بسم الله الرحمن الرحيم
أهمية الصلاة على الزهراء (سلام الله عليها)
لو تأملنا كتاب مفاتيح الجنان، لوجدنا فيه صلاة خاصة بكل إمام، وصلاة خاصة بالزهراء (س). لو سافرت في طائرة إلى مشهد الرضا (ع) لسمعت في الطائرة هذه الصلوات الخاصة به (ع). وبإمكانك أن تلهج بهذه التسليمات الجميلة إذا لم تُرد زيارة مفصلة. والصلاة التي ترتبط بالزهراء (س) هي كلام بليغ فيها إشارة إلى بعض مصائبها، وهي الصلاة الوحيدة من بين تلك الصلوات التي يُشار فيها إلى مصيبتها. فأنت لا تصلي عليها إلا وتخنقك العبرة لما جرى عليها وما كابدتها من المحن وقاسته من الصعاب. ولو لهجت بهذه الصلاة كل يوم أو في اليوم أكثر من مرة، فتوقع أن تُكرمك الزهراء (س) إكراما فريدا.
إنها صيغة جامعة مانعة للصلاة عليها وليس لها نظير من بعض الجهات. فنحن نقول فيها: (فَصَلِّ عَلَيْهَا وَعَلَى أُمِّهَا خَدِيجَةَ اَلْكُبْرَى صَلاَةً تُكْرِمُ بِهَا وَجْهَ أَبِيهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)[١]، ونذكر فيها أمها خديجة (س) ونطلب من الله سبحانه صلاة تناسب مقام النبي (ص) حيث تكون تلك الصلاة إكراما له.
لو علمت فضل هذه الصلاة لما تركتها
ولو علم كل واحد منا ما في هذه الصلاة من المعاني العظيمة للهج بها أيام حياته. وإذا ما أردت أن تلتزم بذكر ما، لابد وأن يكون مقترنا بحدث. ففي العتبات المقدسة يلهجون بدعاء الفرج بعد انتهاء الأذان، وليس هذا مستحب شرعي، ولكنها سنة حسنة تجعلنا في ذكر دائم لإمام زماننا (عج) فلا ننساه لاقتران ذكره بالأذان. فاجعل هذا السلام الفاطمي مقترنا بأوقات الطعام مثلا، لكي يُبارك الله سبحانه في ذلك الطعام. أو ليكن في قنوت صلاة الليل مثلا أو قبل الاستغفار أو بعده. إنني أعتقد أن الذي يُوفق للالتزام بهذا السلام الفاطمي ولو في اليوم مرة؛ فإن الزهراء (س) التي شعارها الجار قبل الدار، ستلتفت إليه بلا شك.
لم سميت الزهراء (عليها السلام) زهراء؟
لقد سُميت الزهراء (س) زهراء، لأنها كانت تزهر لأهل السماوات، فكما روي: (كَانَتْ إِذَا قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا زَهَرَ نُورُهَا لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ كَمَا تَزْهَرُ نُورُ اَلْكَوَاكِبِ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ)[٢]، وهذا النور كان معروفا في السماوات قبل خلق آدم (ع). ولهذا نقرأ في حديث الكساء أنها هي التي يدور عليها مدار التعريف عندما قال جبريل: ومن هم يا رب؟ فقال عز وجل: (هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها)[٣]. فقد أصبحت هي المدار إما إحتراما وتعظيما وإما أن نورها كان قد ملأ الآفاق. فإن كان نورها يزهر لأهل السماء وهي في هذه الدنيا؛ فكيف بنورها في الأخرى؟ وحقا قال الشاعر الذي أعتقد أنه يدخل الجنة بهذا البيت:
شَعَّتْ فلا الشَّمسُ تَحكيها ولا القمَرُ
زَهراءُ من نورِها الأكوانُ تزدهِرُ
حَوَتْ خِلالَ رسولِ الله أجمعَها
لولا الرّسالةُ ساوى أصلَه الثَّمَرُ[٤]
وهذه الأنوار قد خُلقت قبل أن يخلق الله هذا العالم ولك تكن وليدة الساعة، فنحن نقرأ في الجامعة: (خَلَقَكُمُ اَللَّهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا بِكُمْ فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ)[٥]. وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: (كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ اَلْمَاءِ وَاَلطِّينِ)[٦]. فكان لهذه الذوات الطاهرة تاريخ قبل خلق العالم ولذا قيل في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه؛ أنها هم (ع). فمن أحبها وأصبح عاملا، لحاز شيئا من هذا النور. إن مذكر الزهراء أزهر، ويُسمي البعض ولده أزهرا أملا بأن يدخل هذه النور إلى باطنه ويضيء له ظلمة نفسه.
المتخصص في الخطبة الفدكية في الغرب
تعرفت في إحدى البلدان الغربية على أستاذ جامعي له تخصص نادر وكان معنا في رحلة إلى مكان سياحي جميل حيث الماء الرقراق والطبيعة الخلابة؛ فتذكر عند رؤيته الماء عطش الحسين (ع) وتحولت رحلته السياحية إلى مجلس حسيني. لقد كان هذا الأستاذ متخصصا في الخطبة الفدكية، وكان يروج لها أينما ذهب بلسانه الطلق باللغة الأجنبية التي كان يتقنها، وكان يذكر من خلالها ظلامة الزهراء (س). فاكتشفت أنه قد أعطي من المزايا الباطنية ما لم يعط غيره وأنه ولي من أولياء الله. وكان قد بلغ الأربعين ولم يتزوج، فسألته عن علة ذلك وأنه محاط بالنساء في الجامعات، فما يمنعه عن التقدم لخطبة إحداهن؟
فأجابني بما لم يقنعني، فقال: إنني أرعى والدتي كبيرة السن وأخاف ان تشغلني الزوجة عن رعايتها والقيام بحقها. إنني وإن لم أقتنع بجوابه ولكنني أكبرته حيث قبل أن يضحي بنفسه في مقابل التفرغ لخدمة والدته العجوز التي كان يرعاها ويحنو عليها. وقد عزوت سبب ذلك إلى الحب الفاطمي الذي كان يحمله هذا الرجل في قلبه، وقلت: هل يُخشى على مثله من الانحراف؟ بل أصبح حجة على الشباب الذين هاجروا إلى بلاد الغرب. فلا يحق لأحدهم يوم القيامة أن يقول: لقد كنت في بلاد الغرب حيث لا واعظ ولا مسجد ولا موكب ولا ما شابه ذلك من مجالس الهداية؛ فصحابنا قد حاز كمالا من دونهن وأصبح مستقيما.
من الذي كان يُحدث الزهراء (سلام الله عليها)؟
ومن أسمائها ما روي عن الإمام الصادق (ع): (لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا اَلسَّلاَمُ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ اَللَّهِ تَعَالَى: فَاطِمَةُ، وَاَلصِّدِّيقَةُ، وَاَلْمُبَارَكَةُ، وَاَلطَّاهِرَةُ، وَاَلزَّكِيَّةُ، وَاَلرَّاضِيَةُ، وَاَلْمَرْضِيَّةُ، وَاَلْمُحَدَّثَةُ، وَاَلزَّهْرَاءُ)[٧]. والمحدثة من أسمائها التي نخاطبها بها في زيارتها: (اَلسَّلاَمُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا اَلْمُحَدَّثَةُ اَلْعَلِيمَةُ)[٨]. وما أجدرنا أن نسمي بناتنا بهذه الأسماء الطاهرة بدلا من الأسماء التي لا معنى لها.
وقد يتسائل البعض قائلا: ومن الذي يُحدثها؟ هل هو جبرئيل مثلا؟ هل هو عالم من العوالم؟ فأقول: من العالم الذي استقت منه مريم (س) بعض المعلومات. إن الذي نادى مريم (س) وقال: (يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ)[٩] يحدث الزهراء (س) بطريق أولى. فقد كانت مريم سيدة نساء زمانها والزهراء (س) سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين. وهذا الاسم خاص بها ولم يُنقل لمعصوم غيرها ولا ننفي أن يكون المعصومون محدثون وإنما لم يُنقل عنهم ذلك. فقد انقطع الوحي بوفاة النبي (ص) وأخذ جبرئيل إجازة حيث انتهت مهمته؛ ولكن الله يفعل ما يشاء ويختار، وهو صاحب القرار في إنزال جبرئيل حتى بعد انقطاع الوحي.
لماذا نزل جبرئيل على الزهراء (سلام الله عليها)؟
وقد يكون سبب نزول جبرئيل عليها ما روي: (إِنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ يَوْماً وَكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا وَكَانَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهَا وَيُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا وَمَكَانِهِ وَيُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا وَكَانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَكْتُبُ ذَلِكَ فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا اَلسَّلاَمُ)[١٠]. إننا نستشف من هذه الرواية عظمة المصاب الذي وقع على الزهراء (س) بوفاة النبي (ص). عندما تقطع الشجرة تبقى أوراقها وأغصانها طرية بعد يوم أو يومين ثم تذبل بعد ذلك تدريجيا. إن الزهراء (س) هي غصن النبي (ص) فذبلت (س) بعده سريعا.
بالطبع لم يستطع النبي (ص) في عالم البرزخ أن يرى ما عملت الأمة بابنته (س) ولا يتخذ موقفا ولذلك أذن رب العالمين أن ينزل جبرئيل عليها يسليها ويحدثها وهو حبيب أبيها (ص) وكان يكتب أمير المؤمنين (ع) ما أتى به جبرئيل في مصحف. فيُمكن القول: أن أمير المؤمنين (ع) أصبح كاتبا للزهراء (س). وأخذ البعض يتهمنا أن لنا قرآنا غير القرآن الموجود والحال أنها معلومات من عالم الغيب دونها أمير المؤمنين (ع) وهي أغلى ما في مواريث الأنبياء عند إمام زماننا (عج) الذي يملك عصا موسى (ع) وخاتم سليمان (ع) وغير ذلك.
اجتنب الالتزام بغير المأثور وتصديق غير المعصوم
ومن موارد التأمل في سيرتها (س) الأدعية المأثورة عنها. من هذه الأدعية دعائها في يوم الجمعة وقد ذكره العلامة المجلسي المتوفى سنة ١١١٠ هـ وقد نقل عن الكفعمي صاحب البلد الأمين المتوفى سنة ٩٠٥ هـ. فهو دعاء يوثق بنقله وليس من صنع المنتديات الروحانية…! إنني أرى البعض من الناس يلتزمون بأدعية وأذكار لا تنتهي إلى المعصوم وإلى الجهات العليا المقدسة؛ فهي قد يكون لها تأثير ولكن في المأثور ما يُغني عن هذه الأمور. ترى الرجل مشغولا بيا حي ويا قيوم ثلاثين مرة بين الطلوعين وهو لا يدري من الذي أمر بهذا الذكر وما مصدره؟
هذا وقد يُصدر البعض ذكره بأمور قطعية تُسبب تزلزلا في الإيمان عند البعض؛ كأن يقول: من عمل بهذا أو التزم بالذكر الفلاني قطعا سيستجيب الله له أو يُشبعه الله عز وجل وما شابه ذلك. لقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (إِيَّاكَ وَاَلرِّئَاسَةَ فَمَا طَلَبَهَا أَحَدٌ إِلاَّ هَلَكَ فَقُلْتُ قَدْ هَلَكْنَا إِذاً لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا إِلاَّ وَهُوَيُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ وَيُقْصَدَ وَيُؤْخَذَ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلاً دُونَ اَلْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ وَتَدْعُوَاَلنَّاسَ إِلَى قَوْلِهِ)[١١].
فالإيمان بهؤلاء نوع من الصنمية. فتارة يكون الصنم من خشب أو من حجر.، وتارة تجعل إنسانا صنما تعبده من دون الله وذلك بأن تُصغي إليه لما روي: (مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ فَإِنْ كَانَ اَلنَّاطِقُ يَرْوِي عَنِ اَللَّهِ فَقَدْ عَبَدَ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ اَلنَّاطِقُ يَرْوِي عَنِ اَلشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ اَلشَّيْطَانَ)[١٢]. لا تعط سمعك لكل أحد في زمان كثر فيه المزيفون وقطاع الطرق إلى الله مهما نمق كلامه وزخرفه. فسوق الذهب في مكانه والذهب المموه كذلك كثير في الأسواق؛ فحذار من هؤلاء.
مضامين الأدعية تُغنينا عن الأسانيد
وإن كنا غير مطالبين بالسند في الأدعية المروية كدعاء الصباح وكميل والمناجيات الخمس عشرة ودعاء أبي حمزة وغيرها؛ فهل يستطيع أحد غير أمير المؤمنين أن ينشئ دعاء الصباح وفيه من المعاني العظيمة ما فيه؟ هل تصدر هذه الكلمات: (يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ وَتَنَزَّهَ عَنِ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِهِ وَجَلَّ عَنْ مُلاَئَمَةِ كَيْفِيَّاتِهِ يَا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَوَاطِرِ اَلظُّنُونِ وَبَعُدَ عَنْ مُلاَحظَةِ اَلْعُيُونِ)[١٣] وأمثالها من إنسان عادي؟
أقرب من تقرب وأوجه من توجه؛ هل ممكن ذلك؟
إن مما ورد في هذا الدعاء المأثور عن الزهراء (س) في يوم الجمعة: (اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِنْ أَقْرَبِ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ وَأَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ وَأَنْجَحِ مَنْ سَأَلَكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ)[١٤]. وهذه الفقرة من دعائها يشبه فقرة في دعاء أمير المؤمنين (ع) في ليلة الجمعة: (اِجْعَلْنِي مِنْ أَحْسَنِ عِبَادِكَ نَصِيباً عِنْدَكَ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ)[١٥]. وهذا هو الطموح الذي ينبغي أن تعمل على تحقيقه. لا تفكر في أن تكون أغنى الأثرياء ومن الأبطال مثلا وما شابه ذلك فحسب؛ بل تمنى أن تكون من أحسن العبيد نصيبا عند الله وأقرب من تقرب إليه كما ذكرت الزهراء (س).
قد يقول قائل: وهل يستجيب الله سبحانه لي هذا الدعاء، فأكون من أقرب من تقرب إليه؟ نعم، ما المانع من ذلك؟ إذا لم تحصل على الأعلى، فسيعطيك العالي فهذا دأب الكريم. فقد تطلب من الملك خاتما من ماس فيقول لك: ليس لك عندي خاتم ماس وإنما سأعطيك خاتما من ذهب. فقد لا تستحق أقرب من تقرب أو أوجه من توجه؛ ولكن يعطيك شيئا عظيما بدل ذلك.
دعاء للعرفاء نتشبه بهم في طلبه
ومن فقرات دعائها (س) ما يناسب حال الصديقين وكبار العرفاء والأولياء والمتقين وهو قولها (س): (اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِمَّنْ كَأَنَّهُ يَرَاكَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ اَلَّذِي فِيهِ يَلْقَاكَ)[١٦]. ما أعظم هذه الكلمات من سيدة عظيمة انتهكت حرمتها. إن صاحب هذه الكلمات العظيمة والمعاني العالية هي التي كانت بين الباب والحائط في ذلك اليوم وهي التي كابدت من المصائب والمحن ما لو أنها صُبت على الأيام صرن لياليا.
إنها تطلب من الله سبحانه أن تكون ممن كأنه يراه. لقد قال موسى (ع) لله عز وجل: (رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِ)[١٧]. ولن للتأبيد؛ أي إلى الأبد لن تراني؛ فكيف تطلب الزهراء (س) الرؤية؟ إنها (س) لو تطلب الرؤية وإنما قالت: ممن كأنه يراك؛ أي تجلى لي في قلبي لا بعيني إلى يوم اللقاء يوم القيامة؛ لقاء الأنس والحب. وقد قال عز وجل لهؤلاء: (فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي)[١٨]، فهم عباده المميزون. إن الزهراء (س) تريد أن تفتح لك هذا الباب في الدنيا، وهو أن تصل إلى مرحلة تكبر فيها للصلاة، فترى في قلبك نورا وبهاء وجلالا وجمالا.
عندها لن تحتاج إلى من يذكرك بالصلاة أو يحثك على الصلاة الخاشعة، لأنه لا يُمكنك النظر إلى غيره في صلاة أو في غير صلاة. وما هي النتيجة؟ النتيجة قوله سبحانه: (وُجُوهࣱ يَوۡمَئِذࣲ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ)[١٩] وقوله عز من قائل: (وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا)[٢٠]. أحدهم كان يُدل على ربه قائلا: إلهي أريد لقياك ثم رؤياك ثم سقياك. ولابد أن يصل المؤمن إلى علاقة المحبة والأنس والقرب الشديد إلى خالقه.
سر الإخلاص في جميع الأعمال
ومما ورد في دعائها (س): (وَاِجْعَلْنَا مِمَّنْ أَخْلَصَ لَكَ بِعَمَلِهِ). لم تقل الزهراء (ع): واجعلني، وإنما قالت: واجعلنا في إشارة إلى إمكانية الوصول إلى هذا المقام من قبل الجميع. والإخلاص في يكون في الجلوة والخلوة، والمخلص لا يرى إحدا سوى الله عز وجل. لو كنت في حديقة حيوان بين القردة والأسود والفهود وجاء وقت الصلاة، كيف تُصلي؟ هل تخشى هناك من الرياء مثلا؟ هل يرائي أحد الحيوانات ويُقيم لها وزنا؟ هل ترائي من لا تراعي؟ والمخلص هو الذي لا يرى أحدا في هذا الكون وهو يعتقد أنه لا معبود سواه ولا مؤثر في الوجود إلا هو، ولذلك لا يخشى من الرياء.
عن هذه المغفرة ينبغي أن تبحث
ثم تقول الزهراء (س): (اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاِغْفِرْ لَنَا مَغْفِرَةً جَزْماً حَتْماً لاَ نَقْتَرِفُ بَعْدَهَا ذَنْباً وَلاَ نَكْتَسِبُ خَطِيئَةً وَلاَ إِثْماً). إذا أردت أن تستغفر الله؛ فاجعل لسان فاطمة (س) هو الذي يشفع لك إلى الله واستغفر الله بكلماتها، فإنها توجب سرعة الاستجابة. إننا نطلب في هذا الدعاء مغفرة جزما؛ أي المغفرة التي تعصمنا من أن نقترف ذلك الذنب مرة أخرى. وهي المغفرة التي تُزهدك في الحرام كزهدك في الميتة والحشرات مثلا؟ لو طلب منك أحدهم أكل الحشرات هل كنت تفعل؟ بل تسخر منه. إنك لا تحتاج إلى من ينهاك عن أكل الحشرات لأن نفسك لا تميل إليها. وأنت تطلب في هذا الدعاء أن تكون المعاصي كلها بالنسبة إليك كأكل هذه الحشرات. وهذا ممكن عندما تعتقد أن الغيبة أكل لحم أخيك ميتا وأن مال اليتيم نار تضطرم في أحشاءك والنظر إلى الأجنبيات سهم من سهام إبليس.
إنها (س) تطلب من الله المغفرة الباطنية لا المسامحة التي يُمكنك الحصول عليها تحت القبة. فبعد المسامحة تخرج من الحرم فترى امرأة فاتنة في شارع السدرة لتعود حليمة إلى عادتها القديمة. ماذا نفعك ذلك العفو؟ إنك بحاجة إلى ما ذكرته الزهراء (س): (مغفرة جزما، لا نقترف بعدها ذنبا)؟ وبعد هذه الفقرات تصلي (س) على أبيها ونفسها وبعلها وبنيها صلاة مميزة: (اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلاَةً نَامِيَةً دَائِمَةً زَاكِيَةً مُتَتَابِعَةً مُتَوَاصِلَةً مُتَرَادِفَةً بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ).
ما هو السر المستودع في الزهراء (س)؟
ومما ورد في الصلاة عليها؛ الصلاة على السر المستودع فيها، وقد اختلف العلماء حول هذا السر. فذهب البعض إلى أنه ولدها محسن السقط. فلو أن محسن (ع) لم يستشهد لكان من السادة الملايين اليوم ممن يُنسبون إليه كما يُنسبون إلى الحسن والحسين (ع) وكأنهم بقتله قتلوا ثلث أبنائها. ولكن شاء الله سبحانه أن تقع هذه الكارثة العظمى وأن تفقد الزهراء هذا السر المستودع فيها. وذهب البعض إلى أن هذا السر هو نور أئمة أهل البيت (ع) من الحسن والحسين والتسعة من أبناء الحسين (ع). إن من قرأ عن الكروموسومات أو الجينات الوراثية يعلم أن الولد السابع قد يحمل خصوصيات الأبوين بالتوارث. إن هذه الأنوار كانت في صلب أمير المؤمنين (ع) وفي فاطمة (س) الذين قال الله عنهما: (مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ * بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخࣱ لَّا يَبۡغِيَانِ)[٢١] ومنها انتقل إلى الأئمة (ع). ومن علمائنا من رأى أن السر المستودع هو الإمام الغائب (عج).