الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

مظاهر تجلي العشق الإلهي في كربلاء

إن عاشوراء هي حركة متميزة في تاريخ الإسلام، بل من أعظم الحركات في الحياة البشرية!.. ونحن هذه الأيام نعيش العِبرة والعَبرة في مصيبة الإمام الحسين (ع).. فكما أن الاستماع للقرآن الكريم من دون إنصات؛ يوجب قساوة القلب، كذلك الاستماع لمصائبهم (ع) وكأنها قصص مأسوية دون تفاعل؛ توجب قساوة القلب أيضاً.

إن الذي تجلى في كربلاء هو بكلمة واحدة: نفي الإنية والذات.. إذ أن مشكلة بني آدم منذ خلق؛ هي حب الذات وحب النفس.. عندما يصف علماء العرفان والأخلاق الرتب الكمالية العليا، يذكرون مرحلة الفناء والاندكاك في الله -عز وجل-.. فبمقدار ما يستقيم العبد في الصراط المستقيم إلى الله -عز وجل- يُعطى مقام الولاية، ويُعطى مقام الاندكاك والفناء.. ففي يوم عاشوراء هذه الذوات أذيبت وانصهرت في بوتقة الحسين (ع)؛ ليقدمها بين يدي الله عز وجل.. ومن هنا قال: (فإني لا أعلم أصحاباً؛ أوفى ولا خيراً من أصحابي).

لماذا هذا التوفيق، وما العوامل التي جعلت هؤلاء الثلة من المؤمنين، يصلون إلى هذه الدرجة؟..
إن السبب في ذلك يعود إلى عوامل ثلاثة، هي:

العامل الأول: استغلال الفرص.. إن المؤمن صياد الفرص؛ لأنّ الفرص تمرّ مرّ السحاب.. حيث أن هناك فرصا متاحة للتكامل لكلّ عبد، ولكنها فرص قليلة.. يقول الإمام الهادي (ع): (الدنيا سوق: ربح فيها قوم، وخسر آخرون)، فالمؤمن يترقب هذه الفرص الاستثنائية، ليحقق التكامل في حياته، وليكسب أعلى الأرباح في هذا السوق.. قد يعيش الإنسان في هذه الدنيا سنوات طويلة، ولكن لا تأتيه صفقات مربحة، كـ: وقوف أمام شهوة، أو كظم لغيظ، أو تقديم قربان بين يدي الله عز وجل.. أما أصحاب الحسين (ع)، فقد استغلوا تلك الفرصة التاريخية في حياتهم؛ وفازوا هذا الفوز العظيم!..

العامل الثاني: الجو العام.. لماذا يؤكد الإسلام على صلوات الجماعة، وصلاة الجمعة، وعلى حضور المساجد؟.. عندما يقع العبد في الأجواء العبادية المحفزة لوجود الجو الجماعي، يجد في نفسه قدرة مضاعفة على العبادة، لم يعهدها من نفسه، بل لم يتوقعها منها.. وذلك لأن الجو الجماعي للطاعة، يشجع الإنسان على القيام بالعمل الصالح، لأن طبيعة الإنسان التأسي بالصالحين، كما أنها تتأثر بعدوى الفساد من الغير.. ومن هنا حثت الشريعة على صلاة الجماعة لما في ذلك من إشاعة جو الاستباق إلى الخيرات، وتحصين الفرد في ضمن الجو الإيماني العام.. وهذا ما يفسر الهيئة التي اكتنفت أصحاب الحسين (ع) في يوم عاشوراء، (وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة، ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد).. هذا الجو الجماعي؛ كان له دور في صهر هذه المجموعة المؤمنة.. ولو أن أحدهم وضع في صحراء قاحلة، ليس فيها هذا الجو المثير؛ لما خرج أمثال: حبيب، وزهير، وبرير، وجون، والحر، وما شابه ذلك.. وبالتالي، علينا أن نهتم بما أوتينا من قوة في تهيئة المناخ المناسب، لبروز الملكات والطاقات، وتحول القابليات إلى فاعليات في حياة الأمة.

العامل الثالث: القيادة الرشيدة.. إن عمل الإمام (ع) متنوع، باعتباره القيادة الواعية الرشيدة، التي تريد تطبيق الإسلام.. فالحسين (ع): بكلماته، وبنظراته، وبحركته: قبل عاشوراء، وبعد عاشوراء؛ تمكن بقيادته الرشيدة من استغلال هذه الذوات.. وهذه مأساة تنحية الأئمة عن قيادة الأمة، فالأمة فيها ملكات وطاقات كبيرة جداً؛ ولكنها تحتاج أمثال: علي والحسن والحسين (ع) كي يستغلوا هذه الطاقات.. عندما يظهر الإمام (عج) لا يأتي بجيش من عالم آخر، بل يأتي بالجيش وبالقيادات من هذه الأمة.. عندما تكون القيادة في الأمة قيادة سماوية إلهية؛ الأمور تختلف كلياً.

