الهجرة إلى الله في أيام الأربعين – ليلة ١٦ صفر ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي
إحياء مناسبات أهل البيت لا يكتمل بالتحليل الفكري وحده ولا بالبكاء المجرد؛ الفكر ينقل الظلامة إلى القلب، والقلب إذا تألم أجرى الدمع. العين لا تبكي بصدق إلا إذا تحوّل المعنى التاريخي إلى إحساس حيّ في الداخل.
هجرة الإمام الرضا من المدينة إلى طوس لم تكن رحلة اختيار ولا بحثاً عن منصب ولي العهد؛ كانت اقتلاعاً من موطنه، وسيراً تحت التهديد، وعيشاً في ظل قاتل يعلم الإمام أنه سيغدر به. هذه الهجرة القسرية تعطي لزيارة مشهد معنى خاصاً من الأنس والتعويض الإلهي.
الإمام سُمّي الرضا لأن الله رضي عنه ورضي عنه خلقه، ولأنه تجلّى فيه مقام الرضا في قلب أقسى الظروف. من يريد التأسي به لا يكتفي بزيارته، بل يتعلم أن يكون “راضياً بالقدر والقضاء” حين تتعطل خططه أو يبتلى بما لا يختاره.
عصر الجمعة ليس وقتاً عادياً؛ هو ساعة انتظار ظهور الإمام، ولهذا تنعصر قلوب المؤمنين فيه بالحزن كأمّ تنتظر إطلاق سراح سجينها ثم ينتهي اليوم من دون أن يعود. أقلّ الوفاء أن لا أختم هذا الوقت باللهو، بل بذكر الإمام، والدعاء له، واستحضار أن هذا “يومه المتوقع فيه ظهوره”.
“اللهم اجعلني في مقامي هذا ممن تناله منك صلوات ورحمة ومغفرة” لا تختص بمن يقف في الحرم؛ مقام الزيارة يتحقق في أي مكان أتوجه فيه بصدق إلى الحسين، حتى لو كنت في أقصى الأرض. ذكر الحسين عليه السلام يحوّل البيت والمجلس والطريق إلى بقعة متصلة بكربلاء.
زيارة عاشوراء ليست مجرد سلام ولعن وطلب؛ هي موقف ولائي كامل يجلب الصلاة والرحمة والمغفرة، حتى من دون أن أكرر صيغة الاستغفار بلساني. الارتباط الصادق بالحسين، والتبري من ظالميه، من الأسباب التي تنزل بها المغفرة كما ينزل التكفير باجتناب الكبائر.
المشي الطويل ليس غاية مستقلة؛ يجب أن أهيئ قلبي طوال الطريق للزيارة، وأستحضر معانيها وأعيش ذكر الإمام، حتى أدخل الحرم متوقداً لا منهكاً، فتكون الزيارة الواعية ثمرة المسير لا دقائق مختصرة بعد تعب أيام.
وقت المسير ليس فائضاً؛ يمكن أن أصلي فيه صلاة جعفر الطيار، وصلاة الاستغاثة بالحجة، وصلاة الزهراء، وصلوات الأئمة، ثم أهدي ثوابها للحسين. كما يبتكر أصحاب المواكب وسائل الخدمة، أبتكر أنا وسائل التودد إلى إمامي في كل خطوة.