Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

* الاستحلال من الخلق:
حاول قبل السفر طلب براءة الذمة من ذوى الحقوق، فإن وجود مظلوم في البين، مما يمكن أن يمنع العطاء وخاصة من جهة الأقربين، وهذا لا يعد من صور تحمل الذل، لأن طبيعة الناس على تفهم هذا النحو من الاستحلال.. فكما لا ينال العهد الإلهي للظالمين، فكذلك بالنسبة للبركات الخاصة، فإنها نفحات لا تعطى للظالم لنفسه أو غيره.

انعدام تأثير المقتضي لوجود المانع:
من المعلوم في عالم التأثير أن هنالك ثلاثة عوامل:
أولا: وجود المقتضي، وهو ما منه الأثر.
ثانيا: وجود الشرط، مثلا: المجاورة والاقتراب من المقتضي.
ثالثا: انتفاء المانع.
فعلى سبيل المثال: لاحتراق الورقة: لابد من وجود النار المقتضي للإحراق، وتحقق الشرط بمجاورة واقتراب الورقة من النار، وانتفاء المانع بعدم وجود الرطوبة على الورقة.

ومن المعلوم أن المقتضيات عند المؤمن كثيرة، ولكن لا يتحقق الأثر لوجود الموانع.. ففي المشاهد نحن ندعو عند المعصومين (ع)، ولكن لابد من رفع الموانع أيضا أثناء الدعاء.. لأن موانع استجابة الدعاء عند المعصوم، هي نفسها التي عند رب العالمين، فلا اثنينية أبدا بين طريق الله تعالى وطريق أهل البيت (ع)، أي أن الزائر إذا كان عنده مانع من موانع الاستجابة عند الله تعالى، فإن هذا المانع بنفسه أيضا موجود عند المعصوم.. لأنهم هم الصراط الأقوم، وعلي (ع) ميزان الأعمال كما نقرأ في الزيارة، وهؤلاء يرضيهم ما يرضي رب العالمين.
فالزائر لابد أن يعلم قبل الزيارة أن هناك موانعا من القبول، ومنها ظلم العباد، وخصوصا الأقربين؛ وأنه إذا كان يدعو على الظالمين وهو ظالم لغيره، فكيف يتوقع الإجابة؟!.. فالإنسان الظالم لغيره، إذا ابتلي بعدو ظلمه، ودعا عليه في المشهد عند المعصوم، فمن الممكن أن يقول له رب العالمين: أنا كيف أهلك ذلك الظالم لك، وأنت ظالم لغيرك؟!.. فإذا كان البناء على تعجيل العقوبة للظالمين، فأنت من الظالمين أيضا!..

فعليه، لابد من إرضاء الخلق بما أمكن.. ولا يخفى أنه قلما يوجد إنسان ليس في ذمته تبعة العباد، من جهة الغيبة والانتقاص القولي.. فالبعض يظن بأن الاستحلال يقتصر على المسائل المالية فقط، مثلا: إذا سرقت من إنسان مالا، أو أتلفت له مالا، فيجب عليك أن تبرئ ذمتك.. والحال أن هتك المؤمن وإسقاطه اجتماعيا من الأعين-أو كما يعبر عنه بقتل شخصيته لا شخصه- لعله عند الله تعالى ليس بأقل من الإتلاف المالي.. حتى أن بعض الناس قد يسامح في المسائل المالية، ولكنه لا يسامح في هتكك لعرضه مثلا، وكما قال الشاعر:

جراحات السنان لها التئام***ولا يلتام ما جرح اللسان

الاستحلال الإجمالي:

ولهذا فإن من الأمور المحبذة قبل الزيارة، الاستحلال الإجمالي من مظالم العباد.. لأن الاستحلال الصريح قد يوجب مفسدة، فمن الممكن أنك إذا اعترفت أمامه بأنك اغتبته بكذا وكذا، أن يزداد الأمر سوءا، لأنه قد يعتقد أنك هتكته هتكا بليغا تخاف منه.. أما عندما تقول له: أنا مقدم على الزيارة، وسأدعو لك في المشهد الشريف، وأطلب منك براءة الذمة.. فهذا لا يوجب لفت النظر، وليس فيه ما يوجب الذل، لأنه أمر متعارف للزائر.