فإذن، إن وجود الحسين (ع) مع هذه الذوات المقدسة الطاهرة، وعلى أرض كأرض كربلاء، وفي مواجهة مع أعتى الظالمين؛ هي التي أفرزت هذا العنصر، الذي لم يعهده التاريخ من قبل.

إذا أردنا أن نصف ما جرى في كربلاء بعبارة موجزة، فإن من خير ما يقال في هذا المجال: أن الذين حضروا تلك الواقعة، لم تبق لهم ذوات حاكمة في قبال مرضاة الله سبحانه وتعالى.. وهذا هو مقام الفناء في الله، الذي طالما طرحه القوم نظرية في عالم التصور، إلا أنها تحققت على صعيد كربلاء في فتية صدقوا ما عاهدوا الله -تعالى- عليه.

إن هنالك صورا من التضحية والفداء، كانت في يوم عاشوراء، يقف الإنسان مدهوشاً أمامهـا!.. منها:

– برز وهب بن عبد الله الكلبي، وكان نصرانياً ومعه أمه وزوجته، فأسلموا على يد الحسين في أثناء الطريق، ورافقوه إلى كربلاء.. فأقبلت أمه وقالت: يا بني!.. قٌم وانصُر ابن بنت رسول الله.. فقال: أفعل يا أماه ولا أقصّر.. فقتل جماعة منهم، ثمّ رجع إلى أمّه وقال: يا أماه ارضيِ عنّي؟.. فقالت: ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الحسين، فقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني في نفسك، فقالت أمه: أعزب عنها ولا تقبل قولها، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله؛ تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.. فرجع فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً وعشرين راجلاً، ثم قطعت أصابع يده، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي!.. قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردّها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن تحرّضينني؟..

قالت: يا وهب!.. لقد عفتُ الحياة منذ سمعت نداء الحسين ينادي: واغربتاه!.. واقلّة ناصراه!.. أما من ذابّ يذبّ عنّا؟.. أما من مجير يجيرنا؟.. ثم استعان وهب بالحسين، وقال: سيدي ردّها، فقال الحسين: (جزيتم من أهل بيت خيراً)!.. إرجعي إلى النساء يرحمك الله، فانصرفت، وقتل وهب ورموا برأسه إلى عسكر الحسين، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته وجعلت تمسح الدم من وجهه وهي تقول: الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك -يا ولدي- بين يدي أبي عبد الله الحسين.. ثم رمت بالرأس، وأخذت عمود الخيمة، فقال لها الحسين: “ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”.. فذهبت امرأته تمسح الدم والتراب عن وجهه وهي تقول: هنيئاً لك الجنّة!.. فبصر بها شمرٌ، فأمر غلامه فضربها بعمود فقتلها.. هي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.

إن نصرة الحسين (ع) تكليف شرعي، ولكن لا مانع من إرضاء الجميع، فهذا ليس فيه إشراك بين الله وبين العبيد.. وهب قام بتكليفه، وفي نفس الوقت أراد أن يحرز رضا أمه.. لذا، ينبغي للشاب عندما يذهب إلى المسجد أو إلى المأتم، كي يرضي رب العالمين؛ أن يذهب إلى أمه، ويطلب رضاها ودعاءها له بالتسديد.. فليس هذا من الرياء المبطل للعمل.

ما دام هناك تكليف شرعي، يجب على الإنسان أن يدع العواطف جانباً.. فزوجة وهب لم تكن تحمل تلك البصيرة التي تحملها الأم؛ ولكن تغلبت البصيرة على عواطف الأمومة والزوجية.. كانت الزوجة تقول: لا تفجعني بنفسك!.. ولكن انظروا إلى عمل الجو العام الذي كان سائدا، كيف حول تلك الزوجة، وجعلها تستغل الفرصة!..

– إن الإنسان الذي ينزف دما، هذا الإنسان يفقد مشاعره، بسبب غلبة الآلام التي تسيطر على تفكيره، فلا تجعله يفكر تفكيراً سليماً.. ولكن تأمل في الولاء المذهل لولي الأمر، حتى في اللحظات الأخيرة من الحياة التي يذهل فيها العبد عن كل شيء!.. عندما يتحول المبدأ إلى ركن في حياة الإنسان، فإنه لا ينسى مبدأه حتى في اللحظات الأخيرة.. (فسقط إلى الأرض وبه رمق.. فمشى إليه الحسين، ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين (ع): رحمك الله يا مسلم!.. {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا}.. ثم دنا منه حبيب فقال: يعزّ عليّ مصرعك يا مسلم!.. أبشر بالجنة، فقال له قولا ضعيفا: بشّرك الله بخير، فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمك.. فقال مسلم : فإني أوصيك بهذا!.. وأشار إلى الحسين (ع) فقاتلْ دونه حتى تموت)!..

– إن البعض ظهيرة يوم عاشوراء، قد ينشغل بشيء من العزاء واللطم، وما شابه ذلك؛ ويؤجل الصلاة.. كيف نوفق بين هذا العمل، وبين موقف أبي ثمامة الصيداوي في يوم عاشوراء؟.. (فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان، فيبين ذلك فيهم لقلّتهم، ويُقتل من أصحاب عمر العشرة، فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.. فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين (ع): يا أبا عبد الله!.. نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة.. فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرتَ الصلاة!.. جعلك الله من المصلين، نعم هذا أول وقتها).

مع الأسف هنالك من ينظر إلى كل ما يتعلق بأهل البيت (ع)، وكأن هذه المعالم هي في قبال معالم التوحيد!.. بينما هما وجهان لعملة واحدة!.. إنه لمن الظلم الفاحش أن نجعل لأهل البيت (ع) حسابا، ولله -سبحانه وتعالى- حسابا آخر!.. وكأن الذي يذكر الحسين، ابتعد عن الله عز وجل، وكأنه ركز على شيء ما سوى الله.. هذا هو الحسين الذي كان في يوم عاشوراء، لا يفكر إلا في إقامة الصلاة بين يدي الله عز وجل، ويا لها من صلاة!.. (فقال الحسين (ع) لزهير بن القين، وسعيد بن عبد الله: تقدمّا أمامي حتى أصلي الظهر.. فتقدما أمامه في نحوٍ من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف، ورُوي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أما م الحسين (ع)، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلما أخذ الحسين (ع) يمينا وشمالا قام بين يديه، فما زال يُرمى به حتى سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهم!.. العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني!.. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك.. ثم مات رضوان الله عليه، فوُجد به ثلاثة عشر سهماً، سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح).

– إن العبد لا وزن له في منظور العرب تلك الأيام، وكان يعامل كالدابة والبهيمة.. فجاء الإسلام ليرفع هذه الفوارق، وقد برز من هؤلاء العبيد، شخصية باسم “جون” مولى أبي ذر.. نعم، أبو ذر لم يشهد كربلاء، ولكن ما وصل إليه جون، هو من بركات معاشرة أبي ذر؛ تلميذ أمير المؤمنين (ع).. (ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري، وكان عبداً أسود، فقال له الحسين: أنت في إذن مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا.. فقال: يا بن رسول الله!.. أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلُكم!.. والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود.. فتنفّس عليّ بالجنة؛ فتطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي؟.. لا والله!.. لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم).. انظروا إلى هذه الحالة من الذوبان، التي شملت العبيد في حياة الأمة، ببركة القيادة الرشيدة، وتربية تلاميذ علي (ع)!..

ويا سبحان الله!.. في يوم عاشوراء لكلٍ وسامه: الحر يقتل، فيقول الحسين: (يا حرّ!.. أنت حرٌّ كما سُميت في الدنيا والآخرة).. أما وسام جون، فكان دعاء الإمام له بتطييب ريحه: (ثم قاتل حتى قُتِل، فوقف عليه الحسين (ع) وقال: “اللهم!.. بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد”).. ورُوي عن الباقر (ع) عن علي بن الحسين (ع): (أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جونا بعد عشرة أيام، يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه).

إن صفة الذكورة والأنوثة من عوارض الأجسام، ولكن الروح تلك اللطيفة الربانية في الذكر والأنثى على حدٍ سواء.. يوم عاشوراء كانوا من جميع الفئات: الأم والزوجة، العبد والحر.. الأرواح لا أنوثة فيها ولا ذكورة، ولا مولى ولا عبد.. الأرواح نفحة من نفحات الله عز وجل، وسر من أسراره.. لذا، على الجميع أن لا ييأس في طلب العلا؛ فإن الله -عز وجل- لا ينظر إلى صورهم وأبدانهم، وإنما ينظر إلى قلوبهم: إذا رأى قلباً صالحاً للتكامل هيأه لمثل ذلك.

– ثم خرج شاب قُتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه، فقالت له أمُّه: اخرج يا بني!.. وقاتل بين يدي ابن رسول الله!.. فخرج فقال الحسين (ع): هذا شاب قُتل أبوه، ولعل أمّه تكره خروجه، فقال الشاب: أمي أمرتني بذلك… وقاتل حتى قُتل وجُزّ رأسه، ورمي به إلى عسكر الحسين (ع).. فحملت أمّه رأسه، وقالت: أحسنتَ يا بني!.. يا سرور قلبي ويا قرة عيني!.. ثم رمت برأس ابنها رجلا، فقتلته وأخذت عمود خيمته، وحملت عليهم… وضربت رجلين فقتلتهما، فأمر الحسين (ع) بصرفها ودعا لها.

– ثم برز بُرير بن خضير الهمداني بعد الحر، وكان من عباد الله الصالحين… وجعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا مني يا قَتَلة المؤمنين!.. اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين!.. اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين!.. وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا.. فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل، فقال لبرير: أشهد أنك من المضلّين.. فقال له برير: هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا، وأن يقتل المحقّ منا المبطلَ، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا، وضربه برير ضربة قدّت المغفر، ووصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا.. قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد، فقتَل بريراً رحمه الله.

إن الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الإسلام مع الحسين (ع) كانوا من شرائح مختلفة.. فمنهم من هو قديم العهد في الوفاء لرب العالمين: كحبيب بن مظاهر، ومنهم من هو جديد العهد بالهداية: كالحر بن يزيد.. ولكن العاقبة كانت واحدة، ألا وهي الاستقرار في مقعد الصدق عند مليك مقتدر، مما يدفع أحدنا لعدم اليأس مهما غرق في بحر المعاصي، فإن الأمور بخواتيمها!..

اغتنموا الرقة هذه الأيام، اغتنموا الدعوة بعد مجالس ذكر الحسين (ع).. فإن أبواب السماء تفتح، وفي عالم البرزخ: الزهراء وعلي والنبي من قبلهم، ينظرون إلى تلك الوجوه الطيبة التي تغرق بالدموع حزناً على مصاب سيد الشهداء (ع).

– ولما فُجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري، نادى: هل من ذابّ يذب ّعن حرم رسول الله؟.. هل من موحّد يخاف الله فينا؟.. هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟..
وارتفعت أصوات النساء بالعويل… دعا ابنه عبد الله ، فجعل يقبله وهو يقول: ويلٌ لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم!.. والصبيّ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين (ع)، فتلقى الحسين (ع) دمه حتى امتلأت كفّه، ثم رمى به إلى السماء.. ثم قال: (هوّن علي ما نزل بي أنه بعين الله).. قال الباقر (ع): (فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض، ثم قال: لا يكونُ أهون عليك من فصيل، اللهم!.. إن كنت حبستَ عنا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا).

إن الحسين (ع) لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة ونادى: (يا سكينة!.. يا فاطمة!.. يا زينب!.. يا أم كلثوم!.. عليكن ّمني السلام).. فنادته سكينة: يا أبه!.. استسلمت للموت؟.. فقال: (كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين)؟.. فقالت: يا أبه!.. ردّنا إلى حرم جدنا، فقال: (هيهات!.. لوتُرك القطا لنام)، فتصارخن النساء فسكتهن الحسين، وحمل على القوم.

فوقف (ع) يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف، إذ أتاه حجرٌ فوقع في جبهته.. فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره -وفي بعض الروايات على قلبه- فقال الحسين (ع): (بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله).. ورفع رأسه إلى السماء وقال: (إلهي!.. إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره)، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عُرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين (ع) بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانيا فلمّا امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته، وقال: (هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول: يا رسول الله!.. قتلني فلان وفلان).

ثم ضعُف عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل وانتهى إليه انصرف عنه، حتى جاءه رجل من كندة يقال له: مالك بن اليسر، فشتم الحسين (ع) وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس، فامتلأ دماً فقال له الحسين (ع): (لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين)!.. ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها -وقد أعيا- وجاء الكندي وأخذ البرنس -وكان من خز- فلما قدم بعد الوقعة على امرأته، فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته: أتدخل بيتي بسلَبِ ابن رسول الله؟.. اخرج عني حشا الله قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوء حال، ويبست يداه وكانتا في الشتاء ينضحان دما، وفي الصيف تصيران يابستين كأنهما عودان.

صوت المحاضرة: مظاهر تجلي العشق الإلهي في كربلاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى