Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

إن بعض الناس لا يفكر في حياتهِ ولا في سعادته، يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، هكذا يعيش حياته أشبه بالحياة الحيوانية.. وأمير المؤمنين -صلوات الله وسلامه عليه- يعلق على حياة بعض الناس، فيقول: (كالبهيمة المربوطة، همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها)، هذا في دائرة غير المسلمين، وفي دائرة المسلمين فإن الذي لا يلتفت إلى واقعهِ؛ يعيش هذهِ الدورة.. ومن هنا حياة البعض أشبه ما يكون بحياة دودة القز كلما سعت؛ كلما أنتجت.. وكلما أفرزت؛ كلما اشتد الحصار على هذهِ الدودة إلى أن تختنق.

ومن هنا الإنسان العاقل لابد لهُ من وقفة في حياته، لينظر إلى ما مضى وإلى ما سيأتي.. لاحظوا الشريعة المقدسة، كم هي رفيقة، وكم مهتمة ببني آدم!.. فرب العالمين يجعل لبعض الليالي خصوصية، مثل: ليلة القدر

 ، ويوم عرفة، وليلة النصف من شهر شعبان، ويوم دحو الأرض، وهناك صلاة أول الشهر وهي ركعتان: بسورة القدر، وسورة التوحيد، وبعد ذلك هناك دعاء {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.. وهناك محطات عبادية مختلفة.. البعض منا -مع الأسف- يكتفي بهذهِ الأعمال العبادية، لماذا لا نتجاوز العمل العبادي إلى عمل تأملي؟.. إنه لمن المناسب للمؤمن أن يتخذ هذهِ المحطات -ومنها ليلة الجمعة، وسحر كل ليلة- لأجل إيجاد عملية التغيير.. مثل ذلك الذي كان يرتكب الحرام في جوف الليل، وإذا بهِ يسمع تالي القرآن يقرأ هذهِ الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، وإذا بهِ يصيح ويقول: بلى قد آن!.. فيُحدث تغييراً جوهرياً، انقلابياً -إن صحَ التعبير- في حياته.. إن الأجواء المباركة، تنزل الرحمة.. ونزول هذهِ الرحمة تهيئهُ لحركة تغييرية في حياة الإنسان.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.. إن القرآن نعم المصدر، والقرآن الكريم جعل العمل الصالح مبتنياً على الإيمان {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، هذا الإيمان يعطي للعمل الصالح قيمة.. إن الأصفار مهما كثرت لا قيمة لها، إذا لم يضف إليها عدد واحد.. إذا لم يكن العمل لهُ رصيد من الإيمان، فهذا العمل لا وزن له.. والدليل على ذلك من القرآن الكريم: فهابيل نسبتهُ إلى آدم نفس نسبة قابيل، وقد قدما قُرباناً.. والقرآن الكريم لم يذكر أن حجم قربان هابيل، كان أكبر من حجم قربان قابيل.. ما قال مثلاً: أن هابيل ذبح خروفاً، وقابيل ذبح بقرةً وبالعكس، بل قال تعالى: {قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ}، ولكن الفارق بينهما كان في التقوى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

إن الإيمان حالة انكشاف الرؤيا الباطنية لهذا الوجود.. حيث أن هناك فرقا بين إنسان يعتقد الوجود لله -عز وجل- من خلال قانون العلية؛ أي لكل علة معلول، فللكون علة، وعلة الكون هو رب العالمين، حتى الطفل يفهم هذهِ المعادلة.. وبين من يعيش حالة الوجود الإلهي، وهو برهان الصديقين كعلي -عليه السلام- الذي يقول: كيف أعبد رباً لم أرهُ؟.. نعم المؤمنون المتقون إيمانهم بالغيب هكذا؛ كما قال الإمام علي (ع): (وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم).. فرقٌ بين من يعتقد بكلام الأنبياء حول جهنم، وبين من يستمع زفير جهنم في أصول أذانه.. ومن هنا فإن العمل الواحد قد يصدر من فردين مختلفين: أحدهما لهُ علاقة متميزة مع رب العالمين، فإن هذا العمل الواحد يكتسب قيمة كبرى، قياساً إلى طرفٍ آخر.. الدليل على ذلك أصحاب سيد الشهداء الذين إلى يومنا هذا نخاطبهم: (بأبي أنتم وأمي)، (طابت الأرض التي فيها دفنتم)، (يا ليتنا كنا معكم)!.. أصحاب سيد الشهداء قتلوا، والكثيرون طوال التاريخ قتلوا أيضاً في سبيل الله؛ ولكن لا نقدسهم هذا التقديس، فقط نقول: فلان مات شهيداً، أو قتل شهيداً، لأن الوضوح والرؤيا التي كانت عند أصحاب سيد الشهداء، كانت رؤيا متميزة.

قد يقول قائل: ما هذا التميز في إيمانهم؟.. فالأمر واضح: إمام زمانه يقاتل، من منا لا يتمنى أن يكون في ركابه؟.. الجواب على هذا التساؤل: أنت لا تنظر إلى الإمام الحسين -عليه السلام- بعد مرور أكثر من ألف عام، نعم نحن اليوم في حالة من حالات الوضوح الفكري، أما في تلك الأيام وقبل الإمام الحسين عليه السلام، كانت الدعايات والشائعات كثيرة في حق أخيه، وهناك من اتهموا أمير المؤمنين أنهُ كان لا يُصلي، واستغربوا عندما سمعوا باستشهادهِ في المحراب!.. فيخرج الإمام الحسين -عليه السلام- في هذا الجو المضلل.. وعليه، فإن تلك بطولة من هؤلاء، إذ ميزوا أن الحق مع الحسين عليه السلام.

الدروس المستفادة من هذه الآية:
الدرس الأول: وهذهِ نقطة جداً مهمة، بدل من أن نكثر من حجم العمل، ونحاول أن نرهق أنفسنا بالعمل، نحاول أن نعمق من حجم الكمال الباطني الذاتي.. فالمؤمن إذا صار لله محبوباً، يصلي ركعتين لله -عز وجل- تفتح لهُ الآفاق.. طبعاً نحن لا ننفي الكرامات من غير الأنبياء والأوصياء، المعجزات نعم خاصة بالأنبياء، ولكن الله -عز وجل- يجري شيئاً من الكرامة على يد أوليائه الصالحين، ومثال ذلك ما أدعاه العفريت من الجن {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}.. إن ذلك ممكن، أحدهم كان في السوق في مكان ما، فرأى طفلا يسقط إلى الأرض وإذا بهِ يدعو الله -عز وجل- فإذا بهذا الطفل سقط سليماً بشكل غير عادي.. التفَ الناس حوله وأخذوا يقولون: من أنت، وماذا عملت، وما قصتك؟.. وإذا بهِ يقول: ما العجب؟.. سمعتُ كلامهُ دهراً، فسمع كلامي في هذا الموقف.. أنا أطعت ربي عُمراً، الآن طلبت منهُ طلبا متميزا فاستجاب لي.. ومن هنا الذي يستثقل العبادات الثقيلة: الصوم في الصيف، والقيام في الشتاء، من الممكن أن يعوّض التقصير في العمل العبادي من خلال تنمية ذاته، وتصفية ذاته، (ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه).. فإذن، إن هذهِ الآية تربط بين الإيمان وبين العمل الصالح.

إن هنالك آيتين في القرآن الكريم غريبتين في العطاءِ والجزاء، فنحن عندما نقرأ هذه الآيات: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}، {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}، {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}.. طبعاً نحن عندما نسمع بالحور العين نستأنس كثيرا.. ولكن هنالك آيتين في القرآن الكريم، أين الحور وأين الغلمان من هذا الجزاء، إنه جزاء عجيب!..

الآية الأولى: يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}، إنها آية مذهلة!.. يقول العلماء: المؤمن التائب الذي قبل الله -عز وجل- توبتهُ، يكتب لهُ -مثلاً- الزنا زواجاً، وشرب الخمر يكتب لهُ -مثلاً- شرب ماء زمزم، إنسان كذب أو سرق الأموال تكتب لهُ صدقات.. فعلا هذهِ الآية مذهلة في العطاء الإلهي، إلى درجة أن البعض يقول: هذا المعنى غير معقول!.. نعم المعنى المعقول: أن الإنسان هذا يبدل الله سيئاتهِ حسنات؛ أي هذهِ الذات التي كان يصدر منها الأعمال السيئة، الآن يصدر منها الأعمال الحسنة، إن حاول أن يخفف من غرابة الأمر.. وإلا فإن البعض يقول {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}؛ أي السيئة تتبدل إلى حسنة.

الآية الثانية: إن الآية الأخرى الملفتة في العطاء الإلهي، هي هذهِ الآية: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.. فالذي عمل بهذهِ الآية {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، يعيش الحياة الطيبة في الدنيا، ولكن في الآخرة تقول الآية: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي يأتون بصلواتهِ منذَ بلوغهِ إلى ساعة موته، ثم يعملون جردا.. فتحسب الملائكة هذهِ الآلاف المؤلفة من الركعات، وينظرون أي ركعة في حياته كانت متميزة؟.. هل عندما كان في الحج خلف مقام إبراهيم، وهو لابس الإحرام، وتفاعل في صلاته الواجبة مثلاً، وبدموعٍ جارية أمام الكعبة، وفي موسم الحج، صلى صلاة خاشعة، لم يفكر فيها بشيء!.. إن البعض من الناس إلى ساعة الموت، لم يصل في حياته ركعتين لم تحدثهُ نفسهُ بشيء من حطام الدنيا، في كل عمرهِ ما صلى ركعتين خالصتين، ليس بمعنى الرياء، بمعنى أنه لم يفكر بشيء سواه.. ومن هنا يقول بعض العلماء: إذا ذهبت لزيارة المعصوم، فإن خير هدية تقدم للإمام ركعتان خالصتان في المقام، لا تحدثك نفسك بشيء.. البعض يصلي مئة مرة -مثلاً- ولا يصل إلى هاتين الركعتين، ممكن بعد مئة أو مئتي محاولة، يصل إلى ركعتين خالصتين.. طبعاً الوصول إلى ركعتين خالصتين، يحتاج إلى مدد غيبي، {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. الملائكة تجرد وتقول: يا رب، إن أفضل ركعة صلاها فلان عندما كان في سن الثلاثين، في تلك الحجة، خلف مقام إبراهيم.. فيأتي المدد الإلهي، كم صلى في العمر؟.. صلى عشرين ألف ركعة -مثلا- ضرب هذهِ الركعة التي صلاها خلف مقام إبراهيم، يا لهُ من فوز {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}!..

الدرس الثاني: ما هي مواصفات الحياة الطيبة؟.. فرق بين {لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وبين (نطيبن حياته).. رب العالمين لو قال: (نطيبن حياتهُ)؛ معنى ذلك الكل حي، ولكن هذا حياتهُ طيبة، وهذا حياته غير طيبة.. القرآن الكريم يقول: {لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}؛ أي غير المؤمن ليس بحي، هذا الإنسان ميت، والدليل على ذلك قولهُ تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.. إن هذهِ الآية لو تدبرنا فيها، تجعل الإنسان تنتابهُ حالة من الذهول!.. نحنُ كُلنا أموات، مع أننا نمشي على الأرض، ولنا مؤسسات، ولنا شركات، ولنا أحفاد، ولنا ذريات، ولنا مناصب وزارية؟!..

نعم، يقول القرآن الكريم: أنت ميت.. فما هذا الذي نراه في الحياة الدنيا إذن؟.. يقول: هذهِ حياتك الحيوانية: أنت تمشي، والحيوان يمشي.. أنت تأكل، والحيوان يأكل.. أنت تتناسل، والحيوانُ يتناسل.. أنت لك طموح في الحياة، والحيوان أيضاً لهُ طموح.. أرأيتم النسور في الغابات، تأتي بقشة من هنا وقشة من هنا، لتبني عشا وتربي أولادها فيه.. هذهِ سنة الحياة، الكل يشترك في ذلك.. رحم الله صاحب تفسير الميزان، يقول أخوه: أنا رأيت والدي في عالم المنام يقول: أنا عتب على ولدي السيد صاحب تفسير الميزان؛ لأنه لم يشركني في ثواب تفسير الميزان.. أنا أبوه، أنا ولدتهُ.. لماذا لم يجعل لي نصيباً في تفسير الميزان؟.. طبعاً هذا يدل على أن الأموات يراقبون الأوضاع، وتأتيهم الأخبار.. وهذا مستفاد من الروايات في خصوص ليالي الجمعة، ومنها هذه الرواية: سألت الكاظم (ع) عن الميت يزور أهله؟.. قال: (نعم، فقلت: في كم يزور؟.. قال: في الجمعة، وفي الشهر، وفي السنة على قدر منزلته، فقلت: في أي صورةٍ يأتيهم؟.. قال: في صورة طائرٍ لطيفٍ، يسقط على جدرهم ويشرف عليهم.. فإن رآهم بخير فرح، وإن رآهم بشرٍّ وحاجةٍ حزن واغتمّ) قال الصادق (ع): (إنّ الميت ليفرح بالترحّم عليه والاستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تُهدى إليه).

