خذ الحسين معك، إلى آخر العمر – ليلة ١٠ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي

بعد عشرة أيام من الحضور والبكاء وخدمة المواكب، يحق للقلب أن يخاطب الحسين طالباً «عطاءً بلا مقابل»؛ والجوائز الكبرى مبثوثة في نصوص الزيارة، خصوصاً زيارة عاشوراء، لمن دخل هذه الليلة بروح المتلقّي لا المتفرّج.

كلما اشتدّ البلاء على الحسين عليه السلام في عاشوراء «أشرق لونه»؛لأن اللقاء بالله وبالأسلاف قد اقترب، وأصبحت ساعات النزف ساعات استبشار، حتى شغل نور الوجه قاتليه عن التفكير في قتله، في لحظة يتجلّى فيها جمال الرضا أعلى تجلّياته.

الأمان من النار والاعتماد على الشفاعة لا يبرّران الاستهانة بالمعاصي؛ من يستخفّ بالصلاة أو يبني سلوكه على فكرة «سيتكفّل الحسين بكل شيء» قد يواجه مفاجأة أن الخصوم والذنوب تحاصره يوم القيامة، وأن الشفاعة لها شروط وأهلية، وليست صكّ غفران مفتوحاً لكل من يصرّ على المخالفة.

وصف الحسين عليه السلام بأنه «ثار الله» يعني أن الله هو الطالب بثأره؛ جرح كربلاء لم يلتئم بعد، ودم الحسين عليه السلام لم يُستوفَ له القصاص، واقشعرّت له أضلاع العرش؛ لذلك تكون مصيبته أعظم من مجرّد قتل شخص، بل هي اعتداء على حجة الله، وما يترتّب على ذلك من غضب إلهي مؤجّل إلى حين ظهور المنتقم.

من أقوى فقرات الزيارة: «اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين عليه السلام»، مع الإقرار بالفقر؛ الوجاهة تُطلَب لا بالأنساب والأموال، بل بالتوسّل بسيد الشهداء؛ كما تُطلَب سعة الرحمة: «يا رب، رحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء من الأشياء فلتسعْني»، فتكون الكرامة في الدنيا والآخرة ثمرة هذا الطلب الصادق.

يُطلَب في الزيارة «المقام المحمود لكم عند الله»، ثم «أن يرزقني طلب ثارك مع إمام هدى ظاهر ناطق بالحق»، أي أن يكون العبد في ركاب المهدي حيّاً وميتاً؛ هذه أعظم الجوائز: وجاهة، مقام محمود، وشرف المشاركة في الأخذ بثأر الحسين.

إنّ الكون «مع الحسين» في الدنيا يعني أن يصير حضوره حياً في القلب؛ تذكّر اسمه يحرّك النفس، وزيارته تُشعِر بالقرب، والحب له يمتدّ حتى لمن يحمل اسمه من عامة الناس؛ من صار الحسين معه كان النبي معه، والأئمة معه، والله معه؛ «من كان مع الله كان الله معه»، فيأمن كل خوف.

صلاة الحسين في يوم العاشر، والدم ينزف، وسيوف العدو تحيط به، صلاة حرب لا هدوء فيها من جهة الظاهر، لكنها من جهة الحقيقة تساوي «عبادة الثقلين»؛ الاقتداء به في جعل الصلاة محور اليوم حتى في أصعب الظروف علامة على صدق الانتماء لمدرسته.

مشاهد وداع الحسين لبناته وأخواته، وطلب سكينة أن تُعامَل معاملة يتيمة مسلم، ووصية فاطمة لزينب بتقبيل صدره ونحره، كلّها دروس في عمق المحبة وفي الوقت نفسه التسليم بالقدر؛ تبكي القلوب، وتتحطم، لكنها تُلزم نفسها بالوقوف حيث يشاء الله.

الرضيع الذي لم يقاتل، ولا ذنب له، ومع ذلك يُرمى بسهم من الوريد إلى الوريد، يمتلئ قماطه دماً، ويحتضن أباه بيدين صغيرتين، ثم يُخيَّر الحسين بين إرجاعه مذبوحاً إلى الخيام أو دفنه في الأرض؛ هذه اللحظة تبرهن أن العداوة بلغت حدّ محاربة الفطرة نفسها، وتشرح سرّ التأثّر الخاص الذي يعيشه قلب كل مؤمن عند ذكر «يا رضيع الحسين».

Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)
Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.