الحياة الحقيقية تبدأ من هنا – ليلة ٩ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ الذرية، الموهبة، الهداية… كلها (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا)؛ دور الوالدين جزئي ومحدود، بينما التكوين الحقيقي في الأرحام، وشقّ السمع والبصر، وتزيين الإيمان في القلب هو فعل الله؛ من يعترض على نوع الذرية أو ينسِب صلاح الولد لتربيته فقط بعيد عن فهم (وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِ).
القدرة على القيام من السجود، والمشي في مواكب العزاء، واستعمال الأطراف، ليست أموراً بديهية؛ كثيرون يتمنون سجدة واحدة على الأرض ولا يقدرون بسبب العجز أو الأطراف الصناعية؛ وكذلك التوفيق للصلاة، والبكاء في المجالس، وبرّ الوالدين، كلها مجالات يتجلّى فيها معنى «لا قوة إلا بالله» عملياً.
اليد أداة تنفيذ، والمراكز الحركية في الدماغ مجرد موصلات؛ المحرك الأعمق هو القلب الذي يعشق ويريد؛ إذا امتلأ القلب بحبّ غير الله، سَهُلَ كسر حدود الدين والقانون لأجله؛ من هنا فمرض الحسد أو التكبر أو الشهوة ليس في الظاهر، بل في «قلب غير مرئي» لا يراه إلا الله وعزرائيل ساعة القبض.
الروح والقلب الباطني لا يُدخلان إلى غرفة عمليات مادية؛ لا يمكن استئصال «غدة الحسد» بسكّين جراح؛ تُستشعَر آثاره في الاحتراق الداخلي والحقد والاضطراب، لكن لا يُرى؛ العلاج يكون بالتوبة والاستغفار المستمر «تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب»، لأن المعاصي تترك رائحة معنوية تأنف منها الملائكة لو كُشف الغطاء.
من يجد نفسه بلا عزيمة، ولا قدرة على مقاومة الشهوات، كالمقاتل الذي نفدت ذخيرته فيرفع قميصه علامة استسلام؛ هنا يحسن أن يرفع اليدين ويقول: «يا مستنقذ الغرقى استنقذني مما أنا فيه»، ويعامل المجالس الحسينية كغرف عمليات غير مرئية تعالَج فيها هذه الأمراض بدمعة صادقة.
من ربيع الأول إلى أول المحرم قد تتراكم الذنوب الكبيرة، لكن البكاء على الحسين «يحطّ الذنوب العظام» كما في كلمة الإمام الرضا؛ لذلك لا يُيئِس ماضٍ مثقل من رحمة الله، ما دام باب البكاء الصادق على المظلوم مفتوحاً.
الوجود الداخلي المتبعثر يشبه برادة الحديد المتناثرة؛ عند الاقتراب من مغناطيس قوي تنتظم وتتماسك؛ الانجذاب الصادق للحسين عليه السلام وقضية كربلاء يوحّد شتات الإنسان ويجعله «مستقيماً في هديه»، بعد أن كانت صلاته وفكره وعلاقاته متفرّقة بلا جامع.
«خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة» ليس تخويفاً بل تصوير لكون الموت ملازماً، بل زينة لأهل الشهادة؛ كما أن القلادة تجمّل صدر الفتاة، كذلك الموت في سبيل الله يجمّل حياة المؤمن؛ عند الحسين وأصحابه طعم الموت «أحلى من العسل»، فهو قلادة فخر لا نهاية مأساوية.
الشهيد «حيّ عند ربّه يُرزق»، يعيش مقام «العندية» المقرب من الله، يفرح بما أُوتي، ويستبشر بمن يلحق به من الأحياء، حتى كأن شوقه لرفاقه المؤمنين أعظم من شوقه لنعيم الحور والقصور؛ يجتمع الشهداء في البرزخ، يدعون للأمة، ويُسهمون في نصرة المؤمنين في الدنيا بما يشاء الله، فيكون عملهم بعد الشهادة أوسع من عملهم في الحياة.
موت العارف أو المجاهد في سبيل الله ليس خسارةً للأمة؛ هو انتقال من ميدانٍ مقيّد إلى ميدانٍ أرحب، حيث تكون يد الشهيد «مبسوطة» في عالم البرزخ، يشتغل بالدعاء وتدبير الخير بإذن الله؛ لذا ينبغي أن يُحزَن على النفس المحرومة لا على الشهيد الذي نال «عند ربهم يُرزقون».
إذا كانت هذه كرامة الشهيد العادي، فمكانة «سيد الشهداء» أعظم؛ لم يترك شيئاً لنفسه يوم عاشوراء: قدّم الرضيع، والغلام، والأخ، والخاتم في إصبعه، وأعرض عياله للسابي؛ من قدّم كل هذا لله يستحيل أن يُحرم من عطاء الجنّة، ولذلك يدخل برحمته من لم يكن يُظَن أنه من أهلها.
وصف الإمام الحسين ابنه علي الأكبر عليهما السلام «كلما اشتقنا إلى رسول الله نظرنا إليه»؛ فقد كان علي الأكبر مجمع شبَه النبي خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وسلوة قلب أبيه في أرض الغربة؛ لذلك كان إرسالُه للميدان مصحوباً بدموعٍ حبيسة انفجرت، وقبضٍ على شيبةٍ مضرجة بالجراح، في مشهد يهتزّ له العرش.
بعد القتال يعود الأكبر عليه السلام يشتكي: «ثقل الحديد أجهدني والعطش قتلني»، ولا يطلب إلا شربة ماء؛ فيضع الحسين عليه السلام لسانه في فم ولده ليخبره أن عطشه أشد، ويعده بشربةٍ لا يظمأ بعدها أبداً؛ فيربط بين عطش الأب والابن، وبين ماء الفرات ومهر فاطمة، وبين الحرمان الدنيوي والريّ الأبدي.
سقوط الأكبر عن الفرس، ودخول الفرس الملطخ بالدم إلى معسكر العدو، ومن ثم احتشاد السيوف عليه حتى قُطِّع إرباً، يجسّد قمّة القسوة التي واجهها الحسين عليه السلام؛ ومع ذلك يظلّ الوداع مشحوناً بكلمات تسليم: «لقد استرحت من همّ الدنيا وغمّها، وبقي أبوك وحيداً فريداً»، فيُعلَّم أن الشهادة راحة من همّ الدنيا وإن بقيت جراح الأحياء.