يقول السيد في مقام الجواب لأخيه: لمَ يعتب عليّ والدي، أنا ليس لي أمل في تفسير الميزان.. لماذا؟.. يقول: لأن الناس مدحوني كثيراً على هذا التفسير؛ أي هذا المديح الكثير والثناء، جعلني لا أعتقد أن لي أجرا على هذا العمل.. هذهِ حالة الخوف والرجاء بالنسبةِ للمؤمن.. ولهذا فإن المؤمن إذا عمل خيراً، يتمنى أن تكتم تلك الأسرار بدلاً من إذاعتها.. إن هذا السيد الجليل يقول للمؤمنين: وراء الروح البشرية التي يشترك بها المؤمن والكافر، هناك روح أخرى تفيض على المؤمن من الحياة الأخرى، ويصاحبهُ شعور وقدرة جديدان.. ولهذا يقول الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله).

الدرس الثالث: إن الإنسان الأكاديمي الذي لهُ منهج علمي، لا يسارع في إنكار ما لا يتحمله.. بل يقول: ممكن!.. يقول ابن سينا: (كل ما قرع سمعك، فذره في بقعة الإمكان حتى يذودك عنه واضح البرهان).. هذهِ الرواية من غرائب الروايات، حديث قدسي يقول: (عبدي!.. أطعني تكن مثلي، أقول للشيء: كن!.. فيكون، وتقول للشيء: كن!.. فيكون).. إن هذهِ الدرجة تعطى بنص القرآن الكريم.. الكلام في الدنيا، والغرابة في الدنيا.. وإلا في الآخرة، فتصبح بمعنى من المعاني كرب العالمين.. والدليل من القرآن الكريم: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.. هذهِ الآية صريحة، أن المؤمن يتمنى الشيء فيرى ذلك الشيء نافذاً أمامهُ، في الجنة الأمر كذلك.. إذن أصل الأمر مسلمٌ.. ولكن الكلام في الحياة الدنيا قبل الآخرة، فالإنسان الذي يريد أن يصل إلى هذهِ الحياة، لابد أن يعمل بما يوجب لهُ هذهِ العاقبة السعيدة.

إن الغريب أن أهل الدنيا حاولوا أن يبحثوا عن هذهِ السعادة، بهذا المعنى الكبير من خلال كأس خمر، أو من خلال بعض الغرامات من المواد المخدرة!.. أنظروا إلى سخافة بني آدم!.. هذا المعنى العظيم جعلهُ في سائلٍ، أو جعلهُ في مادة جامدة!.. إن البعض يعتقد أنهُ ما دام هو مؤمن، ولهُ علاقة بأهل البيت من خلال إقامة بعض شعائر العزاء، فاعمل بما شئت، أنت إنسان -كما يقال- رُفعَ عنكَ القلم، ويتذرع أو ينشد أو يتمتم بهذه القصيدة المعروفة.. طبعاً الشاعر عندما أنشد هذا الشعر، لم يكن في مقام تأسيس نظريات عقائدية دقيقة.. بل أنشده من باب إبراز العاطفة:

سودت صحيفة أعمالي *** ووكلت الأمر إلى حيدر

هل معنى هذا البيت، أن الإنسان يسود صحيفة أعمالهِ عمداً، ثمَّ يوكل الأمر إلى أمير المؤمنين؟.. إن هذا المعنى لا يقبل بهِ عاقل.. نعم، سودت أعمالي؛ أي سهواً.. فالإنسان الذي يأتي يوم القيامة بذنوبٍ كبيرة غير متعمدة، يرجى أن يكون في مظان الشفاعة.. أما أن يكون متعمدا؛ فإن هذا الأمر غير مقبول.. وهذا ما يدل عليه الحديث المروي عن الإمام الصادق: (روي لنا أنك قلت: إذا عرفت (يعني: إذا عرفت الإمام) فاعمل ما شئت.. فقال: قد قلت ذلك.. قال: قلت: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر؟.. فقال لي: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل، ووضع عنهم.. إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنه يقبل منك).. أي إذا عرفت الحق، فاعمل ما شئت من خير، وليس اعمل ما شئت حتى من الشرِّ أيضاً، ثم تلا قولهِ تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.. إذن، في بعض الروايات التي مضامينها غريبة، علينا أن نرجع إلى الأصول الصحيحة، حتى نعرف الفارق بين الحق والباطل!..

قواعد الحياة السعيدة:
إن كلمة السعادة عنوان مثير!.. عادةً عناوين بعض المجلات، وبعض الأفلام، وبعض الندوات؛ يختارون كلمة السعادة، حتى في باقي اللغات الأجنبية، إذا أرادوا أن يستقطبوا الجمهور، يستعملون هذهِ اللفظة كثيراً؛ لأن الكل يبحث عن هذهِ السعادة المفقودة.. قلَّ ما يوجد إنسان سعيد بالمعنى الواقعي على وجه الأرض، قد يقول قائل: ما هذا الذي نراه في بلاد الغرب، الناس يسرحون ويمرحون؟.. لا، هؤلاء قوم متلذذون، فالتلذذ شيء والسعادة شيء آخر.. والدليل على ذلك أن بين التلذذين يعيش حالة من حالات الخدر وكراهة النفس، نعم تنتهي اللذة يرجع إلى بيتهِ وهو كئيب حزين.. بعض المؤمنين عندما يرجع من بلاد بعيدة فيها تسلية، يقول: يا ليتني لم أذهب!.. لأنه في النهاية رجعتُ إلى منزلي، لأشم هذا الغبار، وأعيش بهذهِ الحرارة وانتهى الأمر.. هذا تلذذ.. أما السعادة، فهي أمر ما وراء التلذذ.

إن رب العالمين جعل أدوات التلذذ أدوات حسية، هنالك قنوات لاكتشاف أو لجذب التلذذ: العين ترى المناظر الجميلة تتلذذ، الأنف يشم، يستذوق الطعام باللسان.. إذن، إن كل هذهِ المظاهر التلذذية، تجري على هذهِ المنافذ الخارجية.. أما السعادة أمر آخر ما وراء التلذذ.. إذن، ما هو تعريف السعادة؟..

إن هنالك ثلاثة تعاريف للسعادة:
التعريف الأول: إن البعض يرى أن السعادة هي في أن يحقق الإنسان كل أمانيه في هذهِ الحياة.. وكما هو معروف: فإن وراء كل خيبة أمل، انتكاسة باطنية.. كلما كثرت الانتكاسات الباطنية، الإنسان يصبح مريضاً نفسياً.. فالذي عندهُ آمال وطموحات كبيرة في الحياة ولا يحققها، هذا إنسان يبتلى بالمرض النفسي أخيراً.. أما الإنسان البسيط الذي لهُ طموحات بسيطة، هذا الإنسان لا يصاب بخيبة أمل كبيرة، لأنهُ ليس لهُ طموح كبير.. ولهذا نحنُ في حياتنا اليوم نسمع عن الانهيارات العصبية وغيره، أما قديما فلم يكن هناك ما يعرف بمستشفيات الطب النفسي، هذهِ الأيام هنالك إحصائيات تقول: إن الكثيرين مبتلون بالمرض النفسي، لكنهم لا يراجعون المصحات؛ خوفا على الوجاهة الاجتماعية.. ولهذا بعضهم يتسلل سراً إلى بعض الصيدليات، ويطلب بعض الأدوية المنومة والمخدرة، والجالبة لحالات دفع التوتر العصبي.. وذلك لأن الطموح، والأماني، والآمال كثيرة جداً في حياتنا هذه الأيام.. أحدنا لا يكاد يحقق نصف طموحه، والنصف الآخر يتحول إلى خيبة أمل.. وكل خيبة أمل، مقدمة للانتكاسة الباطنية.

التعريف الثاني: إن قوما يرون بأن السعادة هي عبارة عن التلذذ المستمر، ولهذا ترى بعض الأغنياء والمترفين يبرمج حياتهُ: يوم صيد، ويوم قنص، ويوم سفر، ويوم ليلة حمراء، ويوم طعام هنيء، وهكذا.. المهم لا يترك في أيام حياتهِ ساعة ليست فيها لذة، من يقدر على هذا؟.. حتى الملوك وأبناء الملوك، لا يمكنهم أن يصبغوا حياتهم كلها بصبغة التلذذ؛ لأنه لو فرضنا جدلاً هذا الإنسان لهُ في كُلِّ ساعة لذة، ولكن بعدَّ تقدم العمر فإن أدوات التلذذ عندهُ تتهاوى.. هذهِ الشهوة: شهوة الطعام، وشهوة النساء، كل هذهِ الشهوات في طريقها إلى الأفول.. وعليه، فإن معنى ذلك أن هذا الإنسان سوف يفقد أدوات التلذذ، بعد فترة من مضي العمر عليه.

التعريف الثالث: إن السعادة على ما نفهمهُ نحنُ بنظرة واقعية، أن يكون للإنسان هدف ومحور حقيقي، وهو يسعى تجاه هذا المحور.. إنسان لهُ هدف، وهذا الهدف هدف مقدس، وليس هدفاً حيوانياً.. هدفه يتناسب مع فطرتهِ، ومع عقلهِ، وفي كل يوم يخطو خطوة إلى الأمام.. مثلا: إنسان هدفهُ أن يبني قصراً، أو منزلا كي يصل إلى الفتاة الفلانية، لأن والدها اشترط عليه أن يمتلك شقة.. هذا الإنسان عندما يشتري سيارة فيها طابوق مثلاً، ويبدأ ببناء هذا المنزل، حقيقةً يعيش السعادة؛ لأنهُ جعل في بالهِ أن السعادة هيَّ هذهِ.. هذهِ الطابوقة البسيطة تقدمهُ خطوة إلى تلك السعادة المنشودة.. المؤمن هكذا، المؤمن هدفهُ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}.. هذا هو الهدف، عندئذٍ ركعة من صلاة الليل، تحقق لهُ هذا الهدف.. ودينار يُعطيها لفقير؛ يحقق هذا الهدف.

إن المؤمن يبحث عن الأعمال الشاقة نسبياً؛ لأنهُ كُلما تقدمَّ في الطاعة خطوة، رأى بأن هذهِ لبنة في ذلك الصرح العظيم.. رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو في السماء في رحله المعراج ملائكة يبنون قصراً لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ثم رآهم وهو نازل قد توقفوا عن البناء فسأل: لماذا توقفوا؟.. قيل له: إنهم يبنون القصر لرجل يذكر الله، فلما توقف عن الذكر توقفوا عن البناء في انتظار أن يعاود الذكر ليعاودوا البناء).. كلما قال الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.. فإن أعماله تتحول إلى لبنات من ذهب وفضة، ويبنى ذلك البناء.. فالمؤمن في حركتهِ التصاعدية التكاملية، هو:

أولاً: لهُ محور واحد في حياته.. وأمير المؤمنين (ع) يصف هذا المحور بقوله: (قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلى من الهموم إلاّ هماً واحداً انفرد به)؛ أي لهُ هم واحد في الحياة، كل الهموم أمامهُ صغيرة، (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم).. إذن، أول خصوصية للمؤمن أن لهُ محورا يسعى إليه، منذُ أن كُلف وهو يسعى نحو هذا المحور.

ثانياً: كلما أنجزَ مهمةً: صلى فريضةً بخشوع، أو أقام نافلة، أو دفعَ صدقةً، أو ذهب إلى بيت الله عز وجل؛ يعيش حالة النشاط المستمر، لعلمهِ أن هذهِ الحركة تحقق لهُ تلك الأهداف المنشودة.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.