مواضيع أخرى

مواضيع متفرقة من كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن المؤمن كلما زيد في إيمانه، زيد في بلائه..

٢- من رأى بأن سلوكه في هذه الدنيا حسب الظاهر سلوك مرضي، وعاش في أعماق وجوده الرضا بقضاء الله وقدره؛ فعندئذٍ هو في الدنيا يعيش حالات أهل الجنة، ولا يهمه أن يفقد شيئا من متاع الدنيا..

٣- إذا عمل الإنسان يوما بحكم الشريعة، وهو يعيش التثاقل.. فمعنى ذلك أن هذا الإنسان ملحق بجماعة من المنافقين..

٤- إذا كان لا يمكن للإنسان الأنس بالله تعالى، وذلك لوجود حجاب من الحجب المعينة؛ فأنه لا ضير من الشكوى والأنس بالمؤمنين، لأنه (من شكا الى مؤمن، فكأنما شكا إلى الله عز وجل).. وذلك لأن المؤمنين هم ممثلو الله عز وجل في الأرض.. و(أما من شكا إلى غير مؤمن، فكأنما شكا الله عز وجل)..

٥- إن الإنسان الذي له ملكات صالحة: كالوفاء، وغيرها، وبعض الصفات الداخلية: من الإيثار، وغيرها.. فإن هذا الإنسان يكفيه القليل من الطاعة؛ لأن له ذات محبوبة عند الله عزّ وجلّ.. والذات الصالحة عندما يصدر منها أي حركة بسيطة، تكون مشكورة عند الله تعالى، بخلاف الذوات الخبيثة، والذوات الفاسدة..

٦- إن الله -عز وجل- قد يحب عبداً، ويبغض عمله.. وقد يكره عبداً، ويحب عمله.. والله -عز وجل- إذا أحب عبداً؛ قبِل منهُ اليسير..

٧-  إن بعض الأمور قد يكون ظاهرها ترك مكروه، وقد لا يكون بمستوى الحرام المغلظ؛ لا صغيرة ولا كبيرة.. ولكن ينبغي أن نعلم، أن هناك آثارا وضعية تترتب عليها..

٨- إن أول شرط في السير إلى الله –عز وجل– حالة العطش الروحي..

٩- إن الأذى الذي بعده فرج، ليس بأذى.. والضيق الذي بعده برمجة للأفضل، ليس بضيق..

١٠- إن الإنسان إذا لم يكن عبداً للرحمن، فهو عبد للشيطان.. وماذا بعد الحق إلا الضلال!..

١١- إن الذي لا يعيش جو الأنس الربوبي طوال السنة، لا يمكنه بسهولة أن يعيش هذا الجو، بمجرد دخول شهر رمضان -مثلاً- ولهذا نلاحظ أن أغلب الناس صومهم لا يتجاوز صوم العوام، أي الإمساك عن الطعام والشراب.. والحال أن الصوم أرقى من ذلك!..

١٢- إن استعطاف رب العالمين، من أساليب الداعين بين يدي الله عز وجل..

١٣- إن هناك فرقا بين أن تكون الحركة في ذاتها منطلقة من أمر المولى، وبين أن ينوي الإنسان أن تكون حركته بأمرِ المولى؟!.. أي فرق بين البناء على القرب، وبين الانطلاقة القربية!..

١٤- ليس هناك اثنينية بين خط الولاية، وبين خط التوحيد.. فهؤلاء كسبوا ما كسبوا، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه؛ ببركة عبوديتهم لله سبحانه وتعالى..

١٥- إن أفضل أنواع العزاء، العزاء العفوي.. أي أن يذكر الإنسان مصائب الأولياء في خلوة، فتفيض عيناه بالدموع، دون قارئ عزاء أو رادود..

١٦- إن هنالك حاكمين متشاكسين في مملكة الوجود، وهما: حاكمية العقل، وفي المقابل هنالك جنود الهوى؛ والحرب سجال فيما بينهما..

١٧- إن العاطفة هي نعم الضمان، لأن يتحول العبد إلى عبد مطيع لله عز وجل..

١٨- إن ظاهر أيام محرم ظاهر ولائي، ولكن باطنه باطن توحيدي..

١٩- إن البُكاء الذي يصدر من عقل واعٍ، ومن إنسان يمتلك جوارح مطيعة، هذا البكاء لا يُقدّر بثمن..

٢٠- إن دموع الولاء أرقى من دموع المصيبة، لأن هذه دموع الحب.. لولا هذا الحب، لما تعالت الأصوات بالبكاء بين يديه..

٢١- إن هذا العطاء الحسيني الذي هو كالشمس، عطاء عام شامل، ولكن هذا العطاء لمن تعرض له.. فكلنا غرقى، وكلنا هلكى، والحسين (ع) سفينة النجاة.. ولكن سفينة النجاة تنتشل من طلب النجاة، وإلا الذي لا يريد النجاة، والذي لا يستغيث بأهل النجاة، هذا الإنسان قد لا يغاث إلا تفضلاً..

٢٢- إن رب العالمين هو مظهر الجمال في هذا الوجود: من جمال الوردة وهي نبتة، إلى جمال الطبيعة وهي جماد، إلى جمال حسان الوجوه من بني آدم: إناثاً وذكوراً .. فكل هذه من مظاهر الجمال الإلهية، ورب العالمين هو المصور في ظلمات الأرحام.. وأما جماله الذي يترشح منه كل هذا الجمال، فهو ذلك الجمال الذي لم يطلع عليه إلا أولياء الله في جوف الليل وفي أدعية سحرهم، حيث تجلى لهم بشيء من هذا الجمال، فجعلهم يعيشون هذا الهيمان وهذا الألم، الذي نجده في كل شعرائهم وناثريهم، من لوعة الفراق الإلهي.. ومن هنا، نقول: بأن الذين تستهويهم عشق الفانيات من النساء وغيره، ليسألوا ربهم أن يريهم شيئاً خفيفاً من ذلك الجمال الذي يتجلي لأهل الجنة، فيشغلهم عن الحور والقصور.

٢٣- إذا لم يدخل الإنسان إلى ملكوت العبادات؛ فإنّ هذه العبادات سوف لن تعطي ثمارها.. وذلك لأن الاطمئنان هو ثمرة الذكر {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فالاطمئنان متعلقٌ بالقلب..

٢٤- إن الشريعة من موجبات السعادة..

٢٥- إن الذي يريد أن يتكامل، فإن أول خطوة في هذا المجال هي أن يعترف بما هو عليه من النقص، اعترافاً يقض نومه، ويسلبه راحته..

٢٦- إن استنزال البركة الإلهية تكون بعمارة القلب..

٢٧- إن الاختلاف متوقع، ولكن المشكلة أن لا يتحول الاختلاف إلى خلاف.. الفرق بين الاختلاف والخلاف لعله حرف، وفي هذا الحرف تكمن كلّ المشاكل والإصرار..

٢٨- إن العاقل هو الذي يوازن الأمور..

٢٩- إن بعض الناس يتحول إلى عاشق للنفحات، فيحب دائماً أن يعيش حالة الهيام والغرام والتحليق، من دون أن يحول النفحات إلى عمل!..

٣٠- إن البرمجة ضرورية جداً، لتحقيق خير شهر رمضان مر على الإنسان..

٣١- إن الذين فلسفتهم في هذه الحياة التلذذ، فإنه من الطبيعي دائماً أن تكون علاقته بالغير وبالبيئة وبالطبيعة وبعناصر الحياة، من أجل تحويل الأمر إلى متاع..

٣٢- لكل جديد بهجة.. فكل جمال يصبح مألوفاً.. والذي لا يجعل الإنسان يعيش هذه الرتابة، هو الانتقال إلى ما وراء الطبيعة..

٣٣- إن مسألة الموازنة بين العبادة وبين التعقل والتفكر، الموازنة بين العمل الجوارحي وبين العمل الجوانحي، الموازنة بين السلوك الخارجي وبين العمل الباطني.. هي بحث دقيق بين العلماء، وهذا البحث هو مورد ابتلاء الكثيرين..

٣٤- إن الكتاب الذي جمع خطب الإمام علي (ع)، هو نهج السعادة، قبل أن يكون نهجاً للبلاغة..

٣٥- ليس العلم بكثرة التعلم، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء..

٣٦- إن النوم عبارة عن حركة عدمية، وهو الموت الأصغر، ولكن هذا الأمر العدمي -أي عدم اليقظة- عندما ينتسب إلى الله -عز وجل- فإنه يتحول إلى أمر عبادي: (نومكم فيه عبادة).. فكيف إذا كان الأمر وجودياً؟.. هذا ثمرة من ثمرات الانتساب إلى الله عز وجل..

