Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

– (اَلْحَمْدُ للهِ الْفاشي في الْخَلْقِ أَمْرُهُ وَحَمْدُهُ ، الظّاهِرِ بِالْكَرَمِ مَجْدُهُ ، الْباسِطِ بِالْجُودِ يَدَهُ ، الَّذي لا تَنْقُصُ خَزائِنُهُ ، وَلا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إلاّ جُوداً وَكَرَماً ، إِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ الْوَهّابُ)..

إن الملاحظ في هذه الفقرة من دعاء الافتتاح بأن هنالك تركيز وتذكير بالكرم الإلهي.. فالوجود برمته هو انعكاس لهذا الكرم الإلهي ، فمن كرمه أنه أخرج الوجود من ظلمة العدم إلى نور الوجود.. إن رب العالمين كرمه ، كرم لا يحد ولا يوصف ، كما نقرأ في دعاء رجب : ( يا من يعطي من سأله !.. يا من يعطي من لم يسأله ، ومن لم يعرفه ؛ تحنناً منه ورحمة !.. ) يا له من جود وكرم !.. إن رب العالمين عطاؤه لا فقط يمتد لعباده المؤمنين ، سواء كان بسؤال أو بغير سؤال ؛ بل حتى أولئك المنحرفون ، والذين ينكرون وجود الله عزوجل ، بل يحاربون أولياء الله عزوجل ، فهم متنعمون بنعم الدنيا ، ولعله أكثر من المؤمنين.. نعم، رب العالمين هكذا بسط يده بالجود..

والثمرة العملية لهذه المناجاة ، هي أن نتشبه بأخلاق الله عزوجل.. المؤمن لا ييأس أبداً ، أن يصل إلى درجة من درجات التكامل ، تنعكس فيها الصفات الإلهية في وجوده ، بحسب قدراته البشرية.. نعم، المؤمن يصل إلى درجة من درجات التكامل ، يصبح مظهراً لأسماء الله الحسنى ، ومنه الكرم..

إن المؤمن وجود كريم ، لا بمعنى الكرم في المال فحسب ، بل الكرم بمعناه الأوسع الأعم.. فالمؤمن ينفق مما آتاه الله عزوجل ، إن كان علماً ، أو جاهاً ، أو مالاً… وهذا الشهر الكريم ، هو شهر العطاء ، وشهر الإكرام ، وكما قلنا : إكرام كل واحد بحسبه..

ولا شك إن الإكرام الأكمل في هذا الشهر المبارك ، هو أن يأخذ الإنسان بيد عبد قد أرهقته الذنوب ، وأن يأخذ بيد عبد قد ضل الطريق.. فإن من أفضل صور التحبب إلى الله عزوجل ، سوق العباد التائهين إليه تعالى.. ولا ينكر بأن إفطار الصائم فيه ثواب كثير ، ولكن ما هو أعلى وأغلى وأجل من إفطار الصائم ، هو دعوة المفطر إلى الصيام ، وأن يسوق عبداً إلى ربه ، بعد أن أكثر من المعاصي ، وبما أوجب له البعد من الله عزوجل ، بكلمة يغير بها مجرى حياته ، فإن هذه الكلمة أوقع في ميزان أعماله من الإطعام الظاهري.. فالإطعام الظاهري يقيم ظاهر الإنسان ، بينما الإطعام الباطني الروحي -كما في قوله تعالى : {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} ، حيث فسر الطعام بأنه هو العلم الذي يأخذه- ، يحدد مصيره الأبدي شقاء وسعادة.

وعليه، فمن يريد أن يتشبه بالله عزوجل في كرمه ولطفه ، فينبغي أن ينظر إلى الحقول التي من الممكن أن يدخل فيها ، ليسوق العباد إلى طاعة الله عزوجل.. وكلما أحسنّا إلى العباد في هذا المجال ، كلما تنزلت علينا الرحمة الإلهية بأعلى صورها.. ومن أفضل صور الرحمة الإلهية ، أن يختار رب العالمين عبداً لنفسه.. يا له من مقام عظيم !.. ذلك المقام الذي خُص به الكليم ، حيث أختاره الله عزوجل لنفسه ، وصنعه على عينه ، واختاره لمناجاته..

نسأل الله عزوجل أن يجعلنا من هؤلاء ، بمنه وكرمه ، إنه سميع مجيب !.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.