دور الظلم في منع الفيض الخاص:

لما أعطي إبراهيم (ع) مقام الإمامة، سأل أن يعطى هذا المقام أيضا لذريته، فجاءه الجواب بأنه لا يعطى للظالمين، كما قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}..

فيستفاد من المنطوق الظاهري للآية، أن الإمامة فيض خاص لا يعطى للظالم.. ولكن يمكن أن يفهم أيضا معنى خارج المنطوق، وهو إن الإنسان الظالم لا يتلقى العناية والهداية الخاصة، كما قال تعالى في آية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}..

ففي المشاهد المشرفة هناك هدايا لكل الزائرين، فالمعصوم يعطي هدية لكل زائر ولو كان من أفسق الفاسقين، ولكن هناك عطايا خاصة.. ومن هنا من المستحب في جوف الليل أن ندعو بهذا الدعاء: إلهي!.. تعرّض لك في هذا الليل المتعرّضون، وقصدك القاصدون، وأمل فضلك ومعروفك الطالبون، ولك في هذا الليل نفحاتٌ وجوائزٌ وعطايا ومواهب، تمنّ بها على من تشاء من عبادك، وتمنعها من لم تسبق له العناية منك.. فرب العالمين-وهو أكرم الأكرمين- له عطايا خاصة للبعض في جوف الليل، وكذلك المعصوم، فإن له عطايا خاصة لبعض الخواص من الزائرين.

فإذن، إن الظلم كما أنه مانع من تلقي فيض الإمامة كما في الآية، كذلك فإنه مانع من تلقي الهداية الخاصة من المعصوم.

المراد بالنفحات:

إن النفحات هي لطف إلهي زيادة عن المتعارف.. وللتقريب نذكر هذه المقدمة: من المعلوم أن التيار الكهربائي له شدة معينة تستخدم للقيام ببعض الأعمال المتعارفة، ولكن هذه الشدة إذا زيدت يكون لها آثار غير متعارفة، كالصعق الكهربائي مثلا.. ومن المعلوم ما ينتج من طاقة غير متعارفة، بسبب بعض التفجيرات الداخلية في الذرة.. ففي عالم الطبيعة نحن نلاحظ هذا التفاوت في الدرجات، فهناك طاقة متعارفة وغير متعارفة، وهناك إشعاع متعارف وغير متعارف كالليزر الذي يقص الحديد.

وكذلك في عالم التجليات الإلهية، فهناك تجل أصلي وهو نعمة الوجود، وهناك تجل مضاعف.. ففي يوم عاشوراء حتى شمر قاتل الإمام الحسين (ع) أعطي نعمة الوجود، فنعمة الوجود-بمعنى إعطاء مستلزمات إدامة الحياة والبقاء في هذه الدنيا- موزعة على الجميع.. وحتى نلاحظ أن النعم المادية الدنيوية متفاوتة، فالكرة الأرضية فيها أراض يابسة، وفيها أراض جميلة معشوشبة، وأن هذه النعم أعطيت للنصف الشمالي من الكرة الأرضية، أكثر من النصف الجنوبي، فرب العالمين أغدق على أمريكا وأوروبا النعم العامة، أكثر مما أغدقه على الفقراء في أفريقيا مثلا.

فالتجلي في عالم الوجود المادي على درجات، وكذلك التجلي في عالم المعنى، فرب العالمين في عالم العطاء المعنوي له هبات زائدة عن الهبات المتعارفة، ولكن هذه الهبات لا تعطى جزافا، إنما لها حكمة، وإلا فالحكيم لا يضع الشيء المميز في موضع غير مميز.

