زادك في دقائقزادك في دقائق

مساكن لمترفين

رأي الشرع في مسألة بناء المنازل..
إن القرآن الكريم يقول في سورة “الأنبياء”: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.. أي هناك ترف في غير المسكن، وهناك ترف بخصوص المسكن.. وهذه الأيام مظهر الترف يتجلى عادة في البيوت، لذا فلننظر إلى رأي النصوص بالنسبة إلى هذه المسألة!..

أولاً: الحث على اقتناء منزل.. إن النبي (صلی الله عليه) وبأمر من السماء، يحث على اقتناء المسكن الواسع:
1. قال رسول الله (صلی الله عليه) كما ورد في كتاب الوسائل: (من سعادة المرء المسلم: الزّوجة الصّالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء، والولد الصّالح).. فمن ابتلاءات هذا العصر السكن في هذه الشقق الضيقة، التي ليست بصحية ولا شرعية، وبعض الأوقات لا يُعلم الليل من النهار فيها!.. ومن هنا كان المسكن الواسع من سعادة المرء، فهو في حالات كثيرة عون له على آخرته: فالإنسان الذي يقيم الليل، يستطيع الخروج إلى ساحة البيت، وينظر إلى النجوم، ويقرأ قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ﴾.. ومن يحب أن يختلي مع ربه في نافلة، أو في صلاة؛ فإن كان البيت ضيقاً، والغرف محدودة؛ يحرم من تلك الخلوة.

2. إن هناك رواية يستشف منها، أن المؤمن الذي عنده دار ملك؛ فذلك خير له من الإيجار!.. لأن المستأجر يعيش دائماً حالة التذلل والخوف من عدم إيجاد مكان مناسب للسكن، روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه قال: «مَنْ بَاعَ دَارًا، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي مِثْلِهَا؛ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهَا».. بينما هناك من يبيع منزله، ويدخل فيه سوق الأسهم والمضاربة؛ فيخسر البيت والسهم!..

3. قال الإمام الباقر (عليه السلام): (من شقاء العيش؛ ضيق المنزل).. طبعاً الإنسان الفقير الذي لا يمكنه سوى ذلك؛ هذا الإنسان ليس بشقي، إنما المقصود مع التمكن.

ثانياً: ذم المبالغة في البناء.. إن المسكن هو من أجل حماية الإنسان؛ من الحر والبرد، ومن أجل الراحة؛ فلماذا هذه الواجهة المبالغ فيها؟.. فالذم ليس في بناء المنزل، إنما هو في التزين؛ الذي لا قيمة له!.. بل هناك بعض الملاحظات عليه، منها:

1. هناك إشكال بالنسبة إلى مسألة الخمس، فالذي يبني منزلاً مبالغاً فيه، ولا يعلم أن هذا من مؤونته، فبأي مسوغ شرعي يقوم بهذه الزيادات وهذه التجميلات؟!..

2. إن هذه القضية ليست مقتصرة على زماننا هذا فقط، بل حتى في زمان النبي (صلی الله عليه) كان هناك من يبني بناء جميلاً بناء غير متعارف، فيه زيادة عن حياة الصحابة المستضعفين، فقد روي عن أنس بن مالك: “أن رسول الله (صلی الله عليه) خرج فرأى قبة مشرفة، فقال: (ما هذه)؟.. قال له أصحابه: هذه لفلان رجل من الأنصار.. فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها رسول الله (صلی الله عليه) يسلم عليه في الناس، أعرض عنه.. صنع ذلك مراراً حتى عرف الرجل الغضب فيه، والإعراض عنه.. فشكا ذلك إلى أصحابه، فقال: والله!.. إني لأنكر رسول الله (صلی الله عليه) قالوا: خرج فرأى قبتك.. فرجع الرجل إلى قبته، فهدمها حتى سواها بالأرض.. فخرج رسول الله (صلی الله عليه) ذات يوم فلم يرها، قال: (ما فعلت القبة)؟.. قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها.. فقال: (أما إن كل بناء وبال على صاحبه، إلا ما لا).. -إلا ما لا؛ يعني ما لا بد منه-“.

-(هذه لفلان رجل من الأنصار).. إن وضع الأنصار كان أفضل من وضع المهاجرين؛ لأنهم هم المواطنون الأصليون، بينما المهاجرون هم الوافدون الذين جاؤوا من مكة المكرمة.

-(فرجع الرجل إلى قبته، فهدمها حتى سواها بالأرض).. أنظروا إلى أخلاقيات هؤلاء!.. نحن نجل عامة الصحابة الذين اتبعوه بإحسان، هذا الصحابي لم يراجع النبي (صلی الله عليه) ولم يأمره النبي (صلی الله عليه) بشيء، ولكنه هدم ما بناه؛ احتراماً لرسول الله (صلی الله عليه) وخوفاً من إعراضه!..

-(إلا ما لا؛ يعني ما لا بد منه).. عندما يخطط الإنسان لبناء بيت؛ عليه أن يقتصر على المقدار الذي لابد منه!.. ولا بأس أن يبني لولده، لا أحد يمنعه من ذلك، ولكن عليه أن يكون متوسطاً في البناء.. ففي قلب أحد العواصم الكبرى، هناك مسجد مرتفع، دون أي زخارف، ولكنه بناء جميل ونظيف، لذا فإن الإنسان يصلي فيه بتوجه.

3. إن هناك رواية غريبة ولعل بعض العلماء يحتار في تفسيرها، قال النبي (صلی الله عليه): (من بنى بنياناً رياء وسمعة؛ حمله يوم القيامة من الأرض السابعة، وهو نار تشتعل، ثم يُطوّق في عنقه ويلقى في النار، فلا يحبسه شيء منها دون قعرها إلا أن يتوب، قيل: يا رسول الله!.. كيف يبني رياء وسمعة؟.. قال: يبني فضلاً على ما يكفيه، استطالة منه على جيرانه، ومباهاة لإخوانه)..

-(من بنى بنياناً رياء وسمعة).. أي إما زيادة من حيث أصل الحاجة، أو قد يبني بمقدار الحاجة، ولكن للتباهي!..

-(حمله يوم القيامة من الأرض السابعة، وهو نار تشتعل، ثم يُطوّق في عنقه ويلقى في النار).. نحن نعلم أن العذاب للعصاة، ولكن هناك عذاباً أيضاً لمن يبني بناء للتفاخر والرياء.

4. إن الإنسان يحاسب على هذا البناء، وإن كان من ماله الحلال؛ لأنه -والله العالم- الأموال الزائدة التي يتلاعب بها الإنسان في أكله ولبسه ومسكنه، يكون فيها عادة حق واجب، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ، واللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ).. فهؤلاء لا يبالون بمصادر أموالهم، فلعله من هذا الباب يحاسب الإنسان!..

5. عن علي (عليه السلام): (وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ، وَيَبْني مَا لاَ يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ، لاَ مَالاً حَمَلَ، وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ)!.. بدل أن يوسع قبره بالعمل الصالح؛ وسع من دار الدنيا!..

فإذن، إن المؤمن متوازن في كل أموره!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى