في رحاب عاشوراء – ليلة ٧ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي
شعار المؤمن في الحياة أن يلتزم بما يعرفه حقاً، وأن يسلّم النتائج لله؛ إن قُبل الحق فـ«الله أولى بالحق»، وإن رُدّ عليّ أصبر «حتى يقضي الله بالحق وهو خير الحاكمين». المهم ألّا أجعل معيار مواقفي مصلحتي أو مزاجي، بل أن أمتلك شجاعة أن أقول للمخالف: الحق معك لا معي.
الشيطان لا يكتفي بتزيين المعصية، بل يزيّن لي الأشخاص والخيارات: فاسدةُ الجذر تبدو في عيني «قمة العفاف»، فيدفعني للزواج منها، ثم بعد سنوات أكتشف أني خُدعت في أصل الاختيار؛ المشكلة هنا ليست في «الحكم الشرعي» بل في تشخيص الموضوع: من أتزوج؟ أين أعيش؟ مع من أتحالف؟ وهذه مساحة واسعة لتزيين الشيطان.
الاستخارة ليست لعبة حظ، بل استمداد نور من الله عبر أوليائه حين تعجز الوسائل الطبيعية عن الحسم؛ أقول تحت قبّة الحسين عليه السلام: «عزمت على الأمر الفلاني، فألقِ في قلبي ما فيه الصلاح والرضا والجنّة»، فأطلب هدايةً في أصل الرؤية، لا مجرد رقم على الورق؛ فالمطلوب أن أرَى الطريق كما هو، لا أن أتهرّب من المسؤولية بحجة الاستخارة.
إنّ زواج أمير المؤمنين من أمّ البنين لم يكن زواجاً عادياً، بل بحثاً عن «أرض صالحة» تلد فارسا يذبّ عن حريم رسول الله؛ فكان العباس ثمرة نيةٍ طويلة المدى، لا صفقة عاطفية عابرة؛ هذا يعلّم أن قرار الزواج أخطر استثمار: أختار به تربةً تُزرع فيها نطفتي لتُخرِج ذرية طيبة تكون «الولد الصالح» الذي يبقى بعد أن يرمى الجسد في القبر كتِبْنٍ يُلقى جانباً.
شخصية أبي الفضل ليست ابناً شجاعاً فحسب، بل تربية علي والحسن والحسين وزين العابدين عليهم السلام؛ أربع عيون معصومة كانت ترقب ما سيكونه هذا الفتى، فيتحول قبره إلى «وصلة حيّة» بين الزائر وبين النبي وآله؛ من هنا تكتسب زيارته هذا الثقل، ويُفهَم سرّ التوسّل به كجسر إلى قلوبهم.
زيارة العباس الواردة عن الإمام الصادق عليهما السلام –بألفاظها «الطيبات الزاكيات»– تكشف شيئاً من قدره؛ يكفي أن يقول له إمام زمانه: «ابن أمير المؤمنين، السلام عليك…» ليُفهَم أن هذا العمّ له منزلة في قلوب الأئمة أنفسهم، وأن الارتباط به ليس عاطفة شعبية فقط بل توجه معصوم.
عبارات مثل «السلام عليك يا أبا عبد الله ما بقيت وبقي الليل والنهار» و«فيما تغتدي وتروح» تفتح باباً لمفهوم عجيب: أن يتولى ملك –أو ملائكة– تبليغ السلام عني صباحاً ومساءً ما دام الليل والنهار، فيتحول لحظات حضوري القليلة في الزيارة إلى عمل لا ينقطع، كما أن نوم الصائم في رمضان تسبيح، وأن مسك سبحة التربة مع ذكرٍ مخصوص يكتب لي التسبيح ما دامت في يدي.
لقد لقب «ساقي العطاشى» ليس مجرّد صفة عاطفية؛ إنما هو وسام عملي من الحسين نفسه حين استجاره للعِيال: «اطلب لهم ماء»؛ فيتحول السعي إلى الفرات، وتحمل السهام والجراح، ورفض شرب الماء مع شدة العطش، وملء القِربة والرجوع بها، إلى قمّة في نكران الذات: «يا نفس من بعد الحسين هوني…». هذا يربّي على أن خدمة الدين لا تتجزأ: إمّا أن تكون لله خالصة ولو عطِشتَ، أو لا تكون.