دروس وعبر من حياة نبي الله آدم (ع) – 22 – الشيخ حبيب الكاظمي

  1. يتناول المقطع سيرة نبي الله آدم عليه السلام بوصفه أبًا للبشر جميعًا، ويدعو الإنسان إلى أن يستشعر بنوته له كما يستشعر صلته بوالديه القريبين.فذكر آدم عليه السلام ينبغي أن يورث في النفس شعورًا بالأخوة الإنسانية والتواضع، لأن الناس جميعًا يرجعون إلى أصل واحد، وكلهم من آدم وآدم من تراب.
  2. ويعرض الحديث مسألة سجود الملائكة لآدم عليه السلام، ويرد على التساؤل المعروف: كيف صح السجود لغير الله؟ والجواب أن السجود إذا كان بأمر الله فهو في حقيقته سجود لله وطاعة له، لا عبادة مستقلة للمخلوق.ومن هنا يستفاد أن تعظيم ما أمر الله بتعظيمه، كالتبرك بآثار أوليائه أو تقبيل مراقدهم وتربتهم، لا يكون شركًا ما دام داخلًا في طاعة الله لا في الاعتقاد بالاستقلال عن الله.
  3. ثم ينتقل المقطع إلى إبليس، ويتساءل عن سبب إمهال الله له وإعطائه قدرة على الوسوسة والإغواء.ويورد الجواب بأن إبليس كان قد عبد الله عبادة طويلة، حتى روي أنه صلى ركعتين في أربعة آلاف سنة، والله شكور لا يضيع عملًا من الأعمال، فأعطاه جزاءً دنيويًا مع أنه سقط بعد ذلك بكبره واستكباره.
  4. ويستفيد المتحدث من ذلك أن بعض الخوارق والقدرات التي تظهر عند بعض أهل الرياضات أو غير المؤمنين لا تدل بالضرورة على القرب من الله أو صحة الطريق، فقد يعطي الله بعض الناس آثار مجاهداتهم في الدنيا، كما أعطى إبليس بعض ما طلبه بعد عبادته الطويلة.فالقدرة الخارقة ليست مقياسًا للحق، ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بكل أمر عجيب.
  5. ثم يركز على الدرس الأكبر في قصة إبليس، وهو أن العبادة المقبولة هي ما يريده الله لا ما يختاره الإنسان حسب مزاجه.فقد رفض إبليس السجود لآدم واقترح أن يعبد الله عبادة لم يعبده أحد مثلها، فجاء الجواب الإلهي بأن الله يحب أن يطاع من حيث يريد، لا من حيث يريد العبد.وهذا أصل مهم في السلوك؛ فليس للإنسان أن يترك واجبًا أو حاجة مؤمن أو تكليفًا فعليًا بحجة أنه منشغل بعبادة يحبها.
  6. ويضرب المتحدث أمثلة عملية على هذا الخلل، كمن ينشغل بالنوافل ويترك قضاء حاجة مؤمن، أو يذهب إلى المسجد وزوجته مريضة تحتاج إلى طبيب، أو يفضل حجًا مستحبًا على مساعدة فقير يحتاج إلى الزواج.فالمشكلة هنا أن الإنسان يجعل العبادة تابعة لمزاجه لا لرضا الله، بينما المطلوب أن يبحث عما يريده الله منه في تلك اللحظة.
  7. ويختم المقطع بقصة رمزية عن عيسى عليه السلام حين أراد أن يفتح لإبليس باب الرجوع، فقيل له أن يسجد على قبر آدم بعد موته، لكنه رفض قائلًا إنه لم يسجد له حيًا فكيف يسجد له ميتًا.وهذه الخاتمة تكشف خطورة الاستكبار إذا ترسخ في النفس، إذ قد يمنع صاحبه من التوبة حتى بعد وضوح الطريق.
  8. وخلاصة المقطع أن قصة آدم وإبليس تعلمنا التواضع، ووحدة الأصل الإنساني، وصحة التعظيم إذا كان بأمر الله، وأن العبرة ليست بكثرة العبادة ولا بالخوارق، بل بالتسليم لله وطاعته من حيث يريد هو، لا من حيث يختار الإنسان لنفسه.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

أحاديثنا في الأنبياء عموماً، ذكرنا سيرة بعضهم، نذكر سيرة أبينا آدم صلوات الله عليه.

أحدُنا عندما يذكر آدم، حقيقةً عليه أن يستشعر بنوّته له. أحدنا يدعو لوالديه مثلاً، فما المانع بين وقتٍ وآخر أن تذكر جدَّيك في طواف، في زيارة؟ نعم، هما أبوانا جميعاً. واتفاقاً كون آدم وحواء أبوَينا جميعاً، يُثبّت الإحساس بالأخوّة وعدم التعالي: كلكم لآدم، وآدم من تراب. إذن هذا الإحساس جيد؛ نعيش أبوّته لنا جميعاً. إحساسٌ قد لا يأتيك من النسبة إلى نبي الله يونس مثلاً، أمّا آدم فهو أبونا جميعاً.

المهم، ممّا يتعلّق بذكره صلوات الله عليه: البعض يسأل: لماذا أمر الله عزّ وجلّ بالسجود لآدم؟ السجود لله، وأنّ المساجد لله، فكيف صحّ السجود له؟

هذا السؤال سُئل الإمام الصادق عليه السلام. هذا سؤال يأتي في البال. قيل له: أيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا. واضح. قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود؟ فقال جواباً جامعاً، والجواب تتفرّع منه أجوبة أخرى نذكرها. فقال: إنّ مَن سجد بأمر الله فقد سجد لله، فكان سجوده لله.

