تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع) – ج4 – الشيخ حبيب الكاظمي

إنّ أوّل ما يضع أمير المؤمنين عليه السلام يده عليه في وصف المتقين هو «غضّ البصر عمّا حرّم الله»، لأن فتنة النظر اليوم تكاد تكون في كل مكان، والصور المثيرة التي نسمح بدخولها عبر الشاشات لا تبقى عابرة بل تُختزَن في الدماغ وتؤثر في الجسد والروح معًا.

إنّ معالجة الشهوة ليست وعظًا فقط؛ فبعض حالات الإفراط نابعة من خلل عضوي أو هرموني يحتاج إلى علاج طبي وغذائي، ثم يأتي دور ضبط العين، لأن كل صورة يستقبلها البصر تُترجَم في الدماغ إلى تفاعلات كصفرة الخجل أو احمرار الحياء أو إثارةٍ تنتقل إلى الدم وسائر الأعضاء.

إنّ الإصرار على النظر الحرام ومتابعة الأفلام الماجنة يجرّ عقوبات خفية في الدنيا قبل الآخرة؛ كنفور القلوب من صاحبها وتعسير الزواج واختلال النفس حتى تأتيه الخواطر الدنيئة عند الضريح أو في ليلة القدر، فيكتشف أن تركيبته الداخلية قد تغيّرت بسبب مكره على نفسه.

إنّ من أعظم أبواب التوفيق في اختيار الزوج أو الزوجة أن يترك العبد المقاييس الشكلية ويطلب من الله أن «يزوّجه بطريقته»، فيرزقه شريكًا صالحًا يقع حبه في القلب من أول نظرة حلال، ويشعر أن ذلك ترشيح إلهيّ خاص بعد صبرٍ وعفّة.

إنّ التقوى تقتضي اجتناب النظر الحرام، لكن الورع مرتبة أعلى تجعل النفس تستقذر حتى فضول النظر والكلام؛ فيكره صاحبها الغناء، ومجالس الغيبة، والمسلسلات الفارغة في ليالي الطاعة، ويرى أن حضور هذه الأجواء ضدّ طباع قلبٍ تعوّد على الأنس بالله.

إنّ الورع الحقيقي يتجلّى حين تصبح المعصية ثقيلة على الطبع قبل أن يمنعها الحكم الشرعي؛ فالغيبة آنذاك تُشبه رمي القاذورات في الأذن، والنظرة المحرّمة كأنها ضغط على عنقٍ لا تتحمل الالتفات، حتى لو حاول صاحبها النظر بنفسه.

إنّ من علامات الورع أن الجسد يرفض الحرام تلقائيًا؛ فمن أكل طعامًا مشتبَهًا ثم علم بحرمته استقذر أن يبقى في جوفه، كما أن يوسف عليه السلام لم يكتفِ بغضّ البصر، بل هرب جسديًا من بيت المعصية، فكان فراره هذا تجسيدًا عمليًا لقوة الورع.

إنّ قوله تعالى «حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان» يفتح باب الرجاء بأن نسأل الله لا فقط أن نؤمن، بل أن يزيّن لنا الصلاة والدعاء والحياء حتى نصير نأنس بالمناجاة أكثر من الطعام في شهر رمضان، ونستقذر المعصية ولو كانت مكروهة لا محرّمة.

Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)
Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.