تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع) – ج3 – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ المشاعر العزائية والحب لأهل البيت عليهم السلام وقودٌ محرّك لا بناءٌ قائم بذاته؛ فهي كالنار المشتعلة في التنور، لكن من دون عجينٍ وعملٍ وبرنامجٍ عملي لن تقوم «خبزة» التديّن الحقيقي.
إنّ مواسم العزاء وليالي القدر والمشي إلى الزيارة نفحات إلهية عابرة، أشبه بالمطر الذي ينزل على أرضٍ قد لا تنبت إن لم يكن فيها بذر صالح وسقي مستمر، لذلك يجب اغتنام لحظات الاشتعال الروحي قبل أن تنطفئ حرارة القلب.
إنّ خطبة المتقين لأمير المؤمنين عليه السلام ليست مجرّد نص أدبي، بل منهاج عمل وأداة اختبار ذاتي؛ فمن كتب صفاتها ووضعها مقابل حاله سيكتشف بكل وضوح مدى بُعده أو قربه من حقيقة التقوى.
إنّ من رحمة الله أن جعل الروايات والأدعية العظيمة نتيجة لسؤال عبّادٍ صادقين كهمّام وكميل وأبي حمزة، فخُلدت أسماؤهم لأنهم فتحوا لنا أبوابًا من المعرفة، وقد يكون ثوابهم أعظم من كثير من المقاتلين؛ لأنهم قدّموا للأمة زادًا مستمرًا عبر القرون.
إنّ كل علمٍ لا يحمل عبرةً ولا يورِث بكاءً وخشية هو «علم لا ينفع»، ومراكمة المعلومات لمجرّد المعرفة الذهنية تصبح وبالًا إذا لم تُترجم إلى خوفٍ من الله وإصلاحٍ عملي للنفس.
إنّ من أعظم موجبات القرب إلى الله أن يُؤذى المؤمن في سبيله؛ فالصبر على التهمة أو الأذى أو الاستهزاء بسبب الالتزام الديني يُختزن رأس مالٍ منظورٍ عند الله، وقد يكون أثره في الرفعة أعظم من كثرة الصوم والصلاة بلا أذى.
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قدّم في صفات المتقين «غضّ البصر عمّا حرّم الله» بوصفه من أوائل العلامات، لأن العينين بوابة كبرى إلى القلب، ولأن الابتلاء بالنظر المحرّم يمتد اليوم إلى أعمار الأربعين والخمسين والستين ولا يقتصر على الشباب.
إنّ الحواس منافذ وارداتٍ وصادرات للروح؛ فالعين والأذن تستجلبان الصور والأصوات، واللسان يصدر البضاعة الداخلية، ولهذا كان الصمت الواعي يحفظ طاقة القلب والعقل، بينما كثرة الكلام تستنزف هذه الطاقة وتكشف الفقر الباطني.
إنّ الصمت من غير مرضٍ نفسي ولا فراغٍ فكري علامةٌ على عمقٍ داخلي، ولذا تُشير الرواية إلى أن من رأيتموه «صموتًا» فادنوا منه، لأن من يجلس طويلًا ساكتًا ثم يتكلم فيصيب عين الحقيقة هو الأحق بأن يُستمع إليه ويُتعلَّم منه.