المؤمن

ماهية المؤمن في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- يجب على المؤمن أن يطلب الدرجات العليا، ويقنع بما يُعطى.. لأنه هو الخبير والبصير بقابليات العباد، وبما يستحقونه من قوتٍ، سواء في عالم المادة أو في عالم المعنى..

٢- إن الإنسان المؤمن لا يهمه الصيت، ولا التأثير الاجتماعي.. فإذا أراد الله عز وجل، يفتح له سبيل التأثير في الناس.. وقد يصطفيه لنفسه، ويلقي عليه عمدا عنصر الكتمان والجهالة، ليبقى مجهولاً بين الناس.. ولهذا أُمرنا أن لا نحتقر أحداً، فلعله الولي عند الله عز وجل..

٣- إن الموت بالنسبة للمؤمن، هو الانتقال إلى قاعة الاحتفالات الكبرى، لأخذ الجائزة من الله تعالى.. فشوقه للموت، أكثر من شوقه للحياة!..

٤- إن المؤمن يجب أن لا يتبرم من البلاء، ولكن بشرط أن لا يكون هو سبباً في ذلك البلاء.. فالإنسان الذي يسقط نفسه في المهالك، يكون قد خالف قول الله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.. فإذا أهلك نفسه، فلله -عز وجل- أن لا يؤجره على ذلك، إلا تكرماً ولطفاً وفضلاً..

٥- إن المؤمن يحاول أن يكتشف أين اللذة في حياته، ومصادر اللذة الباطنية.. ويحاول أن يؤنس نفسه بهذه الحلاوة الباطنية..

٦- إن حزن المؤمن رباني، وحزن رسالي.. فرب العالمين -بتعبير البعض- زبائنه قليلون، وزبائن الدنيا كثيرون.. فالسائرون إليه هم الأقل عددا في كل عصر..

٧- إن المؤمن وجوده الباطني كالكر، يدخل فيه الشيء النجس فيتطهر.. والمؤمن في شُغل عن أن يشغل باله في كل شيء..

٨- إن المؤمن شخصية محبوبة، ومن هنا يستغل هذا المدد الإلهي في هذا المجال، بالإضافة إلى أرضية الفطرة السليمة.. وبذلك يمكن أن يفتح القلوب المنغلقة، فلا ينبغي اليأس في هذا المجال..

٩- إن الحساب دقيق!.. لذا على المؤمن أن يكون مراقبا لنفسه من الصباح إلى الليل، مثل إنسان يمشي في حقل من الألغام، فيشك في كل شيء حتى في أتفه وأبسط الأشياء.. والإنسان في حياته الدنيا، عليه أن يتعامل مع عناصر الحياة حوله بنفس الطريقة..

١٠- إنَّ المؤمن موجود يسعى لأن يكون مظهرا للعطاء الإلهي أينما كان؛ فهذه نعمة كبيرة..

١١- إن من مصاديق رحمة النفس، أن ينظر المؤمن أين هو؟.. لكل واحدٍ منّا ثلاث درجات: الدرجة التي هو فيها: سلبي، أو إيجابي، وضعه الفعلي على ما هو.. وهنالك رتبة مثالية، لا يمكنه الوصول إليها..

١٢- إن المؤمن موجود ذو ذكاء اجتماعي قوي جداً، وذكاء المؤمن قسم منه من تجارب الحياة، وقسم منه أبحاث أكاديمية.. ولكن قسم منه اتصال بعالم الغيب: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)..

١٣- إن المؤمن هو سفير الخير، يوصل أصوات الشريعة إلى البقاع المظلمة في الأمة، وما أكثر هذه البقاع المظلمة!..

١٤- إن كلمة مؤمن؛ تعني المؤمن والمؤمنة؛ لأن الذكورة والأنوثة من مختصات عالم الأبدان..

١٥- ينبغي للمؤمن الذي يعمل في مجال العمل الاجتماعي، أن لا يعول على المدد الغيبي؛ لأن الإنسان لا يعلم متى يأتي المدد!..

١٦- إن طبيعة المؤمن طبيعة سخية منفقة، فلا يساوم في إخراج ما عليه من الواجب الشرعي، أو يتردد في إنفاق شيء في سبيل الله؛ لأنه يعتقد بأنه إنسان مستخلَّف على المال.. وأن الله -تعالى- هو المعوض والرازق، وهو الذي يخلف على عبده؛ فلا يخاف فقراً، ولا يمنعه بخلاً ؛ بل على العكس.. فهو يحسن استخدام ما في يديه من النعمة قبل أن تحول النعمة إلى غيره، وتبدد في كل لغو وباطل، وحينئذ يتحسر على ما فرط في جنب الله، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

١٧- إن المؤمن مقدام، واثق من نفسه، لا يهاب شيئاً، يجعله يتردد أو يخاف؛ لأنه يعلم بأن وراءه مددا كبيرا من رب العزة والجلال..

١٨- إن المؤمن يحمل ثقة بالله تعالى، واعتقاداً بأنه الضار النافع، فلا يشغل باله بالأمور الظنية من الأوهام، كالسحر وما شابه ذلك.. بل يسلم أمره لله، ويعمل بما ورد من المعوذات والأدعية المشروعة المحصنة في هذا المجال..

١٩- إن المؤمن يجب أن يكون يقظا حذرا؛ لما ينتظره -من قبل الشياطين- ليلة العيد.. حيث أنه لابد أن يكون مدافعاً حذقاً كالجندي؛ ليذب هو عن نفسه، ويطرد غارات إبليس اللعين وجنوده، من أفعال جوارحه، واعتقادات جوانحه..

٢٠- إن المؤمن يفكر في عقبه.. كم من الجميل إن لم يوفق هو في هذه الحياة الدنيا، لأن يكون مَعَلماً من معالم الدين، لأن يقوم بصدقة جارية عظمى، تبقى له رصيداً إلى أبد الآبدين، أن يطلب من الله -عز وجل- أن يعوض ذلك في ذريته!..

٢١- أين نحن وعبادة أمير المؤمنين، الذي كان يقول: (إلهي!.. ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك.. ولكن وجدتك أهلاً للعبادة؛ فعبدتك)؛ هذه هي عبادة الأحرار.. والإنسان المؤمن يحاول أن يترقى في عبادته، ليصل إلى هذه الدرجة.

٢٢- المؤمن يحب أشياء كثيرة في هذه الحياة، ولكن هناك نقطة في القلب، أو جهة في القلب، أو مكان في القلب؛ هذا المكان لا يدخله إلا الله عز وجل (القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله)..

٢٣- إن المؤمن يجمع بين التكليفين: بين العمل الجوانحي، والعمل الجوارحي.. إذ علينا أن نجمع بين الكم والكيف، وعند التعارض بينهما؛ نقدم الكيف على الكم، لا أن نلغي الكم أساسا؛ بل نطعم الكم بكيف راق.. تقول الرواية: (ركعتان مقتصدتان؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).

٢٤- إن المؤمن المثالي ليس من عشاق العبادة، وإنما من عشاق العبودية.. وهناك فرقٌ بين العبادة، وبين العبودية!.. مثلا: إنسان مواظب على صلاة الجمعة، وقلبه يحترق لأن يكون من صفوف المصلين؛ ولكن يرى الزوجة في حالة نفسية كئيبة، فيقول: يا رب، أصلي في المنزل، وأجلس بجوارها.. لأن هذهِ مقتضى العبودية.

٢٥- إن المؤمن كما أن لهُ: حمية غذائية، وبرنامجا اقتصاديا، وثقافيا؛ كذلك يجب أن يكون لهُ برنامج روحي مع نفسه.

٢٦- إن الإنسان المؤمن باستطاعته مخادعة الشيطان.. يستيقظ قبلَ أذان الفجر بربع ساعة: خمس دقائق للوضوء والاستعداد، وعشر دقائق قيام الليل، فيصبح من أهل الليل.. ومن الممكن أيضا أن تكون مدة الصلاة خمس دقائق فقط، هذهِ الخمس دقائق ما وزنها في حياتنا اليومية؟!.. كم من الأوقات الضائعة في حياتنا اليومية؛ ولكن هذهِ عشر دقائق بينَ يدي الله -عزَ وجل- لا نبالي بها!..

٢٧- إن المؤمن ليس على مستوى واحد، قد يكون بطلا في بعض الأيام والساعات، وفي بعض الحالات يتحول إلى قزمٍ صغير.. المؤمن بين النفخ الملكي، وبين الوسوسة الإبليسية.. ولهذا البعض منا يرتكب بعض الأخطاء، أو بعض الصغائر، وعندما يعود إلى رشده، يستغرب من قيامه بذلك العمل!..

٢٨- إن لمؤمن حزنه في قلبه، وبشره في وجهه.. فالشكوى وبيان الحال، إذا لم يكن فيه فائدة، لماذا يضيع الإنسان الأجر؟.. فليجعل ذلك في قلبه، ويقدم الشكوى لمن بيده مقاليد الأمور!.. إن الإنسان قد يضيق صدره جداً لمشكلة ما، فإن كان ولا بد، أذكر شكواك لمن يمكن أن يقدم لك حلاً في مصيبتك.. إذ لا بأس أن يشكو لمؤمن!..

٢٩- بدل من أن نكثر من حجم العمل، ونحاول أن نرهق أنفسنا بالعمل، لنحاول أن نعمق من حجم الكمال الباطني الذاتي.. فالمؤمن إذا صار لله محبوباً، يصلي ركعتين لله -عز وجل- تفتح لهُ الآفاق..

٣٠- ليس كل مؤمن يستحق المعاشرة، إذا رأيت مؤمنا له عين وله بصيرة باطنية، إلزم هذا الإنسان.

٣١- إن المؤمن طبيعته طبيعة طموحة؛ وعليه ما المانع عندما يرى سيرة الأنبياء والصالحين، أن يقول: يا رب، أتمنى أن أكون مثلهم؟..

٣٢- إن المؤمن إنسان لا يتكلم إلا بدليل.. والكلام فيما لا يعني؛ يجعل الإنسان في مظان الوقوع في الأخطاء الكبيرة.. (من كثر كلامه؛ كثر خطؤه.. ومن كثر خطؤه؛ قل حياؤه.. ومن قلّ حياؤه؛ قلّ ورعه.. ومن قلّ ورعه؛ مات قلبه.. ومن مات قلبه؛ دخل النار).

٣٣- إن الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا يعيش براحة تامة، ويفوض أمره إلى الله -سبحانه وتعالى- في كل شيء.. فلقمان أعطي هذه الحكمة؛ لتفكره، وحبه لله عز وجل.. وعليه، فإن عاقبتنا مرتبطة بهذا البعد الباطني.. فتصفية البواطن من الشوائب، سبيل لأن يفجر الله -عز وجل- فيها الحكمة تفجيراً.

٣٤- إن المؤمن وجود جامع، وخريطة متكاملة: له علاقة بالله، وله علاقة بالخلق، وله سفر من الخلق إلى الحق، ومن الحق إلى الخلق… فهو إنسان متنوع كما كان النبي وآل النبي.

٣٥- إن الجنة مضمونة للمؤمن، فالإنسان الذي يموت على الشهادتين، وعلى حب أهل البيت، ويكون له بعض الهفوات.. فإنه يمحص في نزع الروح، أو في القبر، أو في البرزخ، وأخيراً في نار جهنم.. وفي النهاية يدخل الجنة.. ولكن لماذا يقنع الإنسان بالطبقة الأولى في الجنة؟.. ولماذا لا يطمع أن يكون من رفقاء النبي وآله؟..

٣٦- إن المؤمن وجوده مطلوب في حد نفسه، سواء كان معطاءً أو غير معطاء.. ولهذا نلاحظ بأن الإنسان المؤمن، عندما يذهب من هذه الدنيا، وتنقطع صلته بمن تحت يده، يبقى على وضعه من حيث أن ذكره يبقى في قلوب الناس وفي عقولهم، فإنه يذكر بخير، لأن الذات ذات لطيفة رقيقة مما يتعلق به الحب البشري.

٣٧- إن المؤمن الصالح والولي السالك، لا يتحمل أن يقوم بأي عمل دون أن يعلم ما هو رضا الله -عزّ وجلّ- فيه: يريد أن يأكل، أو يتزوج، أو يريد أن يسافر؛ فإنه يبحث في بطون الكتب ليعلم ما الذي ينبغي أن يقوم به؟.. هذه حركة، ولكلِّ حركةٍ دستور وأمر من الله عزّ وجلّ.

٣٨- يجب على الإنسان أن يتحرى قدر الإمكان الحلال الواقعي بالنسبة للطعام.. فلو كان هناك بائعان: هذا يبيع مشتبهاً، وهذا يبيع حلالاً حسب الظاهر، لماذا لا نقدم هذا على ذاك؟.. فالسياسة العامة في الطعام والشراب بالنسبة للمؤمن، أن يدقق بالقدر الذي لا يوقعه في الحرج..

٣٩- إن المؤمن يعيش الحزن المستمر في قلبه، وهذا الحزن حزن بناء، لا يوجب له الانهيار العصبي؛ لأنه يحمل آلام الأمة.. الحزن الذي يوجب الانهيار العصبي، هو الحزن الشخصي اليومي.. ولكن في نفس الوقت بشره في وجهه.. المؤمن وجهه سمح مستبشر، تعلوه الابتسامة دائما..

٤٠- إن المؤمن دائم التفكير؛ وتفكيره غير وسواسي.. بل تفكير إنسان سوي، تفكير بنّاء لما ينفعه لدنياه وآخرته.

٤١- إن المؤمن ينظر إلى مزاجه، إذا رأى في مزاجه إقبالا، يحاول أن يمشي إلى آخر الخطوات.. فالإقبال ضيف؛ إن أكرمته بقي وإلا ذهب.. الضيف إن لم تكرمه؛ يذهب.. وهذه الحالة إكرامها بأن تُعطى حقها.

٤٢- إن المؤمن موجود فاعل، موجود نشط في المجال الاقتصادي.

٤٣- إن المؤمن منتسب إلى الإسلام، وبالتالي منتسب إلى رسول الله (ص).. نحن من أمة النبي المصطفى (ص)، ويوم القيامة يباهي بنا الأمم، عن النبي الأكرم (ص): (تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط).

٤٤- إن المؤمن عندما يسمع الحكم الشرعي: يجوز، ولا يجوز؛ مثله كمثل الأب.. حيث أن الولد الذي يأتمر بأوامر أبيه، يعلم أنه هو أدرى منه بالمصلحة.. وليس بمثابة الجندي في ميدان القتال؛ لأنّ الجندي أيضاً يسمع كلام القائد، ولكن يسمع كلامه على مضض من باب الخوف، لا من باب الاقتناع.

٤٥- إن المؤمن يفكر دائما في لوازم العبودية في كل فصول حياته، وعليه فمع بداية فصل الصيف -وهو من أكثر الأوقات هدرا وضياعا في السنة، لعدم وجود برنامج متكامل يتزود الإنسان من خلاله لدنياه أو آخرته- لا بد للإنسان من أن يبحث عن مقتضى العبودية لله -تعالى- في هذا الفصل أيضا، والذي يعد ربع أيام سنته.. وقياسا إلى ذلك فإن مجموع هذه الأشهر في سنوات متتالية، يعد ربع سنوات عمره.. ولك أن تتصور فداحة الخطب عندما يصرف العبد ربع سنوات عمره، فيما لا يعود بنفع له في دنياه ولا في آخرته.. أو ليس هذا هو الخسران الموجب لندامة الأبد؟!..

٤٦- إن المؤمن موجود حكيم في كل تصرفاته، والحكمة هي وضع كل شيء في موضعه.. فإذا كان لا بد من السفر، فلا بد من الدقة في اختيار البلاد التي لا تفسد على الإنسان دينه، وفي اختيار الرفقة الذين طالما يسول الفاسد منهم المعاصي لصاحبه، وخاصة في المواضع التي تسلب العاقل لبه، كبعض المنتجعات المفسدة.. فكما أن التعرب والاستقرار الدائم في بلاد الكفر خلاف سياسة الشريعة بشكل عام، فكذلك السفر إلى تلك البلاد التي لا يضمن العبد التزامه بقواعد العبودية، فإنه أمر غير راجح قطعا.. وهل خلت بلاد المسلمين من مواطن، يجمع فيها الإنسان بين خير الدنيا والآخرة حيث: جمال الطبيعة، ومشاهد العبادة؟..

٤٧- إن الله -عز وجل- قد حصن ذات المؤمن من العيوب والذنوب، فذات المؤمن طاهرة؛ لأنها مؤمنة بالله عز وجل..أما الجوارح فهي العاصية المخطئة في كل الأحوال، فالأولى بالمؤمن ترك ذكر عيوب الناس؛ لأنه بشغل دائم في عيبه عن ذكر عيوب غيره.

٤٨- إن المؤمن يجعل مقياس العبودية، فيما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، لا ما يكون مناسباً مع أهوائه.. حيث أن الشيء قد يكون عند العبد لذيذاً، ولكن عند الله -عز وجل- قبيحاً.. وبئس من اتبع هواه على حساب رضا رب العالمين!..

٤٩- إن المؤمن يحاول أن يكون موجوداً مؤثراً لا متأثراً: المؤمن ينبغي عليه أن يكون على مستوى إدارة المجالس، وعلى استيعاب هذه الأجواء الغافلة.. فبدلاً أن تكون منفعلاً تعطيهم أذنك، خذ آذانهم وغيّر مجرى الحديث بإلقاء الموعظة والحكمة الحسنة.

٥٠- ينبغي للمؤمن الذي يريد التكامل لنفسه أو لغيره، تعيين المنهجية الواضحة: فلينظر من يتبع، وممن يستقي: أمن العذب الزلال، أم من الملح الأجاج!.. لو أنه اشترى جهازاً جديداً، ألا تراه يراجع المصنع المنتج له، أو الكتيب الذي يرافقه؟..

٥١- إن منطق المؤمن أنه يرى بأن أزمّة الأمور طرٌّ بيده، وأن الكل مستمدة من مدده.. والألطاف الغيبية والمدد الإلهي، لا يأتي جزافاً.. ولهذا المدد قواعده وقوانينه وضوابطه، فإن الذي أنزل ملائكة النصر في بدر لم ينزلها في أحد؛ لأنه لم ير استحقاقاً لعباده الذين ما وفوا بعهدهم للرسول (ص).

٥٢- إن الإنسان المؤمن معطاء: يفرج عن المكروب، ويغيث الملهوف، ويساعد المحتاج.

٥٣- إن المؤمن عجيب، يجمع بين صفتين -حسب الظاهر- متناقضتين في قلبه، يقول: (إِلـهي وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ)؟!.. ولكن في مقام السعي من أنشط الناس، ومن أكثر الناس تعلقاً بعالم الأسباب.

٥٤- إن المؤمن الذي يهمه أمر نفسه، لابد وأن يقرأ ويتأمل.

٥٥- إن المؤمن أو العاقل، إذا أراد أن يثبت، يثبت بدليل.. وإذا أراد أن ينفي، أيضاً ينفي بدليل.. ففي عالم القضاء إن البينة عن المدّعي، واليمين على من أنكر.. ولكن في عالم المعاني والبراهين، فإن الطرفين مطالبان بالدليل.. فلا نكتفي بالقسم -مثلاً- في عالم الأفكار.. فالمثبت لا بد من أن يأتي بدليل، والنافي أيضاً كذلك.. وهذه الكلمة معروفة عن شيخ الفلاسفة ابن سينا، حيث يقول -ما مضمونه-: “كلما قرع سمعك من العجائب، فذره في بقعة الإمكان، حتى يذودك عنه قاطع البرهان”.. فإذن، إن المؤمن لا يلتفت إلى هذه الأمور، فرب العالمين من الممكن أن يفتح عليه باباً من هذه الأبواب إكراماً له.. ولكنه في الوقت نفسه، لا يرى هذه الأمور أهدافاً يسعى إليها.. فهذه آثار، وهذه نتائج ومشجعات.. ولكن المؤمن لا يشغل نفسه بذلك.

٥٦- إن المؤمن وجوده مطلوب في حد نفسه، سواء كان معطاءً أو غير معطاء.. ولهذا نلاحظ بأن الإنسان المؤمن، عندما يذهب من هذه الدنيا، وتنقطع صلته بمن تحت يده، يبقى على وضعه من حيث أن ذكره يبقى في قلوب الناس وفي عقولهم، فإنه يذكر بخير، لأن الذات ذات لطيفة رقيقة مما يتعلق به الحب البشري.

٥٧- إن المؤمن قلبه كالمرآة الصافية، ولو رجعنا إلى دوافع الحقد والعداوة في حياتنا، فإنه قلّما يعود إلى الله عز وجل.. فإن النفسيات، وحب الذات، والوهم، وسوء الظن، والحالات الشيطانية، كل ذلك وراء عداوة الإنسان لأخيه الإنسان.. وإلا، فإن النادر من الخلق يجعل مقياس حبه وبغضه، هو الله عز وجل.. ولهذا فإن المتحابين في الله، يدخلون الجنة بغير حساب.

٥٨- إن المؤمن لا يُخاف عليه، وهو في حال الإلتفات إلى نفسه.. فمثلاً: إن الإنسان الجبان، إذا كانت بيده قطعة من السلاح، فالطرف الآخر يخاف أنْ يقترب منه، لأنه في حال مواجهة.. أما أقوى الأبطال وأشجع الشجعان -إذا كان نائماً، أو مغمىً عليه، أو كان ذاهلاً- فإنه من الممكن أنْ يأتي طفلٌ صغير ليزعجه، أو حتى ليقضي عليه.. فهنالك حالات تمرّ على الإنسان المؤمن، يكون فيها كالبطل النائم، أو البطل المغمى عليه.. فهو بطلٌ، ولكنه في ذلك الوقت مغمىً عليه.

٥٩- إن الإنسان المؤمن حاذق ومغتنم للفرص، أي ينظر إلى من حوله، ويحاول أن يكتشف أولاً القلوب المضطربة، كأن يرى قلبا حزيناً، أو قلباً منكسراً، أو مضطرباً.. وفي الخطوه الثانية يحاول أن يزيح هذا الهم عن تلك القلوب.. ومن المعروف بأن الهم إذا أزيح من القلب، فإن الإنسان يتفرّغ لذكر الله عز وجل، كما يقال في علم الأخلاق: الأغيار، والشواغل، والمزاحمات، كل هذه الأمور تصد الإنسان عن ذكر الله عز وجل.. لهذا يلاحظ بأن الإنسان عندما يذهب إلى رأس جبل، أو إلى بستان، أو وادٍ، أو إلى أرض منبسطة، يرى بأن هنالك إقبالاً مضاعفاً على الله عز وجل.. والسر في ذلك قلة الشواغل، فالقلب المشغول بأمور دنيوية كثيرة، لا يجد فرصة كافية للتفرغ للتفكير في عالم ما وراء الطبيعة.

٦٠- على الإنسان المؤمن أن يكون حريصاً على ألا يأكل إلا الحلال.. ونحن نقطع أنه في حياته اليومية سيأكل الحرام شاء أم أبى، فالإنسان مأمور في حياته بمعاملة سوق المسلمين معاملة الحلية والطهارة.. ولكن الله -عز وجل- عندما يرى الإنسان محتاطاً، ورعاً، وخائفاً من أكل الحرام.. فحتى لو أكل الحرام واقعاً، فإن الله بمنه وكرمه، سيزيل الصفة السلبية والكدورة والسواد، الذي من الممكن أن تغطي على قلب الإنسان في هذا المجال.

٦١- إن الشخصية الإيمانية في جوف الليل، تطلب من الله -عز وجل- أن يكون محامياً ووكيلاً عنها.. نحن عادة هذه الآية نقرأها قراءة، ولا نعمل بها {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.. مثلاً: يقول الزوج في جوف الليل: أوكلت أمر زوجتي إليك، يا رب أنت المنتصر!.. ولكن إذا جاء النهار: رفع صوته، وضرب، وكسر، وغيره.. أين التفويض، وأين الفعل؟.. فالمفوّض أبرد من الثلج، ما دام فوّض الأمر بعد أن سعى سعيه؛ عليه أن ينتظر دفاع رب العالمين.. إن الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}، لا عن الذين أسلموا، ولا يدافع عن الإنسان الغافل عن ذكر الله عز وجل.. إنما عندما يصير الإنسان مؤمناً؛ رب العالمين يكون أكبر المحامين عنه، وقال جلّ من قائل: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}؛ إن كان من المؤمنين فالنصر له، سواء كان فرداً أو أمة.

٦٢- إن وظيفة المؤمن عندما يسمع من أخيه كلمة سيئة؛ أن يعمل بهذه الروايات: ورد عن رسول الله (ص) قوله: (إحمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير).. وعن أمير المؤمنين (ع): (لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلًا)!.. وعن الصادق (ع): (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا.. فإن أصبته، وإلا قل: لعل له عذرًا لا أعرفه).. ليس معنى ذلك أن يكون كالنعامة، يدس رأسه في الرمال، ويقول: ليس من صياد!..

٦٣- إن المؤمن قوي الشخصية، لابد أن يدرس كل الجهات، ليس فقط يأمر وينهى ويتحكم، وهو غير لبق.. فالحزم مطلوب في كل شيء: في الحياة الأسرية، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحياة التجارية، وفي الحياة الوظيفية؛ لابد أن يكون الإنسان حازماً: أي إذا أخذ قراراً صائباً بنظره، يحاول أن يقف أمام ذلك القرار.. ولكن لابد أن ينظر إلى السلبيات، ويسد الثغرات الموجودة.

٦٤- إن طبيعة المؤمن أنه مع ربه دائماً: يعيش التذلل في المعصية، وفي الطاعة: في المعصية يعيش التذلل؛ لتقصيره.. وفي الطاعة يعيش التذلل؛ لأن هذه منحة من الله -عز وجل-.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى