تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع) – ج8 – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ المؤمن الحقيقي يُنزِل نفسه في البلاء منزلة الرخاء، فيرى الحمى والصداع وحوادث الطريق إذا كانت في سبيل الطاعة كفّارات للذنوب ودرجات، لا مجرّد آلامٍ يضجّ منها.
إنّ من «كنوز البر» كتمان الوجع والمصيبة عن من لا يملك علاجًا، فلا يُحزن الأم والزوجة والناس ببثّ الشكوى، بل يتوجّه إلى الشافي الحقيقي قائلًا: «يا شافي، يا كافي، يا معافي».
إنّ أعظم المصائب فقدُ الولد الصالح الذي يُرجى خيره، لكنها تُعالَج بتسليم القلب لقضاء الله كما فعل يعقوب عليه السلام وغيره، ليكون هذا البلاء بابًا لرفعةٍ لا لمحو الإيمان من النفس.
إنّ الاعتراض القلبي على قضاء الله بقول «ليتني لم أذهب» أو «ليته لم يأخذ ولدي» يحمل في باطنه معنى تكذيب حكمة الله وعدله، وهو لون من ألوان الكفر الباطني الذي قد يحرم العبد ثواب الصبر وإن لم يُؤاخَذ على جهله.
إنّ جوهرة خطبة المتقين هي قول أمير المؤمنين عليه السلام: «عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم»، فمن امتلأ قلبه بعظمة الله صغرت في عينه الدنيا ومصائبها ومغرياتها جميعًا.
إنّ قلب المؤمن «حرم الله»، فلا يحقّ أن يسكنه غيره، فيجعل لطابق قلبه الأعلى خلوةً لا يدخلها إلا ذكر الله، ويجعل نزوله إلى شؤون الأهل والدنيا نزولًا مؤقتًا لا إقامةً دائمة.
إنّ تعظيم الله في القلب هبةٌ ربانية «يكشف بها الغطاء» عن البصيرة فيرى العبد حقائق الأمور، ويمكن طلب هذه الهبة بدعاء صادق: «يا رب، عظّم نفسك في قلبي، واكشف عن بصري حجاب الغفلة في الدنيا قبل الآخرة».
إنّ من أبلغ صور التوسّل والدعاء ما كان عفويًا صادقًا، ككلمة النبي يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض»، حيث قدّم دين الله على نفسه، فنزل النصر والملائكة المسوَّمة.