إذن تعظيمنا للمراقد المشرّفة، تقبيلنا لأضرحتهم، لتربتهم، إذا كان بأمر الله عزّ وجلّ، ليس هذا بأعظم من السجود. إذا كان السجود لغير الله جائزاً بأمره، فتقبيل الضريح وتقبيل التربة وما شابه ذلك بديهيّ جداً، ولا داعي ـ يا جماعة ـ للإشكال في هذا المجال. الجواب احفظوه لكل موارد التبرّك؛ كل أنواع التبرّك يعود إلى هذه القاعدة.

كذلك من قضايا آدم عليه السلام: يُسأل الإمام الصادق عليه السلام: جعلت فداك، بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه؟

طلب من الله عزّ وجلّ أن يُنظره إلى يوم يُبعثون، قال: إنك من المنظرين. سأل الله أن يسلّطه على ابن آدم، وأن يجري فيه مجرى الدم في العروق، فأذن له. قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين. ما قال الله: أنت لست قادراً. يقول العلماء: لو كان هذا القسم باطلاً لنبّه عليه تعالى. رب العالمين أمضى قسمه؛ يعني هو قادر على ذلك. إذن الوقت، القدرة، الوسوسة، كل ذلك مزايا للشيطان.

يقول: لماذا رب العالمين أعطاه هذه المزايا؟ فقال: بشيءٍ كان منه شَكَرَه الله عليه. إبليس له ما عليه، ولكن رب العالمين شكور. قلت: وما كان منه، جعلت فداك؟ قال: ركعتان ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة. ركعتان في أربعة آلاف سنة! هذه عبادة إبليس.

وهنا أيضاً بين هلالين: البعض منّا يسمع بعض الخوارق، بعض الأمور العجيبة، في بلاد الهند مثلاً؛ يعمل الأعاجيب. رب العالمين يعطيهم جزاء عملهم. سمعت أنّ البعض منهم يأخذ حفنة من التراب، ويجعل فيها بذرة، ويقف تحت الشمس إلى أن تنبت هذه البذرة. كم هذا فيه صبر! ينام على المسامير، على الشوك، إلى آخره. رب العالمين، كإبليس، يعطيهم بعض المزايا في الدنيا. لهم قدرات لا تُنكر، ولو كان قسمٌ منها كاذباً، فقسمٌ منها صحيح. أنا سمعت من علماء الهند أنّ البعض منهم مثلاً يجرّ شاحنة بخيط، بحبل. هذا من أين جاء بهذه القدرة؟ رب العالمين يعطيه في الدنيا بعض المزايا.

إذن هذا أيضاً درسٌ من دروس العبرة.

أخيراً، وهذا أيضاً مهم، كل هذه عِبر. لا تقرأ قصة آدم للتسلية. الفائدة: بعض الناس يجعل لنفسه منهجاً في الحياة؛ يحب عبادةً فيُكثر منها. له ذكر، له ورد، تكلّمه لا يجيبك. تدعوه إلى قضاء حاجة مؤمن، يقول: أنا أريد أن أصلّي النوافل مثلاً. وقت الذهاب إلى المسجد تقول زوجته: أنا مريضة بحاجة إلى طبيب، يقول: لا، الصلاة مقدّمة، وكذا. هو يختار لنفسه العبادة التي يحبها على مزاجه.

موسم الحج يأتيه فقير يريد أن يتزوّج بمبلغ الحج، لا يعطيه، يقول: لا، الحج مقدّم، أعني غير الواجب. الحج على مزاجه، لا يقدّم حاجة أخيه. هذا جوابه في هذه الفقرة.

قال الصادق عليه السلام كما رُوي طبعاً: أُمِر إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا رب ـ طبعاً إبليس كان موحّداً، ما كان كافراً، يقول: يا رب، فبعزتك، يقسم بالله عزّ وجلّ. إبليس من أعرف الناس بالله عزّ وجلّ؛ أربعة آلاف سنة ـ قال: يا رب، وعزّتك، إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادةً ما عبدك أحدٌ قط مثلها.

له رصيد أربعة آلاف، قد يجعلها عشرة آلاف. إذن قدّم اقتراحاً لله عزّ وجلّ. قال الله جلّ جلاله: إني أحب أن أُطاع من حيث أريد، يعني لا من حيث تريد. تريد عبادةً على هواك، وأنا أريد عبادةً على ما أريد.

أختمها بقصة طريفة عن رواية. أنا ما رأيت الرواية، سمعتها من أحد المراجع الكبار، والآن رواها. المهم، عيسى عليه السلام، نبي السلام، نبي الصلح، أراد أن يصلح بين الله وبين إبليس. قال: يا إبليس، ألا تريد أن نصلح ما بينك وبين الله عزّ وجلّ بعد آلاف السنين من المعصية؟ قال: نعم، ماذا أصنع؟ عرضٌ مغرٍ. قال له: اذهب واسجد على قبر آدم. آدم مات، والآن يمكن قضاء ما في الذمة، اسجد على قبره، انتهت المشكلة. ويا ليته أطاع، تخلّصنا من شر إبليس.

وتعلمون ماذا قال هذا اللعين المستكبر؟ قال: يا عيسى، أنا ما سجدت له وهو حي، أسجد له وهو ميت؟ أي هذا لا يكون مني.

الاستكبار يصل بالعبد، يوصل العبد إلى أي درجة من الشقاء والشقاوة! أجارنا الله وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

اللهم بلّغ سلامنا إلى إمام زماننا، واردد إلينا منه السلام. ليّن قلوبنا لولي أمرك، واجعل عواقب أمورنا خيراً.

وإلى أرواح المؤمنين والمؤمنات نهدي ثواب الفاتحة مع الصلاة.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.