• ThePlus Audio
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

الشوق إلى الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

الشوق إلى الصلاة؛ خطوات عملية لتحقيق الخشوع

الاستعداد للصلاة قبل حلول وقتها

إنَّ الحديثَ عن الصلاةِ الخاشعةِ حديثٌ بالغُ الأهمية؛ لِما تُمثِّلُه الصلاةُ من عمادٍ للدين، ولِكونها محورًا مهمًّا في قبول الأعمال، فإذا قُبِلَت قُبِلَ ما سواها، وإنْ رُدَّت رُدَّ ما سواها. ولأهمية قبولها إلى هذه الدرجة، فإنَّ الأمرَ يبعث على الخوف والحذر، ممّا يتطلّب عنايةً خاصّة؛ فإنما تُقبَل الصلاةُ بمقدار ما يُقبِل العبدُ فيها بقلبه. وقد أكّدت رواياتُ أهلِ البيت (عليهم السلام) ضرورةَ الإقبالِ في الصلاة.

فكيف يتحقّق ذلك يا تُرى؟

إنَّ ما اعتدنا سماعَه من التقريع بأنَّ الصلاة التي تخلو من الخشوع لا تُقبل، أمرٌ صحيح، ودليلُ ذلك ما رُوي: ﴿لَا يُقْبَلُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ إِلَّا مَا أَقْبَلَ فِيهَا بِقَلْبِهِ﴾. لكنَّ هذا التقريع وحدَه غيرُ كافٍ؛ ولذلك كان لا بدَّ من تبيين خطواتٍ عمليةٍ نُحاول، من خلال العمل بها، اكتسابَ صلاةٍ خاشعة، ولو إجمالًا.

الخطوة الأولى: الاستعداد للصلاة قبل دخول وقتها

إنَّ كلَّ شيءٍ مهمٍّ في حياة الإنسان يترقّبه بشوقٍ ولهفة؛ فلو كان عزيزًا غائبًا – مثلًا – لاستعدَّ لاستقباله، وإنْ كان امتحانًا أو لقاءً من أجل مصلحةٍ دنيوية، لتفادى بكلِّ السبل أيَّ تأخيرٍ أو زحامٍ قد يُعطِّله عن ذلك اللقاء أو تلك المصلحة. وإنْ كان بانتظار ضيفٍ، رتّب أموره واستعدَّ قبل قدومه. وكلُّ هذه أمورٌ عقلائية، ما لم تُخالف الشرع أو تنبع من حرصٍ مذموم.

أفلا يعقل أن يفعل الإنسان مثلَ ذلك مع أهمِّ أمرٍ في الدارين، وهو لقاءُ ربِّ العالمين، والتحدّثُ إليه، ودعاؤُه، ومناجاتُه؟

إنَّ الاستعداد لإقامة الصلاة يتطلّب معرفةً بأهمية هذا الركن العظيم؛ ليكون التعامل معه بأحسن صورة، وهو مقدّمةٌ للخشوع فيها والإقبال عليها.

إنَّ الاستعداد لإقامة الصلاة يتطلّب معرفةً بأهمية هذا الركن العظيم؛ ليكون التعامل معه بأحسن صورة، وهو مقدّمةٌ للخشوع فيها والإقبال عليها.

وقد سنَّ الشارعُ أعمالًا عديدةً يتحقّق من خلال الالتزام بها هذا الاستعداد، ومنها: الوضوءُ وأدعيتُه، والأذانُ، والإقامةُ. وقد بيَّن الشارعُ ما يترتّب على هذه الأعمال من الأجر والبركات؛ ترغيبًا للإنسان فيها. فقد ورد أنَّ مَن أذَّن صلّى وراءه صفٌّ من الملائكة، ومَن أذَّن وأقام صلّى وراءه صفّان من الملائكة، ومَن توضّأ فأسبغ وضوءه تساقطت عنه ذنوبه.

إنَّ القيام بهذه الأعمال لا يستغرق وقتًا طويلًا، لكنها دقائقُ مفعمةٌ بالروحانية، تُمهد لصلاةٍ خاشعة قبل دخول وقتها وإقامتها.

وإنَّ من الصالحين مَن يعيش حالةَ المعيّة الإلهية والحضور الدائم مع الله تعالى، فتجده مُقبِلًا على ربّه، يرى اللهَ قبل كلِّ عملٍ وبعده، وإنما يشتدُّ هذا الإقبال في الصلاة. وإذا كان هذا المقام قد تحقّق لبعض الناس، أفلا يعني ذلك أننا مكلَّفون بالسعي إلى تحصيله، وأننا نكون مقصّرين إن أهملنا ذلك أو فرّطنا فيه؟

الشوق إلى الصلاة

إنَّ الشوقَ علامةٌ قلبيةٌ تدلُّ على الحبِّ والتعلّق؛ فحتى في عالم الدنيا والعلاقات الإنسانية يستطيع الإنسان أن يعرف ما إذا كان شخصٌ ما يُحبّه أم لا. ألا يُدرك ذلك من خلال استقباله بحفاوةٍ وترحيبٍ وودّ؟! وألا يُعدُّ الجفاءُ، وعدمُ الاهتمام، وتقطيبُ الحاجبين، والانصرافُ بالفكر والوجه، دلالةً على الملل والضجر؟!

ومن المؤسف أيضًا أنَّ بعضَ الناس ينشغلون قبيل الأذان والصلاة، بل إنَّ منهم مَن يستمرُّ في انشغاله حتى بعد دخول الوقت بأمورٍ دنيويةٍ محبَّبةٍ إلى قلبه وممتعةٍ له؛ كمتابعةِ برنامجٍ مسلٍّ، أو السمرِ مع الأهل، فيتمنّى لو أنَّ الأذانَ يتأخّر، أو أنّه لم يسمعه أصلًا؛ ليُكمل ما هو فيه من لهوٍ وتسلية.

أليس هذا من الخذلان، الذي يجعل قلبَ الإنسان مرتعًا لكلِّ شيءٍ إلا للقاء ربِّه؟! فإنَّ العبد لا يُوفَّق لأن يملأ قلبه بالشوق إلى الله إلا إذا أفرغه ممّا سواه.

ويجدر في هذا المقام ذِكرُ حالِ النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله)، إذ تروي عنه إحدى زوجاته: «كان النبيُّ يُحدِّثنا، فإذا دخل وقتُ الصلاة فكأنَّه لا يعرفنا ولا نعرفه».

أفلا يكون في هذا درسٌ لنا؟! فإنَّ النبيَّ الكريم، صاحبَ الخُلُق العظيم، وخيرَ الناس لأهله، كانت تنقطع شواغلُه كلُّها عند دخول وقت الصلاة. ومن أبلغ ما صوَّرتْه الروايةُ قولُها: «حتى كأنَّه لا يعرفهم ولا يعرفونه»؛ لأنَّه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يبرد شوقُه إلا بإقامة الصلاة.

ولذلك كان يُخاطب بلالًا بقوله: ﴿أَرِحْنَا يَا بِلَالُ﴾. وقد فُسِّرت – إنْ صحَّت هذه النسبة – بمعنى: «يا بلال، أبرِد نارَ الشوق إلى الله عزَّ وجلّ». فهذه النارُ تبقى مشتعلة، ولا تُطفئها إلا الصلاة.

الصلاة تكشف سرَّ الإنسان

إنَّ الصلاة كاشفةٌ عن سرِّ الإنسان، ولا نقول إنَّها فاضحةٌ له؛ لكنَّها – من دون شكّ – تُظهر ما في قلبه وفكره: أهو متعلّقٌ بالله تعالى أم بالفانيات؟

ولعلَّ ما يخطر على الإنسان أثناء الصلاة من حديثِ نفسٍ وشرودٍ يكشف عن موضع اهتمامه الحقيقي؛ ولذلك كانت الصلاة كاشفةً لسريرته.

بل إنَّ لكلِّ شخصٍ أن يدَّعي الحبَّ أو الشوقَ أو الإيمان؛ فالكلُّ يدَّعي وصلًا بليلاه، ولكن: وهل تُقرُّ ليلى بذلك؟!

فالذي يدَّعي حبَّه لله تعالى وزهدَه فيما سواه يُعرف بأمرين:

١- تمنّيه الموت.

٢- شوقه إلى الصلاة بين يدي الله عزَّ وجلَّ.

فالأولى دالّةٌ على صدقه، لقوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

والثانية دالّةٌ على حبِّ الله تعالى، وحبِّ لقائه.

فالمؤمنُ المخلِص دائمُ الشوق إلى الصلاة، فلا يخرج من الصلاة الأولى حتى يعيش حالةَ انتظار الثانية، كما يتعلّق قلبُه بمكان أدائها – بيتِ الله – فيشتاق إلى المكان واللقاء معًا.

ومَن يعيش هذه الحالة يكون – بلا شك – تحت كنف الله تعالى ورعايته، وفي حفظه وعنايته. ومَن كان كذلك فلن تؤذيه حرارةُ المحشر، ولن تُصيب قلبَه حسرة، بل سيكون ممّن يُظلُّهم الله بظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، ومنهم:

  • إمامٌ عادل.
    ● شابٌّ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
    ● مَن كان «قلبُه معلَّقٌ بالمساجد» (رواه البخاري ومسلم).

فالتعلّق ببيت الله تعالى هو في حقيقته تعلّقٌ بالله سبحانه، وهذا يجعل المؤمنَ متأثّرًا بنفحات القرب الإلهي، فيحزن ويتحسّر إذا شغله شاغلٌ عن الصلاة في المسجد، ويتألّم لفقدان بيت الله أكثر من تألّمه لمرضٍ أصابه أو مصيبةٍ حالت بينه وبين المسجد.

وربّما رجَا الشفاءَ قائلًا بلسان حاله ومقاله:

«يا ربِّ، أريد الشفاء لأصلّي في بيتك، أريد الشفاء لأقوم الليل، فهذا المرضُ أقعدني عن الصلاة».

فطوبى لمن كان أُنسُه بالصلاة والمسجد، وكانت وحشتُه من كلِّ ما يمنعه أو يعيقه عن الالتزام بذلك.

Layer-5.png