في رحاب الإمام محمد الجواد (ع) – الشيخ حبيب الكاظمي

  1. مناسبات أهل البيت عليهم السلام تحتاج إلى تفاعل عاطفي صادق، فمصائبهم جميعًا مبكية ومؤلمة، لا مصيبة الإمام الحسين عليه السلام وحدها. مصيبة الإمام الرضا في طوس، ومصيبة الإمام الجواد وهو أول إمام يُقتل في ريعان شبابه، ومصيبة الإمام الهادي والعسكري عليهم السلام، كلها مما يجري له دمع المؤمن في مواسم شهادتهم.
  2. التفاعل العاطفي هو أول الطريق وليس آخره. فإلى جانب الحزن والبكاء والفرح في مواليدهم، لا بد من دراسة حياة المعصوم، ومعرفة سيرته، وكلماته، وحِكمه، حتى يتحول الولاء إلى معرفة واتباع.
  3. من جعل لكل مناسبة من مناسبات المعصومين وقتًا يدرس فيه سيرتهم، ولو ساعتين أو ثلاثًا، صار بعد سنوات صاحب معرفة واسعة بأهل البيت عليهم السلام. التكرار السنوي في المواليد والشهادات يبني معرفة تراكمية عميقة.
  4. الزيارة تزداد قيمة كلما ازدادت المعرفة. اختلاف ثواب زيارة أهل البيت عليهم السلام في الروايات يمكن أن يُفهم على اختلاف درجات معرفة الزائر، فليست الزيارة بطاقة ثابتة الثواب، بل مقام يتكامل بحسب حضور القلب ومعرفة المزور.
  5. زيارة الإمام عن معرفة تعني أن يقف الزائر أمامه مستشعرًا حياته ومقامه، لا أن ينشغل بالشكليات أو بعدد الزيارات فقط. أعظم الجائزة أن يُؤذن للإنسان أن يخاطب مولاه ويقف بين يديه.
  6. حياة الإمام الجواد عليه السلام من أشجى حياة الأئمة عليهم السلام. فقد رُزق الإمام الرضا عليه السلام بهذا الولد بعد طول انتظار، وكانت ولادته سببًا لرفع الاختلاف والقلق بين الشيعة حول استمرار سلسلة الإمامة.
  7. ولادة الإمام الجواد عليه السلام كانت أعظم بركة من جهة أنها حفظت امتداد الأئمة الاثني عشر وطمأنت قلوب المؤمنين. فقد بلغ الإمام الرضا عليه السلام عمرًا متقدمًا ولم يكن له ولد، فكان الناس ينتظرون الإمام التاسع.
  8. فراق الإمام الرضا عليه السلام عن ولده الجواد عليه السلام كان من أشد المصائب عليه. فقد أُعطي ولدًا هو حجة الله على الخلق، ثم فُرق بينهما بسفر الإمام الرضا إلى طوس.
  9. وداع الإمام الرضا عليه السلام للبيت الحرام كان وداعًا لا عودة بعده. وقد أدرك الإمام الجواد عليه السلام وهو طفل هذه الحقيقة، فجلس في الحجر وأبى أن يقوم، وظهر الغم في وجهه.
  10. الإمام الجواد عليه السلام، مع صغر سنه، كان حجة الله وعالمًا بما سيأتي. وكما آتى الله عيسى بن مريم عليه السلام الحكم صبيًا، فإن صغر السن لا يمنع الاصطفاء الإلهي ولا العلم الرباني.
  11. من اللافت أن التاريخ نقل خلافات عند بعض الفرق في أئمة سابقين، كالزيدية والواقفية والإسماعيلية، لكنه لم ينقل خلافًا يعتد به في إمامة الإمام الجواد عليه السلام رغم صغر سنه. فقد اتفقت الشيعة عليه.
  12. الطواف نيابة عن المعصوم باب من أبواب الارتباط الولائي. فمن يطوف أو يحج نيابة عن إمام زمانه يعيش معنى الخدمة والتشرف، ويجعل عبادته متصلة بولي الله.
  13. الطواف عن النبي وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام عمل عظيم يدل على التدين بالدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره. فالارتباط العملي بالمعصومين جزء من حقيقة الدين والولاء.
  14. الإكثار من الطواف عن الزهراء عليها السلام له منزلة خاصة عند الإمام الجواد عليه السلام. فقد أمر بالإكثار من ذلك، وبيّن أنه من أفضل الأعمال، مما يكشف عمق العلاقة بين الأئمة وأمهم فاطمة عليها السلام.
  15. فاطمة الزهراء عليها السلام محور اهتمام أئمة أهل البيت عليهم السلام. حتى الإمام الجواد عليه السلام، وهو ابن أقل من أربع سنوات، طال فكره وقال إنه يفكر فيما صُنع بأمه فاطمة عليها السلام.
  16. الأدب مع الإمام المعصوم يظهر في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. علي بن جعفر، مع كبر سنه وعلو نسبه، كان يخاطب الإمام الجواد عليه السلام بـ “يا سيدي”، ويقدّمه على نفسه، ويسوي له نعليه احترامًا وتقديرًا.
  17. معرفة مقام الإمام تجعل الكبير يتواضع للصغير إذا كان الصغير حجة الله. فعلي بن جعفر كان ابن الإمام الصادق وأخا الإمام الكاظم، ومع ذلك خضع للإمام الجواد عليه السلام لأنه عرف مقام الإمامة.
  18. الإمام الجواد عليه السلام كان يحمل هم الأمة، وخاصة المؤمنين الذين في قلوبهم حب أمير المؤمنين عليه السلام. فالقلب المحب لعلي عليه السلام قلب له حرمة ومقام، وإذا انضم إلى ذلك العمل الصالح صار نورًا فوق نور.
  19. الإحسان إلى المؤمنين مسؤولية عظيمة، ولا سيما لمن كان متمكنًا أو صاحب ولاية وقدرة. وقد كتب الإمام الجواد عليه السلام لأحدهم أن يحسن إلى إخوانه، مذكّرًا إياه بأن الله سائله عن مثقال الذر والخردل.
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

في رحاب الإمام محمد الجواد (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

التفاعل العاطفي في مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)

عندما تمر علينا مناسبات أهل البيت (ع) فرحاً وسروراً من الخطوات المطلوبة منا؛ هو التفاعل العاطفي. نحن عادة رثائنا وعزائنا وبكائنا على مصيبة الحسين (ع)؛ مع أن مصائب أئمة أهل البيت (ع) جميعها هي مصائب مبكية. ومن ذلك ما حل بالرضا (ع) في أرض طوس، وما حل بالإمام الجواد (ع) الذي كان أول إمام يقتل في ريعان شبابه، ومنها مصيبة الإمام الهادي (ع) ومصيبة الإمام العسكري (ع). إن هذه مصائب لو تأملها المؤمن وخاصة في مناسبة استشهاد ذلك الإمام؛ تجري عبرته. وهذا أمر من لوازم الولاية. والرواية المعروفة التي تقول: (خُلِقُوا مِنْ فَاضِلِ طِينَتِنَا)[١] خير دليل على ذلك.

الأجر على قدر المعرفة..!

ثم بالإضافة إلى لتفاعل العاطفي؛ ينبغي دراسة حياة ذلك المعصوم. فلو أن أحدنا في مناسبة كل معصوم – استشهاداً وميلاداً – صرف من عمره ساعتين أو ثلاث أو أربع لدراسة حياة ذلك المعصوم ثم تكررت هذه العملية في كل عام لرأى نفسه بعد خمس سنوات خبيراً بسيرة أهل البيت (ع). فهو يدرس في كل عام مرتين سيرة المعصوم ويدرس كلماته الحكمية؛ فإذا زار الإمام الهادي (ع) في سامراء أو الإمام العسكري (ع) زاره عن معرفة. ولهذا ذكر علمائنا علة اختلاف الروايات في ثواب زيارة أهل البيت (ع). فهناك رواية تذكر ثواب حجة ورواية أخرى تذكر عشر حجج ورواية تقول: ألف حجة، وما هذا الاختلاف إلا لاختلاف درجات معرفة الزائر. فليس الثواب بطاقة ثابتة تعطى للزائر وإنما الثواب بمقدار المعرفة. وكلما زادت معرفتك؛ كلما زاد العطاء في زيارة ذلك المعصوم.

فلا يكن اهتمامك بالشكليات فقط. تقول: إنني قد زرت الحسين عشرات المرات؛ ولكن اجعل زيارتك هذه في تكامل، وازدد في كل زيارة معرفة بمقام المعصوم. لقد رأينا أحد المؤمنين عند قبر الحسين (ع) فقال: إنني عندما أحدث الإمام تحت القبة؛ أتكلم معه  على اعتبار أنه حي، وإنني لأستشعر حياة الإمام. ولا يهمني إن أعطاني الإمام (ع) الحاجة أو لم يعطني؛ فيكفي أنني وقفت بين يدي المولى وأذن لي بمخاطبته، وهذه من أعظم الجوائز.

المولد الأعظم بركة على الشيعة

إن حديثنا هو عن الإمام الجواد (ع). إن حياة إمامنا الجواد (ع) هي من أشجى الحيوات التي عاشها أئمة أهل البيت (ع). لقد رُزق الرضا (ع) بعد فترة طويلة وعلى كبر سن بهذا الولد. حتى لقد اختلفت الشيعة في الرضا (ع)؛ لأنه قد بلغ من العمر ما بلغ ولم يكن له عقب. فقالوا: كيف يكون إمام وهو لا ذرية له؟ فإن كان الإمام الثامن فأين التاسع؟ إننا موعودون بالأئمة الاثني عشر، والإمام لم يولد له بعد. ولهذا عندما وُلد الجواد (ع) سُر به الإمام أيما سرور، وقال: (هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ)[٢]؛ أي أنه رفع الاختلاف بين الشيعة.

وداع الإمام الرضا (عليه السلام) للبيت وحزن الجواد (عليه السلام) عليه

ولكن قد فُرق بعد سنوات قصيرةً بين الإمام الرضا (ع) وبين ولده الجواد (ع). ضع نفسك مكان الإمام الرضا (ع) وهو أن تعطى وليداً بسيماء الجواد وتعطى ولداً هو حجة الله على الخلق ثم يفرق بينك وبينه، فكم هذا ثقيل على الإمام الرضا (ع)؟ انظروا إلى الكارثة وهي أن يسافر الإمام الرضا (ع) إلى أرض طوس ولا يصطحب معه قرة عينه. يقول الراوي: (كُنْتُ مَعَ أَبِي اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بِمَكَّةَ فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي قَدْ حَجَّ فِيهَا، ثُمَّ صَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، ومَعَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وأَبُو اَلْحَسَنِ يُوَدِّعُ اَلْبَيْتَ فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ عَدَلَ إِلَى اَلْمَقَامِ فَصَلَّى عِنْدَهُ، فَصَارَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى عُنُقِ مُوَفَّقٍ يَطُوفُ فَصَارَ إِلَى اَلْحِجْرِ فَجَلَسَ فِيهِ فَأَطَالَ، فَقَالَ لَهُ مُوَفَّقٌ: قُمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَبْرَحَ مِنْ مَكَانِي هَذَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ واِسْتَبَانَ فِي وَجْهِهِ اَلْغَمُّ فَأَتَى مُوَفَّقٌ أَبَا اَلْحَسَنِ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ جَلَسَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي اَلْحِجْرِ وهُويَأْبَى أَنْ يَقُومُ فَقَامَ أَبُو اَلْحَسَنِ فَأَتَى أَبَا جَعْفَرٍ فَقَالَ قُمْ يَا حَبِيبِي فَقَالَ مَا أُرِيدُ أَنْ أَبْرَحَ مِنْ مَكَانِي هَذَا قَالَ بَلَى يَا حَبِيبِي ثُمَّ قَالَ كَيْفَ أَقُومُ وقَدْ وَدَّعْتُ اَلْبَيْتَ وَدَاعاً لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ)[٣].

إنه صبي محمول على عنق موفق؛ ولكن الله عز وجل قد جعل في هذا الوجود علماً بما سيأتي في مستقبل الأيام، وقد ضرب لنا رب العالمين مثلا في من أوتي الحكم صبيا. إن عيسى روح الله كان يكلم الناس في المهد، وهذا ابن رسول الله (ص) وابن الرضا (ع) فلماذا نستغرب منه هذا المعنى؟

عدم اختلاف الشيعة على إمامة الجواد (عليه السلام)

والملفت للنظر؛ أن البعض لم يعترف بإمامة الإمام موسى بن جعفر (ع) وهم الإسماعيلية عندما اتبعوا إسماعيل بن الإمام الصادق (ع). والبعض لم يعترف بإمامة الإمام الرضا (ع) وهم الواقفية الذين وقفوا على الإمام موسى بن جعفر (ع). والبعض لم يعترف بإمامة الإمامين الباقرين (ع) وهم الزيدية الذين وقفوا على الإمام زين العابدين (ع)؛ ولكن التاريخ لم ينقل خلافاً يعتد به وإنكارا من الشيعة لإمامة الجواد (ع)؛ بل اتفقت الشيعة عليه رغم صغر سنه.

الطواف نيابة عن المعصومين (عليهم السلام)

إننا في الحقيقة عندما نقرأ حياة المعصوم نعيش طرباً باطنياً. إنك إن قرأت هذه المعاني ثم زرت المعصوم فسوف تنتفع كثيرا بتلك الزيارة. إن من الزيارات النادرة في سيرة الإمام الجواد (ع) التي ينقلها الكليني رحمه الله في كتابه الكافي الشريف هي أن أحدهم جاء إلى الإمام الجواد (ع) وقال له: (إِنِّي كُنْتُ اِسْتَأْذَنْتُكَ فِي اَلطَّوَافِ عَنْكَ وعَنْ أَبِيكَ فَأَذِنْتَ لِي فِي ذَلِكَ فَطُفْتُ عَنْكُمَا مَا شَاءَ اَللَّهُ ثُمَّ وَقَعَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ فَعَمِلْتُ بِهِ)[٤].لا مانع من أن يطوف أحدنا نيابة عن المعصوم. إن بعض المؤمنين في مسجد الشجرة عندما يعقد نية الإحرام مثلا يقول: أحج هذه الحجة نيابة عن سيدي ومولاي صاحب الأمر؛ فيعيش هيبة ورجفة باطنية، ويقول في نفسه: من أنا لأكون نائبا عنه؟ ولكن تخيل إنسانا يطوف ويقول: أطوف نيابة عن إمام زماني، ويسعى ويرمي ويذبح ويقف بالنيابة عنه؛ فثق أن هذه الحركة لا يمكن أن تبقى من دون جواب.

اهتمام الإمام الجواد (عليه السلام) بأمه الزهراء (سلام الله عليها)

ثم قال الرجل: (طُفْتُ يَوْماً عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ)[٥]، ثم بدأ بالطوف عن الأئمة (ع). فسأل الإمام عن رأيه بذلك؟ فقال له: (إِذَنْ واَللَّهِ تَدِينَ اَللَّهَ بِالدِّينِ اَلَّذِي لاَ يَقْبَلُ مِنَ اَلْعِبَادِ غَيْرَهُ)[٦]؛ أي أحسنت صنعاً. وإلى هنا الرواية متعارفة؛  ثم قال الرواي: (ورُبَّمَا طُفْتُ عَنْ أُمِّكَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا اَلسَّلاَمُ ورُبَّمَا لَمْ أَطُفْ فَقَالَ اِسْتَكْثِرْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مَا أَنْتَ عَامِلُهُ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ)[٧]. ما هذه العلاقة الوطيدة بين أئمتنا (ع) وبين أمهم الزهراء (ع)؟

وبهذا السياق روي عن زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ قَالَ: (إِنِّي لَعِنْدَ اَلرِّضَا إِذْ جِيءَ بِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وسِنُّهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى اَلْأَرْضِ ورَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ فَأَطَالَ اَلْفِكْرَ فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِنَفْسِي فَلِمَ طَالَ فِكْرُكَ فَقَالَ فِيمَا صُنِعَ بِأُمِّي فَاطِمَةَ)[٨]. إن فاطمة (ع) هي محور اهتمام أئمة أهل البيت (ع) جميعهم.

علي بن جعفر الصادق والإمام الجواد (عليه السلام)

ولكم هذه الروايةالتي تبين لنا قمة الأدب في التعامل مع المعصوم. هنيئا لهذا الذي أدرك الإمام الجواد (ع)؛ أعني: علي بن جعفر الصادق، أخو الإمام موسى بن جعفر. إنه قد أدرك الإمام الجواد (ع) وقد كان عم الرضا (ع).  تقول الرواية: (دَنَا اَلطَّبِيبُ لِيَقْطَعَ لَهُ اَلْعِرْقَ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ يَا سَيِّدِي تَبْدَأُ بِي لِتَكُونَ حِدَّةُ اَلْحَدِيدِ فِيَّ قَبْلَكَ قَالَ قُلْتُ يَهْنِئُكَ هَذَا عَمُّ أَبِيهِ قَالَ وقَطَعَ لَهُ اَلْعِرْقَ ثُمَّ أَرَادَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اَلنُّهُوضَ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَسَوَّى لَهُ نَعْلَيْهِ حَتَّى يَلْبَسَهُمَا)[٩]؛ ما هذه العاطفة الجياشة من رجل كبير في السن تجاه الإمام في صغر سنه. ثم هو قد قدم نعلي الإمام؛ احتراماً وتقديراً له.

حمله لهموم الأمة والشيعة

إن الإمام الجواد (ع) كعادة آبائه كان يحمل هم الأمة وخصوصا من يحمل في قلبه حب أمير المؤمنين (ع). فهذا القلب قلب مقدس وموحد ومؤمن بالنبي (ص) ومؤمن بأمير المؤمنين (ع)؛ فكيف إذا أضيف إلى ذلك العمل بالصالحات؟ إن هذا كالإكسير الأحمر. إن الإمام كتب كتاباً لأحد الولاة وأرسله بيد من كانت له عند الوالي حاجة، قال فيه: (فَأَحْسِنْ إِلَى إِخْوَانِكَ واِعْلَمْ أَنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَائِلُكَ عَنْ مَثَاقِيلِ اَلذَّرِّ واَلْخَرْدَلِ قَالَ فَلَمَّا وَرَدْتُ سِجِسْتَانَ سَبَقَ اَلْخَبَرُ إِلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلنَّيْشَابُورِيِّ وهُواَلْوَالِي فَاسْتَقْبَلَنِي عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ اَلْمَدِينَةِ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ اَلْكِتَابَ فَقَبَّلَهُ ووَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ)[١٠].

[١] إرشاد القلوب  ج٢ ص٤٢٣.
[٢] الکافي  ج٦ ص٣٦٠.
[٣] كشف الغمة  ج٢ ص٣٦٢.
[٤] الکافي  ج٤ ص٣١٤.
[٥] الإستبصار  ,  ج٢  ,  ص٢٣٦.
[٦] روضة المتقین ج ١٢  ص ٢٦٠.
[٧] روضة المتقین  ج ١٢  ص ٢٦٠.
[٨] بحار الأنوار  ج٥٠ ص٥٩.
[٩] بحار الأنوار  ج٤٧ ص٢٦٤.
[١٠] بحار الأنوار ج٤٦ ص٣٣٩.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • لو أن أحدنا في مناسبة كل معصوم – استشهاداً وميلاداً – صرف من عمره ساعتين أو ثلاث أو أربع لدراسة حياة ذلك المعصوم ثم تكررت هذه العملية في كل عام لرأى نفسه بعد خمس سنوات خبيراً بسيرة أهل البيت (ع).
  • لقد اختلفت الشيعة في الرضا (ع)؛ لأنه قد بلغ من العمر ما بلغ ولم يكن له عقب. فقالوا: كيف يكون إمام وهو لا ذرية له؟ فإن كان الإمام الثامن فأين التاسع؟ إننا موعودون بالأئمة الاثني عشر، والإمام لم يولد له بعد. ولهذا عندما وُلد الجواد (ع) سُر به الإمام أيما سرور.
Layer-5.png