وقد ذكر القرآن الكريم إشارة لهذا التجلي، في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}.. إن رب العالمين لما تجلى للجبل-أي رفع من مستوى طاقة النظرة الإلهية لهذا الوجود- جعله دكا، ولم يتحمل موسى (ع) رؤية ذلك التجلي الإلهي العظيم فخر صعقا. فالنفحات عبارة عن هذه اللفتات الزائدة عن اللفتة العامة لكل البشر.

أظلم الظلم ظلم النفس:

إن الظلم على قسمين: ظلم النفس، وظلم الغير.. ومن مصاديق ظلم النفس، ارتكاب الحرام في الخلوة بين الإنسان وربه، فالذي ينظر في جوف الليل إلى منظر محرم، فهو لم يعتد على أحد، ولم يمارس الحرام مع أحد، ولكنه ظالم لنفسه..

ولا شك أن ظلم النفس من أقبح صور الظلم، فالإنسان قد يعذب عدوا له، أما أن يعذب ابنه فهذا يعد في دائرة الشذوذ.. فإن النفس من أحب الأشياء إلى الإنسان، والذي يعمل ما يوجب لنفسه العذاب في نار جهنم، فهذا من أظلم الناس، ومن أظلم ممن ظلم نفسه!.. ومن الواضح أن الإنسان الذي يظلم نفسه، إنسان في منتهى درجات عدم الفهم؛ لأنه يرتكب ما يوجب العذاب لنفسه التي بين جنبيه.

*********************

* اجتناب الغافلين:
لا تسافر مع الغافلين أو الفاسقين، فإن طبيعة الرفقة توثر في قسوة القلب، لأن المرء على دين خليله كما ورد، إلا إذا كان من أجل الإرشاد.. ولكن لا بد من الحذر من جهة هذه النية، فإن القدرة على تغيير مسيرة العباد، يحتاج إلى توفيق خاص، وهو لا يكون إلا للعاملين لا العالمين، والفاعلين لا القائلين.

تجنب اصطحاب الغافلين والفاسقين:
الغافل هو: الإنسان العاصي المرتكب للحرام والتارك للواجب.. ويتفق أن بعض العصاة حتى في أثناء السفر للمشاهد المشرفة، لا يلتزم ببعض الواجبات ويرتكب بعض المحرمات.. ومن الواضح أن مصاحبة إنسان في السفر للزيارة بهذه الصفات: بذيء اللسان، ويفحش في القول، ولا يتورع عن اغتياب الآخرين، حيث يريد الإنسان التقرب إلى الله تعالى، خلاف للمنطق ونقض للغرض.

وأما الغافل فهو إنسان مؤمن، ولكن يغلب على حياته جو الهزل والنوم والكلام الكثير.

ولا يخفى أن الرفقة الصالحة في السفر، مما يحفز الإنسان للأعمال التي تقربه إلى الله تعالى.. ونحن لاحظنا في حملات الحج كيف أن الحجاج في الغرفة الواحدة يحفز بعضهم بعضا، فترى أحدهم يحب أن ينام زيادة عن حاجته، فصاحبه يوقظه للذهاب إلى بيت الله الحرام؛ أو يحب أن يأكل كثيرا، فصاحبه يحذره من آفات الطعام الكثير.. فمن صفات المؤمنين أنهم يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، كما في سورة العصر.. وقد ورد إن: (أقل ما يكون في آخر الزمان: أخ يوثق به، أو درهم من حلال).

فإن لم يجد الإنسان رفقة صالحة، وكان لابد من السفر، فليذهب لوحده، ومن المعلوم بأن الذهاب بمفرده له مزية: فإنها فرصة للخلوة مع النفس، وإن ما ينتاب الإنسان من حالة الغربة والاستيحاش، لمن دواعي الالتجاء والتوجه إلى الله تعالى وإلى المعصوم أكثر وأكثر.

أسباب قسوة القلب:

من المعلوم أن هناك أسبابا متعددة في قسوة القلب، وفي هذه الرواية عن الرسول الأكرم (ص) إشارة إلى بعض منها: (أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء، ومماراة الأحمق، ومجالسة الموتى.. فقيل: وما الموتى يا رسول الله؟.. فقال: كل غني مترف هذا ميت الأحياء).
فنفهم من هذه الرواية التحذير من مجالسة المترفين، والملفت التعبير عنهم بالموتى!.. ففي نظر أهل الدنيا أن هؤلاء من أسعد السعداء، ولكنهم في حكم الموتى في نظر الرسول الأكرم (ص)!.. ولو أن إنسانا جعل في غرفة مغلقة مع ميت، فإنه يكاد يفقد عقله!..
والرواية تذكر أيضا إن من الأسباب في قسوة القلب، محادثة النساء.. ولكن هذا الأمر ليس مطلقا، ليتجنب الرجل عن الحديث حتى مع زوجته وبناته.. بل إنه لخصوص النساء الأجنبيات، لأنه لا يؤمن من انقداح بعض المشاعر السلبية من كلا الطرفين، ولهذا نلاحظ أن القرآن الكريم يأمر النساء بعدم الخضوع في القول، لئلا يطمع الذي في قلبه مرض.
فعليه، إن من اللازم للمؤمن تجنب الجلوس مع الغافلين، والسفر معهم.. فإن الجلوس مع الغني المترف ساعة من الزمان، يوجب قسوة القلب، فكيف إذا سافرت معه سفرة سياحية إلى بلاد الاستمتاع؟!.. فلو أن إنسانا في قمة درجات التقوى والإقبال القلبي، وذهب أسبوعا مع إنسان غافل إلى بلاد يغلب عليها الاستمتاع المادي المجرد، فإن هذا قطعا يرجع بقساوة القلب.

اصطحاب الغافلين بقصد الإرشاد:
أما إذا كانت صحبة الغافلين والسفر معهم بنية إرشادهم، فهنا أمر آخر، بل إنه قد يرجح، ولكن لمن له القدرة على التأثير في الناس وتغيير مسيرة حياتهم، ولا يتأثر بسلوكياتهم.. فالبعض هو كالشمس مشعة بذاتها ولا تأخذ إشعاعا من غيرها، وكالماء الكر لا يتنجس بل يطهر ما يقع فيه.. فإذا كان الإنسان كذلك، فأكرم به وأنعم، فلا بأس أن يصاحب الفاسق على أمل أن يرشده.. ولكن لابد أن يكون له أمل بإرشاده، وإلا فإذا كان ممن ختم الله تعالى على قلبه، فلا داعي حتى لصرف الوقت معه.

مقومات التأثير:
لا يوجد تلازم بين المعلومة وبين العمل بها، فكم من عالم غير عامل!. فليس الأمر إلا مجرد عملية نقل للمعلومات من ذهن إلى ذهن، فالمتكلم لما يتكلم ينتقل كلامه من خلال الهواء على شكل أمواج صوتية، فتطرق طبلة الأذن، ثم تنتقل عبر السلسلة العصبية إلى الجهاز المدرك.. فإذا كان صاحب الفكرة لا يعمل بها، فبطريق أولى أن من تنتقل إليه لا يلازم علمه العمل بها.
وهذا بخلاف أصحاب النفوس المستنيرة بنور الله تعالى، فأحدهم عندما ينظر إلى الطرف الآخر، فبنظرته يوجد فيه تغييرا، وكأن روحه الشفافة تطل من نافذتي عينيه، فكما يقال أن نافذتي الروح على الدنيا هما العينان، فمن خلال العين يؤثر الإنسان في الغير.. فالمؤمن بنظرته وبابتسامته، بل حتى بملامح وجهه، من الممكن أن يوجد تأثيرا في الطرف المقابل.. أو ما يعبر عنه هذه الأيام بلغة الجسد، أو لغة الإيحاء، أو الحاسة السادسة.. ومهما اختلفت التعابير فإن المقصود أن هناك تأثيرا أنفسيا على الغير، لا عبر الوسائط المادية.

ومن السيئ أن يكون الإنسان عالما وغير عامل، ولكن الأسوأ أنه يبرز علمه للغير، فيكون هذا العلم حجة عليه، ولا يزيده إلا مقتا من رب العالمين، بموجب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.. فالمؤمن عليه أن يكون عالما عاملا، ليؤثر في الناس من خلال الإشارة، لا من خلال الكلام الطويل العريض.

*********************

* الواسطة في جلب الزائرين:
حاول أن تكون مؤثرا في جلب الزوار إلى الحرم الشريف، وخاصة ممن لم يوفق للزيارة أصلا.. فإن الإمام سينظر إليك قطعا عندما تكون وسيطا في جلب الزوار إليه، وخاصة إذا كانوا على مستوى عال من المعرفة والالتزام.. وحاول أن تطلب منهم الشفاعة بينك وبين مولاك!.

اصطحاب الآبقين في الزيارة:
إن الملاحظ وجود هذه السنة الطيبة عند بعض المؤمنين-الذي زار المعصومين (ع) مرات عديدة، وعلم بالمداخل والمخارج وطريقة السفر- وهي أنه عندما يذهب للزيارة، يصطحب معه من لم يزر أصلا.. لأن البعض يتهيب من الزيارة، فهو يحفزه، بأخذه معه، وبتبرعه له بمال السفر.
وكم هي حركة جميلة، بأن نأخذ عبد من عباد الله إلى المعصوم، وخاصة إذا كان من الآبقين، ممن يسير على طريق غير مستقيم، ولا شك أنها من موجبات القرب عند ذلك المعصوم.
إن البعض يشتكي من سوء في زوجته أو ذريته، وحاول معهم السنوات الطوال في تغيير مسيرتهم، ولكنه لم يوفق.. فمن المناسب لو يأخذهم إلى المعصوم، وليقل: يا مولاي، هؤلاء ضيوفك، جئت بهم إليك، لقد تعبت في إرشادهم ولكن بلا جدوى!.. أشكوهم إليك، وأرجوك أن تتولاهم بنظرتك الكريمة!..
وإن رب العالمين له طرقه في إصلاح عباده، ومن المعلوم أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، ومن أسمائه الحسنى الهادي، ولا شك إن هذه الحركة لها دور في إرجاع الآبقين إلى الطريق الصحيح.

نظرة المعصوم للزائر:
نحن لا نقطع بنظرة الإمام بلا دليل، بل من باب اليقين بكرمهم.. ونحن نلاحظ أن البعض يقطع المسافة الطويلة لزيارة أحد كرماء الدنيا، ويتفق أن الكريم لا يقتنع بقضاء ما يريده من الحاجة، أو يرى أن الشخص لا يستحق، ولكنه يقول إنه ما دام قطع هذه المسافة ليقصدنا، فلابد أن نعطيه ما سأله.. إن المعصوم من كرام الدنيا والآخرة، وعندما تأتيه من مسافة بعيدة، وتطلب منه أي طلب، فما الذي يمنعه من العطاء؟..
إن البعض يتعجب من العطاءات الإلهية الكبرى مقابل أعمال بسيطة، فمثلا: عندما يقال إن قراءة سورة التوحيد ثلاث مرات تعدل ختمة القرآن الكريم، فإنه لا يصدق، ويقول: كيف يعقل ذلك مع الاختلاف الكبير في الجهد المبذول!..
وكذلك العتق من النار مقابل الحج، كما ورد في الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه).. ومن المعلوم هذه الأيام أن الحج أمر سهل وميسور، ويمكن للإنسان أن يحج في خمسة أيام لو ذهب لمكة من اليوم السابع إلى اليوم الثاني عشر.. فالحج في هذه الفترة القصيرة، ماذا يكلف الإنسان بدنيا أو ماليا، ولكنه مقابل ذلك يرجع كيوم ولدته أمه.
إن الذي يتعجب ويشك في هذه الأجور الكبرى، إما أنه يشك في قدرة الله تعالى، أو في كرمه!.. فهو كريم، وهو قادر، فما المانع أن يعطي هذا العطاء العظيم، ما دام بناؤه على التكرم والتفضل؟..
فإذن، إن الإنسان عندما يلتجئ إلى المعصوم في حاجة من الحوائج، يكاد يقطع بنظرة المعصوم والتفاتته إليه.

اصطحاب ذوي العلم والمعرفة والصلاح:
إن المؤمن-كما قلنا- من الجميل أن يأخذ معه للزيارة عبد آبق، إذ لعله يهتدي إلى الطريق بنظرة الإمام إليه.. ولكن أيضا كم من الحسن والجميل جدا أن يأخذ الزائر معه عالما أو عارفا أو وليا من أولياء الله الصالحين، فيتبرع له بالزيارة، ويكون في خدمته، ويصطحبه إلى المشاهد المشرفة.. فأنت عندما تأخذ بيد إنسان يحمل في قلبه حب الله ورسوله، فإن هذا بلا شك من موجبات التفاتة المعصوم، ومن موجبات العطاء المضاعف.

طلب شفاعة المعصوم:
إن بحث الشفاعة بحث مفصل، وإجمالا نقول: إن من مقاصد الشفاعة أمرين:
أولا: بيان فضل المعصومين (ع):
إن رب العالمين أراد أن يبين فضل أوليائه من خلال الشفاعة، وإلا فهو الذي يعتق الرقبة من النار، ولكنه جعل هذا الأمر منوطا بتفضل ذلك المعصوم، بيانا لفضله.. كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}.. فرب العالمين هو الغفار، فلماذا جعل استغفار الرسول (ص) في جنب استغفار الله تعالى؟.. إنه أراد بذلك أن يبين فضل نبيه (ص).. وكذلك الشفاعة، فإن من مقاصدها أن رب العالمين أراد أن يبين فضل بعض أوليائه، من خلال إجراء العفو وقضاء الحوائج على أيديهم.

ثانيا: خجل العاصي من ربه:
لا شك أن العاصي لكثرة معاصيه، لا وجه له عند رب العالمين، ولهذا فهو يلتجئ إلى من لهم وجاهة عند الله تعالى، ليكونوا واسطة بينه وبينهم.. وهذا أمر متعارف في حياتنا اليومية، فمن الطبيعي أن الإنسان عندما يرى بأن الصلة منقطعة بينه وبين الطرف الآخر، أن يأخذ واسطة في البين، فمثلا: الولد عندما يذنب في حق أبيه، ويعيش حالة الخجل من مواجهته، وطلب العفو منه، فإنه يذهب إلى أمه، لما يرى أن لها وجاهة عند الأب.

فالإنسان لفرط معاصيه يعيش حالة الخجل والمسكنة، ومن هنا فإنه يلجأ إلى الوسيلة، فيقول: اللهم!.. إن كانت الذنوب والخطايا قد أخلقت وجهي عندك، فلم ترفع لي إليك صوتا، ولم تستجب لي دعوة، فإني أسألك بك يا الله، فإنه ليس مثلك أحد، وأتوسل إليك بمحمد وآل محمد (ص)، ولا تحرمني حين أرجوك يا أرحم الراحمين.

وقد ورد عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
وورد عن الصادق (ع) أنه قال: دخل رسول الله (ص) على فاطمة (ع)، وعليها كساء من جلة الإبل، وهي تطحن بيدها وترضع ولدها.. فدمعت عينا رسول الله (ص) لما أبصرها، فقال: يا بنتاه، تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله تعالى علي: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}.
وقال الصادق (ع): رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد.
وروى حريث بن شريح، عن محمد بن علي بن الحنفية أنه قال: يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، وهي والله الشفاعة، ليعطاها في أهل لا إله إلا الله، حتى يقول: رب رضيت.

وفي رواية أخرى تشير إلى أن الزهراء (ع) هي أيضا كأبيها صاحبة شفاعة كبرى، حيث أنها تشفع إلى من أحسن إلى ذريتها من السادة الكرام، ولو لم يكن من شيعتها.. فما أوسع دائرة شفاعة النبي وآله (ص)!.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.