زادك في دقائقزادك في دقائق

من أقفال القلوب

آثار أكل الحرام..
إن بعض الناس لا يستمتع بماله، وقد يصرف ماله في أمر طيب، ومع ذلك فإن رب العالمين لا يبارك له فيه.. ومن أسباب ذلك، ما ذكره القرآن الكريم في سورة “الروم”: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ..﴾.. فالربا إذا دخل حياة الإنسان له آثار وخيمة.

أولاً: عدم النمو.. ﴿فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾؛ أي لا ينمو!.. إن بعض الناس له مال وفير، ولكنه يعاني من العقد والهموم والمشاكل، فليس له علاقة طيبة: لا مع زوجة، ولا مع ولد، ولا مع رحم، حتى الجار يشتكي منه؛ أي أن حياته كلها نكد.. والقرآن صرح بهذا المعنى عندما قال في سورة “طه”: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.

ثانياً: الختم على القلب.. إن بعض الناس يذهب إلى المساجد، وأيام محرم ينتقل من مجلس عزاء إلى مجلس عزاء؛ ولكن في مقام العمل لا يتغير؛ أي هذا إنسان مختوم على قلبه!.. ومن أسباب انغلاق القلب: أكل الحرام ومنه الربا، وهذا ما يؤكده كلام سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء عندما (أحاطوا بالحسين من كل جانب، حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج (عليه السلام) حتى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم!.. ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشَدين، ومن عصاني كان من المهلَكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع قولي، فقد مُلئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟!.. ألا تسمعون..)؟!.. أي أن هذا الحرام جعلكم تقاتلون ابن ابنة رسول الله (صلی الله عليه).

روايات الربا..
1. إن هذه الرواية من روايات الإخبار بآخر الزمان، روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه قال: (ليأتين على الناس زمان، لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا.. فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره)..

-(ليأتين على الناس زمان، لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا).. إن الربا -هذه الأيام- يأتي من الأموال المودعة في البنوك، ومن القروض الربوية.. حيث أن هناك من يستقرض من البنوك قروضاً ربوية محرمة لأبسط الأمور!..

-(فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره).. أي أن بعض الغبار من الممكن أن يصيب الإنسان، ولعل هذا الأمر ينطبق على الجوائز وغيرها.. فإذن، على المؤمن -في هذا العصر- أن يعلم أن الربا من أسباب الختم على القلب.

2. إن الروايات تنهى بشدة عن الربا، وعن التعامل به، فهي لا تلعن المرابي فقط، بل الشاهد أيضاً، كأن يأتي شاهدان يقولان: هذا الإنسان حسابه في البنك جيد، أو هذا تاجر عنده ثروة جيدة، فيوقعان على هذه الشهادة.. وبناء على تلك الشهادة، يُعطى الشخص الذي تمت تزكيته قرضاً ربوياً.. فقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «لعن رسول الله (صلی الله عليه) آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»؛ أي حتى هذا الموظف الفقير المسكين الذي يكتب المعاملة؛ هذا أيضا تشمله لعنة الله عز وجل.

3. إن بعض الناس مريض بالوسوسة، وهؤلاء قسم منهم وسواسه من باب المرض، وقسم وسواسه من الجهل بالأحكام، فلو عرف الأحكام الشرعية وأصالة الطهارة؛ لما عانى من هذا المرض.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التجارة: فبعض الناس يدخل في عالم التجارة وهمه الكسب والربح، لا بأس في ذلك؛ ولكن عليه أولاً أن يتعلم أحكام التجارة، ولا يكلفه ذلك إلا أسبوعاً واحداً، فسبع دروس كافية لفهم أحكام الربا، ولو دفع الإنسان مالاً لشخص كي يعلمه أحكام التجارة والبيع، لأنقذه من نار جهنم!.. فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (معاشر الناس!.. الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر!.. والله للربا في هذه الأمة؛ أخفى من دبيب النمل على الصفا)؛ أي أنه شيء جدًا خفي يدّب في حياة الإنسان.. لذا، فإنه ينبغي لكل من يريد أن يعمل بالتجارة، أن يتفقه في دينه أولاً، كي لا يرتطم بالربا، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (من اتّجر بغير فقه، ارتطم في الربا).

ملاحظات..
أولاً: للضرورة قدرها.. بعض الناس يبني بناء ضخماً زيادة عن حاجته، فيستقرض قرضاً ربوياً بدعوى الاضطرار.. في الدنيا قد يقول ذلك ولا يمانعه أحد، ولكن عند الصراط يعلم الصادق من الكاذب!..

ثانياً: صور تصحيح الربا.. إن الفقهاء الأبرار لهم بعض صور التصحيح للربا، حيث أن هناك شبهاً بين البيع والربا، فمثلاً: إذا أعطى إنسان قرضاً حسناً لشخص وهو يعلم أنه سيعطيه زيادة، فهو في مقام العمل كسب ربحاً، ولكن من دون اشتراط؛ هذا الأمر حلال!.. وكذلك إذا اشترى بضاعة نقداً وباعها قسطاً؛ صار هناك مرابحة؛ ولكنها محللة، فبدل أن يعطيه الألف بألف ومئتين، يشتري سيارة بألف ويبيعها بألف ومئتين قسطاً؛ هذا أيضاً جائز!.. على كل حال هناك بعض التصحيحات حتى للقروض الربوية التي في البنوك الكافرة مثلاً!..

ثالثاً: المخارج الشرعية.. إن هنالك بعض المخارج، لمن يريد أن يستقرض من البنوك.. لذا، فإنه يجب مراجعة وكيل المجتهد، ليسأل عن المخرج الشرعي.

لماذا التشديد في تحريم الربا؟..
أولاً: زوال المعروف.. شتان ما بين القرض الحسن والقرض الربوي!.. في القرض الربوي: لو تأخر الإنسان في الدفع، يأتيه إنذار، وبعد الإنذار يتضاعف الربح، وإن تأخر يدفع غرامة.. ويبدو هذه الأيام بعض القروض الكبيرة تقريباً يدفع ضعفها، أي يأخذ عشرة آلاف دينار -مثلاً- قرضاً ربوياً، وبعد فترة يردها عشرين ألفاً؛ فأين الربا من القرض الحسن؟.. ورد في الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: (إنما حرم الله عز وجل الربا؛ لئلا يذهب المعروف)، ومن المعروف القرض الحسن.. أما هذه الأيام فإن الربا هو الطبيعي؛ والقرض الحسن فهو الشاذ!..

ثانياً: تعطيل النشاط الاقتصادي في المجتمع.. هذا السبب يمكن أن يقال في المؤتمرات الاقتصادية، روى هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله الصادق (علیه السلام) عن علة تحريم الربا فقال: (لو كان الربا حلالاً؛ لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه.. فحرم الله الربا؛ لتفر الناس من الحرام إلى الحلال، وإلى التجارات من البيع والشراء..).. فإذن، إن الربا من موجبات الركود الاقتصادي، فالإنسان الذي عنده ثروة ضخمة، ومن خلال اتصال هاتفي يقرض هذا ويقرض ذاك قرضاً ربوياً، ويأخذ منهم الربا؛ هذا الإنسان لا يشجع السوق والعمل الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى