زادك في دقائقزادك في دقائق

حق الأجير

حقوق العباد..
إن الذنوب المتعلقة بالله عز وجل، يكفي منها الاستغفار؛ ولكن ما يتعلق بالعباد، فلابد من إرضاء الخصوم!.. ومن مصاديق هذا المعنى هناك باب بعنوان: “ظلم الأجير”.. ومن موارد الظلم؛ الاعتداء على مال الغير وسرقته!.. فهذا التصرف العدواني قد لا يحدث كثيراً في أوساط المؤمنين؛ لأن المؤمن لا يغتصب حق الغير، ولا يسرق.. ولكن المشكلة هي في مسألة الأجير، وهذا ينطبق على الخدم في المنازل؛ فهؤلاء يعملون مقابل أجرة، ولا يعدون من طبقة العبيد والإماء.. ومع ذلك هناك -مع الأسف- من يتعامل معهم هكذا تعامل.

أولاً: التعامل.. لابد من مراعاة الإنصاف، ووجود اتفاق على ساعات العمل، وهذا أمر متعارف.

ثانياً: الأجرة.. يجب عدم ظلم الأجير أو العامل في أجرته التي يستحقها!.. فبعض الناس يرى أن الطرف المقابل لا ناصر له، ولا كفيل له، ولا وكيل له؛ فيساعده هذا الأمر على تجاوز الحدود.. والحال بأن الروايات في هذا المجال مخيفة، وانتقام رب العالمين كبير ممن يظلمون الأجير أجرته!..

1. قال الله عز وجل في حديث قدسي: (ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ)..

-(ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).. إذا كان الله عز وجل هو الخصم، فليتصور الإنسان ثقل القضية، وعظمة الموضوع!..

-(وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ).. أي أخذ منه ما يريد.

-(وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ).. عدم إعطاء الأجر يكون: إما بعدم إعطائه الأجر مطلقاً، أو بعدم إعطائه الأجر كاملاً، واقتطاع جزء منه.. ويحدث هذا أيضاً في موضوع بناء المنازل والبيوت، فهناك من يتعذر بأعذار واهية غير مقنعة، كي لا يعطي الأجير أجرته.

2. عن الأصـبـغ بن نباتة: كنت جالساً عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مسجد الكوفة، فـأتاه رجل من بجيلة يكنى أبا خديجة، قال: يا أمير المؤمنين!.. أعندك سر من سر رسول اللّه (صلی الله عليه) تحدثنا به؟.. قال: (نعم، يا قنبر!.. ائتني بالكتابة… مكتوب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أن لعنة اللّه، وملائكته، والناس أجمعين …. على من أحدث في الإسلام حدثاً، أو آوى محدثاً!.. ولعنة اللّه، وملائكته، والناس أجمعين، على من ظلم أجيرا أجره).. والطامة الكبرى أن الاختلاف يكون بمبالغ زهيدة، لا قيمة لها.. ولكن الإنسان عندما يصل إلى طعامه وشرابه؛ فإنه لا يبالي بالبذخ.. أما عندما يصل الأمر إلى محاسبة الأجير الفقير؛ فإنه يحاسبه على الدينار والدينارين.. فإن كان اقتصادياً: لمَ لا يقتصد في طعامه وشرابه، ويقتصد هنا في إعطاء الأجير أجره؟!.. لذا، إن كنا من أتباع أمير المؤمنين (عليه السلام) فلنتأمل هذه الرواية!..

-(لعنة اللّه، وملائكته، والناس أجمعين… على من أحدث في الإسلام حدثاً، أو آوى محدثاً).. إن الإنسان المبتدع، الذي له بدعة في الدين؛ هذا وزره عظيم جداً: يلعنه الله، والملائكة، والناس أجمعين!..

-(ولعنة اللّه، وملائكته، والناس أجمعين، على من ظلم أجيرا أجره).. إن الذي يظلم أجيراً أجرته، هو في كفة الإنسان الذي يحدث بدعة في الدين.

3. قال رسول الله (صلی الله عليه): (إن الله تعالى غافر كل ذنب، إلا رجل اغتصب أجيراً أجره، أو مهر امرأة ً).. إن الزوج الذي تطالبه زوجته بمهرها، وينكر عليها ذلك، هو كمن ظلم الأجير أجرته.. فالذي يأخذ حق الأجير، والذي يأخذ مهر المرأة، في كفة واحدة.. ومهر المرأة هنا قد يكون أعم من الدائم والمنقطع.

الدرس العملي:
إن حق الناس ليس بالأمر الهين، وإن كان عبارة عن: دينار، أو دينارين، أو عشرة، أو عشرين، أو مئة.. وذلك لأنه:

أولاً: هذا حكم الله عز وجل!.. والذي يستنكف عنه، لم يمتثل أمر الله عز وجل.

ثانياً: هناك هتك!.. فشرطي المرور الذي يشير على من يخالف قوانين السير بالوقوف؛ فإن لم يقف؛ يوجه له كلاماً غليظاً؛ لأنه هتك حرمة القانون.

ثالثاً: يجب أن لا ينظر الإنسان إلى صغر المعصية، بل عليه أن ينظر إلى من عصى!.. أوحى الله عز وجل إلى عُزير (عليه السلام): (يا عُزير!.. إذا وقعت في معصية، فلا تنظر إلى صِغَرها، ولكن انظر مَن عصيت.. وإذا أُوتيت رزقاً مني فلا تنظر إلى قلته؛ ولكن انظر إلى من أهداه.. وإذا نزلت بك بلية، فلا تشكُ إلى خلقي كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساويك وفضائحك)..

فإذن، إن القضية ليست قضية بسيطة، فالمعصية وزنها بحسب الظاهر هي ظلم الأجير بعشرة دنانير، ولكن النتيجة هي: عدم امتثال أمر الله عز وجل، وهتك حرمته، ومعصيته!..

التعويض..
إن الإنسان الذي تراكمت عليه تبعات مالية للآخرين، هناك طريقان لتدارك الأمر:
الطريق الأول: دفع الحقوق.. إن كان يعلم أصحاب هذه الحقوق، عليه بإرجاعها لهم، ولو بواسطة إن كان لا يحب أن يفضح سره، ويطلب من ذلك الشخص إبراء ذمته!..

الطريق الثاني: إبراء الذمة.. إن الإنسان الذي يكون في ذمته مبلغ من المال لأجير رجع إلى بلاده، وانقطعت أخباره؛ أيضا هذا أمره سهل في الدنيا: يدفع هذا المبلغ للمجتهد الذي هو وكيل الإمام، بعنوان: “أموال مجهولة المالك”؛ فهو بذلك يكون قد أبرأ ذمته.. وحتى الذي لا يتذكر ما له وما عليه، عندما يخمس ماله، ليضع عليه مبلغاً بعنوان: “رد المظالم، ومجهول المالك”؛ فهذا أمر حسن، في كل عام يحاول أن يصفي حسابه مع الخلق أولاً بأول؛ لئلا تتراكم التبعات!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى