زادك في دقائقزادك في دقائق

غض البصر

مشكلة النظر..
إن مسألة النظر والعين من المسائل المهمة في حياتنا المعاصرة، وذلك لأنه في الأزمنة القديمة، لم تكن هذه المسألة منتشرة؛ لأنه:

أولاً: كان النظر الحرام، يتوقف على الخروج من المنزل.

ثانياً: كانت الدائرة ضيقة، فرؤية امرأة فاتنة أو غير متحجبة، قد لا توجد إلا في الأسواق والأعراس.

ثالثاً: من كان يعيش في القرى في الأزمنة القديمة، لم يكن يجد أمامه منظراً مثيراً.

أما هذه الأيام: فإن الإنسان من الممكن أثناء تواجده في غرفة مغلقة -حيث لا يراه أحد- أن يقع بصره على الحرام من خلال التلفاز وغيره!.. وهذا الحرام من الأسباب المهمة في الخلافات الزوجية، وقد يؤدي إلى الانفصال.. فإدمان الزوج، أو الزوجة، أو كليهما على النظر الحرام؛ يجعل الإنسان يزهد في حلاله، بعدما يأنس بالحرام؛ وهذه عقوبة في الدنيا قبل الآخرة.. فالذين ينظرون إلى الحرام؛ عادة لا يستمتعون بحلالهم.. والإنسان الذي لا يستمتع بحلاله؛ من السهل أن ينفصل عنها!..

أحكام النظر..
أولاً: إن الإسلام دين الواقعية، أي إذا وقع نظر الإنسان -دون قصد- على الحرام بأسوأ صوره، كأن ينظر إلى ما لا يجوز كشفه؛ فإنه لا يحاسب على ذلك أبداً!.. فالنظرة الأولى التي لم تكن بقصد لا حساب عليها، وهذا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: (أول النظرة لك، والثانية عليك ولا لك، والثالثة فيها الهلاك).

ثانياً: إن الإنسان الذي يقع نظره على الحرام سهواً، كالذي يذهب إلى عاصمة غربية، فيتفاجأ بمنظر في تلك البلاد، ويغضّ بصره:

1. ليس فقط لا يجد قساوة في قلبه، بل يجد فيه حلاوة.. مع أنه نظر إلى الحرام الفاضح، ولكنه غض بصره؛ لذا فإن رب العالمين يكافئه على ذلك، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من نظر إلى امرأةٍ فرفع بصره إلى السماء، أو غمض بصره؛ لم يرتدّ إليه بصره حتى يزوّجه الله عزّ وجلّ من الحور العين).. مجرد أن يرجع الجفن العلوي على الجفن السفلي يزوجه الله عز وجل من الحور العين؛ أي نظرة واحدة بالحور العين!.. وعليه، فما قيمة أن ينظر إنسان: إلى امرأة أجنبية مع زوجها لثوانٍ، ثم تغيب عن البصر.. أو إلى امرأة في سيارة بجواره، تمشي بعد ثوان، ولا يعلم إلى أين ذهبت!.. فرق بين هذه النظرة، وبين تلك النظرة التي تزوج الإنسان بالحور العين أبد الآبدين!..

2. هنا -والله العالم- لعل هذه الحورية تختلف عن الحور العين المذكورات في القرآن الكريم، فامرأة فرعون آسيا قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾؛ هي لا تريد بيوت الجنة المتعارفة، إنما تريد بيتاً ربانياً عندياً؛ يكون لرب العالمين نظرة خاصة إلى هذا البيت.. فإذن، إن الحور العين على قسمين: حور لعامة المؤمنين، وحور يزوجهن رب العالمين لخواص المؤمنين.

ثالثاً: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال أربع كلمات، ينبغي لكل مؤمن أن يكتب هذه الكلمات، ويضعها في جيب ابنه الذي يريد أن يذهب إلى بلاد الغرب سواء للدراسة أو للسياحة، مع مبلغ من المال، ويقول له: هذا المال في جانب، وهذه الكلمات الأربع في جانب، قال (عليه السلام): (من غض بصره؛ أراح قلبه)؛ لأن الغليان الذي في قلوبنا، والشهوات التي في نفوسنا؛ هي لأننا نظرنا إلى ما نشتهي!.. لذا، فإن الشاب الذي لا يرى حراماً؛ فإنه: لا يشتهي حراماً، ولا ينام الليل يتقلب في الفراش وهو يفكر فيمن رآها، ولا يسعى للحديث مع من أعجب بها؛ فهذه المفاسد كلها من النظر!.. هناك بعض الشباب في زماننا هذا، وهو يعيش مع الناس، إذا أغمض عينيه لا يمكنه أن يتذكر امرأة أجنبية، لا يمر في ذاكرته إلا أمه وأخته وعمته وخالته!.. فإذن، لا عذر لمن يذهب إلى بلاد الغرب ويقول: ليس الأمر بيدي؛ بل هو المقصر.

رابعاً: إن النظر إلى الأجنبية حرام، ولكن هناك أموراً النظر إليها؛ تجعل الإنسان في طاعة.. جاء في بعض الروايات أن: (النظر في ثلاثة أشياء عبادة: النظر في وجه الأبوين، وفي المصحف، وفي البحر).

1. النظر في وجه الأبوين.. قال النبي (صلی الله عليه): (ما ولد بارّ نظر الى أبويه برحمة، إلا كان له بكل نظرة حجة مبرورة، فقالوا: يا رسول الله!.. وإن نظر في كل يوم مائة نظرة؟.. قال: نعم، الله أكبر وأطيب)!..

2. النظر في المصحف.. قيل للصادق (عليه السلام): (جُعلت فداك!.. إنّي أحفظ القرآن عن ظهر قلب، فأقرؤه عن ظهر قلبي أفضل، أو أنظر في المصحف؟.. قال (عليه السلام): لا، بل اقرأه وانظر في المصحف، فهو أفضل.. أما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة).

3. النظر في البحر.. إن المقصود -والله العالم- بالنظر إلى البحر، تلك النظرة التي تؤثر في كيان الإنسان، لا تلك النظرة الساهية.. ولهذا بعض المؤمنين عندما يُصاب بهمّ وغمّ، يذهب إلى البحر، فينسى همومه وغمومه؛ لأن النظر إليه من موجبات الاعتبار، طبعاً مع الذكر والدعاء!.. فالفائدة ليست فقط أخروية، ولكن أيضاً هناك فوائد دنيوية لمن ينظر إلى الماء الجاري وإلى الخضرة:

أ- قال الإمام الكاظم (عليه السلام): (ثلاثة يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن).

ب- قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أربع يضئن الوجه: النظر إلى الوجه الحسن، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الخضرة، والكحل عند النوم).

فإذن، إن الإسلام ليس دين الصومعة، بل لا مانع من الذهاب إلى البلاد الجميلة، والنظر إلى الماء الجاري، وإلى البحر؛ فهذه الأمور هي للبعض مقدمة للتدبر والتأمل!..

خامساً: إن العين تطلق على معانٍ كثيرة، منها: العين الباصرة؛ أي العين التي نبصر بها.. ومنها العين النابعة؛ أي الماء الذي ينبع من الأرض.. وتطلق أيضاً على الجاسوس؛ يقال: فلان بعث عيونه؛ أي جواسيسه.. (سئل أمير المؤمنين (عليه السلام): بما يُستعان على غمض البصر؟.. فقال: بالخمود تحت سلطان المطّلع على سترك، والعين جاسوس القلب، وبريد العقل، فغضّ بصرك عمّا لا يليق بدينك، ويكرهه قلبك، وينكره عقلك).. الجاسوس عمله نقل المعلومات التي فيها فتنة، والعين تنقل المناظر المحرمة التي توجب غليان القلب وافتتانه، وهي في سياق (من غض بصره؛ أراح قلبه)!..

سادساً: إن هناك رواية في كتاب البحار للعلامة المجلسي، يقول فيها النبي الأعظم (صلی الله عليه): (غُضُّوا أبصارَكُم؛ تَرَونَ العَجائبَ)!.. فالشاب الذي كلما نظر للحرام غض بصره؛ يرى العجب!.. ولكن من يغض بصره يوماً، وينظر يوماً.. والذي في الوطن لا ينظر، وفي الغربة ينظر؛ هذا قد لا يرى العجائب!.. إنما قطع النظر الحرام طوال الحياة، من الممكن أن يكون هو المصداق الأتم لرؤية العجائب!..

سابعاً: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكر، وإذا تكلم ذكر، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدة صبر.. فهو قريب الرضا، بعيد السخط، ينوي كثيراً من الخير، ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته كيف لم يعمل به.. والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا، وإذا استغنى طغى، وإذا أصابته شدة عصا.. فهو قريب السخط، بعيد الرضا، ينوي كثيراً من الشر، ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته كيف لم يعمل به).. فإذن، من صفات المؤمن أنه:

-(إذا نظر اعتبر): أي استفاد، فبعض الناس وهو في المقبرة؛ يضحك مع زميله؛ أي اعتبار هذا!..
-(وإذا سكت تفكر): بعض الناس عندما يسكت، يفكر في الحرام، أو يفكر فيما لا طائل تحته.
-(وإذا تكلم ذكر): أي الذكر النافع، أو تقديم النصيحة، أو ذكر الله عز وجل.

أما صفات المنافق، فهي عكس صفات المؤمن: (والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا).

ثامناً: عن النبي (صلی الله عليه): (يا أيها الناس!.. إنما النظرة من الشيطان؛ فمن وجد من ذلك شيئاً، فليأت أهله).. أي الإنسان الذي يُثار بمنظر، ليذهب إلى أهله!.. ولهذا التبكير في الزواج -هذه الأيام- للشباب قد يكون واجباً، فبعض الشباب بتأخيرهم الزواج يقعون في الحرام، وهذه معصية!.. لذا من رأى ولده على حافة الخطر، فليبادر إلى تزويجه، ورد في بعض النصوص، أن الأب الذي لا يزوج ولده، إذا وقع الولد في الحرام؛ فإن الأب شريكه في ذلك الحرام؛ لأنه كان بإمكانه أن يردعه بالتزويج ولم يزوجه.. عن رسول الله
(صلی الله عليه) أنه قال: (من أدرك له ولد، وعنده ما يزوجه، فلم يزوجه، فأحدث؛ فالأثم بينهما).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى