديث القدسية هو إما النبي (ص) وإما آل النبي (ع). هل المعصومون أيضا لهم أن ينقلوا حديثاً قدسيا؟ نعم. لأن على رأس المعصومين – غير النبي (ص) – أمير المؤمنين (ع) وهو باب مدينة العلم. وفي مدينة علم رسول الله (ص) كنز الأحاديث القدسية، وما كان عند أمير المؤمنين (ع) من العلم انتقل إلى ذريته (ع). ما المانع من أن ينتقل العلم كله إلى الإمام المجتبى (ع) وهو الإمام من بعده. نعم، إن هناك بعض المزايا مختصة بأمير المؤمنين (ع) ولكن في جانب العلم ومقتضى الحكمة أن ينتقل العلم كله إلى ذريته من بعده.

وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام

يقول الإمام (ع) في وصيته هذه: (يَا هِشَامُ قَالَ اَللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَعَظَمَتِي وَقُدْرَتِي وَبَهَائِي وَعُلُوِّي فِي مَكَانِي لاَ يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلاَّ جَعَلْتُ اَلْغِنَى فِي نَفْسِهِ وَهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ)[١]. إن رب العالمين هو أصدق الصادقين، ولا يحتاج إلى القسم، وهذا الحديث موجه للمؤمنين. إن المؤمن لا يحتاج إلى قسم من الله عز وجل ومع ذلك القرآن مليء بالأقسام. وما ذلم إلا من باب إثارة الدواعي في بني آدم.

لاحظوا كلمة: (لاَ يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ) التي نريد أن نشرحها. أولا: ظاهر العبارة مطلقة، وليس الكلام في الحرام فحسب. تارة يختلي الإنسان مع امرأة أجنبية فيؤثر هوى الله على هواه، وهذه مرحلة من التقوى. ولكن قد يصل العبد إلى درجة من الشفافية الباطنية إذا تاقت نفسه لشيء ليس فيه رضى الله عز وجل كترف في العيش أو فضول في النظر أو الكلام والأكل والشرب أو استمتاع لا هدف وراءه من الهوى غير المحرم امتنع عنه.

ونهى النفس عن الهوى

والمطلوب من المؤمن أن يصل إلى هذه الدرجة العالية. وبالطبع من نهى نفسه عن الهوى المحلل؛ فبطريق أولى ينهى نفسه عن الهوى المحرم. ولكن ما هي الجائزة؟ إن الهوى أمر في الباطن، وكذلك الجائزة هي من سنخ الباطن. إن رب العالمين لا ينزل عليه كنزاً من ذهب، فما له والذهب؟ إن الله يجعل جائزته في قلبه، تقول الرواية: (إِلاَّ جَعَلْتُ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ). ليس الغنى أن يكون للإنسان رصيد في المصارف؛ وإنما هذا فقر. ويقال: وكلما زاد ثراء الحريص كلما زاد فقره. ونعني بالفقر هنا؛ تعلقه وتصاغره وتشبثه بالدنيا. فكلما زاد ماله زاد فقره؛ أي احتياجه وتعلقه.

الفقر والغنى الحقيقيين

ما هو الفرق بين إنسان يأكل ويشبع ويشرب ويرتوي ويلبس فيكسو نفسه وليس له مال مدخر وبين إنسان كذلك وله الملايين؟ إنه في مقام العمل أثرى الأثرياء وأفقر الفقراء. من له الكفاف على حد سواء مع الغني. فهذا يأكل ويملأ معدته وهذا كذلك. هذا يتنفس ملئ رأته وهذا كذلك. والزائد لست محتاجاً إليه إلا من باب ضمان المستقبل. والمؤمن ضمانه رب العالمين وانتهى الأمر. هذا ثقته بالله وهذا ثقته بماله، وبالطبع الفارق عظيم. أين الغني المطلق وأين الكنوز الفانية؟ إن الغنى في نفسه لا في المصارف ولا في المخازن ولا في المحلات ولهذا رأينا بعض المؤمنين عندما يواجه إنساناً وجيهاً دنيوياً ينظر اليه بازدراء إلا إذا كان مؤمناً . يقال له: هذا أغنى الأغنياء ولكنه لا يعبأ به لأنه يرى من هو أغنى منه.

الاهتمام بأمر الآخرة

ثم قال (ع): (وَهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ)[٢]. إن مصيبة المصائب أن أحدنا لا ينشط لأمر آخرته، ولهذا أمير المؤمنين (ع) يطلب في دعاء ليلة الجمعة من الله عز وجل أن يجعل له قوة في بدنه وعزيمة في باطنه: (قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي، وَاُشْدُدْ عَلَى اَلْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي)[٣]. فإذا كان البدن قويا والهمة عالية؛ تمت الصفقة.

ضمان الرزق

ثم قال: (وضَمَّنْتُ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ رِزْقَهُ وَكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ)[٤]. إن السماوات هي التي تضمن رزقه كما أن رب العالمين ضمن رزق كل دابة. تذكر بعض روايات أهل البيت (ع)؛ أن الله عز وجل يجري رزق المؤمن من حيث لا يحتسب، ليرى اليد الإلهية التي تمده بالعطاء. وهكذا رب العالمين يدلل عبده المؤمن.

[١] بحار الأنوار  ج١ ص١٥٠.
[٢] الخصال  ج١  ص٣.
[٣] مفاتيح الجنان دعاء كميل.
[٤] بحار الأنوار  ج١  ص١٥٠.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • إن مصيبة المصائب أن أحدنا لا ينشط لأمر آخرته، ولهذا أمير المؤمنين (ع) يطلب في دعاء ليلة الجمعة من الله عز وجل أن يجعل له قوة في بدنه وعزيمة في باطنه: (قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي، وَاُشْدُدْ عَلَى اَلْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي). فإذا كان البدن قويا والهمة عالية؛ تمت الصفقة.
  • تارة يختلي الإنسان مع امرأة أجنبية فيؤثر هوى الله على هواه، وهذه مرحلة من التقوى. ولكن قد يصل العبد إلى درجة من الشفافية الباطنية إذا تاقت نفسه لشيء ليس فيه رضى الله كترف في العيش أو فضول في النظر أو الكلام والأكل والشرب أو استمتاع لا هدف وراءه من الهوى غير المحرم امتنع عنه.

 

Layer-5.png