سرّ النّجاح يبدأ من علاقتك بالمسجد – ج136 – الشيخ حبيب الكاظمي
المسجد لا يُعمَّر بالحجارة والسقف وحدهما؛ عمارته الحقيقية أن يلبّي أهل الحيّ نداءه، ويجعلوا الصلاة فيه عادةً لا استثناءً. من يسمع «حي على الصلاة» مراراً ثم لا يجيب، يشبه ابناً يسمع نداء أبيه العطشان ولا يتحرك إليه.
الوضوء في البيت ثم الذهاب إلى المسجد هو زيارة لله في بيته؛ كما يتأذى صاحب المضيف حين يدخل ضيفه ولا يأكل من زاده، فالمؤمن لا يدخل بيت الله بقلب غافل، بل يبحث فيه عن الأنس، والدعاء، وسكينة القلب، لا عن مجرد أداء واجب سريع.
المؤمن يجد في المسجد بيته الحقيقي، كما تجد السمكة حياتها في الماء؛ أما من يضيق بالمسجد ويستثقل البقاء فيه، فالمشكلة ليست في الجدران بل في درجة الأنس بالله. المسجد ليس محطة اضطرارية، بل مكان أعود إليه حين تتعقد حوائجي وتضيق صدري.
حين أحزن، أو أُبتلى بمرض، أو يتعسر رزقي، أو أخاف على مستقبلي، لا أجعل أول أبوابي الوزير أو النائب أو الناس؛ أفزع إلى المسجد، أصلي ركعتين في وقت هادئ ولو كان المسجد فارغاً، وأعرض حاجتي على رب البيت قبل كل أحد.
«خذوا زينتكم عند كل مسجد» ليست مجرد هندام؛ هي توقير للصلاة ولبيت الله؛ الثوب اللائق، والطيب، والسواك، والهيئة المرتبة، كلها رسائل داخلية للنفس: أنا ذاهب لملاقاة الله، لا إلى مكان عادي.
أدخل بقدمي اليمنى وأقول: «يا محسن، قد أتاك المسيء»، وأخرج طالباً المغفرة وفتح أبواب الفضل؛ هذه الأدعية المتكررة ليست زينة لفظية، بل كالصكّ المفتوح الذي لا أستفيد منه إلا إذا صدّقت أن ما فيه رصيد حقيقي من الرزق والحفظ والهداية.
من يرفع قذارة عن المسجد، أو ينظف مرافقه، أو يعتني به في وقت لا يراه الناس، يطهّر في الحقيقة شيئاً من قلبه؛ وقد يصل الإنسان إلى مقامات عالية من باب عمل متواضع كهذا، لأنه يقول لله: أنا أنظف بيتك، فنقّ قلبي من أوساخه.
من أقسى صور الخسارة أن يدخل الإنسان المسجد ثم يخرج عند الأذان لأجل طعام أو زيارة أو تجارة؛ المعاملات قد تربح مالاً، لكن الربح الذي يزاحم الصلاة لا خير فيه. أؤثر الجماعة وأترك ما يمكن أن يقوم به غيري، لأن النداء جاءني من الله لا من الناس.
لا أتعامل مع الانتظار قبل الأذان كوقت ضائع؛ الجلوس في المسجد بانتظار الصلاة عبادة، وركعتا تحية المسجد تفتحان القلب للصلاة الواجبة، فأحياناً يكون الإقبال في النافلة أسهل، فتكون جسراً إلى حضور أكبر في الفريضة.
للمسجد حضور في عالم الغيب؛ المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، وهي مرشّحة للمسجدية منذ خلق الأرض. لذلك لا أتعامل معها كقاعة عامة، بل كبقعة اختارها الله للذكر والسجود، والمشي إليها شفاء للقلب الباطني قبل أن يكون رياضة للجسد.