٣٧- إن من أفضل لحظات الترقي الروحي والانقطاع إلى الله عز وجل، هو ساعة وداع البيت.. ومن هنا على المؤمن في ساعة الوداع، أن يعيش أعلى صور الحزن والأذى والاستغفار، من تقصيره أيام مقامه في هذا البلد الطاهر..

٣٨- إن الأمور بخواتيمها، واللحظة الوحيدة التي يرتاح فيها الإنسان، هي عندما يأخذ كتابه بيمينه، فينطلق مسرورا ويقول لأهله: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ}، في تلك اللحظة، المؤمن تقر عينه.. وإلا في الحياة الدنيا، ومع تقلبات الأيام والانتكاسات، وخاصة في مجال الحوزات العلمية، لا يقر له قرار!..>

٣٩- لو وجد الإنسان العارف في جمع، فإن رب العالمين سيبارك في ذلك الجمع أيما بركة!.. حتى لو كانوا غافلين؛ كرامة لهذا العارف، العارف الذي لا يهمه إلا إرضاء ربه!..

٤٠- إن الله -عزّ وجل- له نظرة عامة في هذا الوجود، في هذه النظرة نقل العالم من العدم إلى الوجود..

٤١- علينا أن نغتنم الفرصة في ليلة الجمعة، لإعادة الإنتعاشة الروحية، فالعبرة في الكيف لا بالكم.. لأن الإنسان يبتلى بقسوة القلب، من جراء التعامل مع عناصر الحياة الدنيا..

٤٢- إن شهر الله شهر ينتسب لله -عزّ وجلّ-، هذا الشهر الذي لا فرق بينه وبين باقي الشهور، انتسب لله -عز وجل- فاكتسب المزايا، ويا لها من مزايا!.. أول خاصية لهذا الشهر، قبل المغفرة، وقبل ليالي القدر، وقبل العتق من النار؛ أنزل فيه القرآن..

٤٣- إن الجهل بمقاصد الشريعة، تجعل أحدنا لا يجمع بين صور التكليف المتناقضة..

٤٤- إن اللانهاية عندما تقسم على النهاية، يكون الجواب هو: لا نهاية.. وهذه هي معادلة الحياة، ومعادلة العمر.. فنحن نريد أن نشتري الأبدية واللانهاية، بهذه السنوات المحدودة في هذه الدنيا.. يا لها من معادلة رهيبة!..

٤٥- قد يكون الإنسان من حيث السلوك عبدا؛ أي أن تكليفه منطبق مع ما أمر الله عز وجل، ولكنه لا يعيش حالة العبودية..

٤٦- كما أن هنالك طفرات ونفحات في عالم الكمال والقرب -في عالم الإيجاب-، هناك تسافلات أيضاً في عالم البعد عن الله عز وجل.. فالإنسان في لحظة من اللحظات، من الممكن أن يتسافل أضعاف ما تسافل به في سنوات من عمره!..

٤٧- إن الذي يتجاوز حدود الدولة إلى دولة أخرى، يعتبر متسللا.. والمتسلل يطلق عليه طلقة أولى لتخويفه، وإذا لم يستجب واقتحم البلد فإنه يُردى قتيلاً.. هذا عُرف الدول، والذي يهين علم دولة محترمة يعاقب؛ لأنه يعتبر أنه هتك حرمة تلك الدولة.. فالقضية ليست قضية اعتداء على قماش لا قيمة له في السوق!.. وكذلك الذين يكثرون الذهاب إلى المآتم، ويقيمون مجالس أهل البيت.. فهؤلاء رب العالمين يصفيهم في الدنيا قبل الآخرة..

٤٨- إن العمل المؤسساتي لا ينال بالتفويض، والتوكل..

٤٩- لا نرى في مجتمعاتنا أناسا متميزين في هذا المجال.. إنهم قلة!.. لأن أغلبهم ينتقم منهم بين المملكتين: بين مملكة الدنيا، ومملكة الآخرة..

٥٠- إن الانجذاب المتبادل بين مصدر الطاقة والمتلقي لها، يشبه التجاذب الكوني، الذي نراه متجليا في المجرة والذرة على حد سواء!.. وهو الذي يمثل العروة الوثقى التي تمنع الوجود من الانفصام.. ومع كل ذلك، فإن لهذا الانجذاب حالات مد وجزر، بحسب الزمان (الأشهر والليالي المباركة).. والمكان (الأمكنة المنسوبة إليه كالحرمين والمساجد والمشاهد المشرفة).. والحالات (ساعات التضرع والانقطاع).. فطوبى لمن كان مده أكثر من جزره!.. بل طوبى لمن لا جزر له!.. أوَ هل نطمح إلى ذلك في خضم لعبة الحياة؟!..

٥١- إن البعض قد يعوّل على المنامات، فإذا رأى مناماً مزعجاً يرتب عليه أثراً بليغاً، ويعيش حالة القلق.. بينما يفتروض به كتمان الأمر، وثم النظر إلى سلوكه: إن رأى موجباً لذلك؛ تنبه من غفلته.. وإلا قام بدفع الصدقة، وهي تدفع البلاء..

٥٢- إن الرضا بالوضع الذي نعيش فيه، لا يدعنا نتطلع إلى المستقبل، ولا أن نتقدّم في الخطوات للسير إلى الله سبحانه وتعالى..

٥٣- إن البكاء -وإن كان في ظاهره يتمثل في جريان الدمع من العين- إلا أنه في الواقع عملية معقدة لها جذورها في الفكر والقلب، ولها آثارها على الجوارح.. إذ أن البكاء حصيلة تفاعلات باطنية متمثلة في: الاعتقاد النظري بقدسية الجهة التي نبكي على مصائبها، من جهة انتسابها لمصدر القدسية العظمى في الوجود، المتمثلة بقدسية الرب المتعال.. كما أنها حصيلة تفاعلات قلبية مرتبطة بذلك الاعتقاد..

٥٤- إن البكاء في منطق الفرد والأمة: موقف يتخذه الإنسان إلى جانب اليد واللسان، للتعبير عن رأيه في مفردات الحياة.. وعليه، فإن البكاء على سيد الشهداء (ع) إبداء لنوع استياء من كل صور الظلم التي وقعت على الأمة، بعد غياب المنهج السماوي الذي رسمه الله تعالى لها، والمتمثل بميراث الكتاب (الحبل الممدود بين السماء والأرض) وميراث العترة (الحبل الممدود بين النبي والأمة).. والأشجار تعرف بثمارها، ومن المعلوم أن واقعة الطف هي الثمرة المرة للشجرة الخبيثة، التي جاء وصفها في القرآن الكريم..

٥٥- إن الأسلوب الطبيعي لإصلاح الأمة، يتمثل في الحديث والموعظة، التي يخاطب بها العقول والقلوب..

٥٦- إن مجالس الحسين (ع) تعد بحق جامعة كبرى لها فروعها في عواصم المدن الكبرى إلى الأرياف الصغرى.. ومن هنا لا نرى أمة متفقهة في كليات الشريعة -فقها، وتاريخا، وسيرة- كأتباع مذهب أهل البيت (ع) الذين يدخلون هذه الجامعة شهرين في كل عام، سواء في ذلك الصغير الذي لم يبلغ الحلم، إلى الكبير الذي وصل إلى مشارف نهاية عمره!..

٥٧- هناك ارتباط وتجانس بين عشرات ثلاث: العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة الحرام، والعشر الأوائل من محرم الحرام.. وهي بمجموعها تمثل شهرا كاملا في كل عام.. علينا أن نتخذ من مجموع هذه العشرات المباركات، والموزعة على مدار السنة محطات لإعادة الصلة بالله -تعالى- الذي نبتعد عنه خطوة بعد كل معصية؛ لنعوض بذلك أميال البعد عنه، بخطوة جريئة إليه في كل موسم مصالحة!..

٥٨- إن مجالس ذكر الحسين (ع) إنما هي في واقعها ذكر لله تعالى، فإنه إنما اكتسب الخلود، بتحقيقه أعلى صور العبودية لرب العالمين.. وهي الفداء بالنفس، وأية نفس؟!.. وعليه، فلابد من توقير تلك المجالس، بالدخول فيها: بالتسمية، والطهور، واستحضارها كجامعة من أعرق الجامعات الإسلامية الشعبية..

٥٩- إن من الراجح شرعاً أن الجود بشيء من الفضل، يكون أمراً حسناً ممدوحاً.. ولكن الأسمى منه أن يجود المرء بما هو في أمس الحاجة إليه، ومن الواضح أن هذا لا يكون إلا عند من بلغ بنفسه مدارج الكمال، وبالتالي يكون مصداقاً لقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ}..

٦٠- ينبغي للمؤمن أن لا يتوقع من الآخرين الجزاء، ولا يأبه بشكر شاكر أو مدح مادح.. بينما يجب أن يكون كل همه، كسب الرضا والقبول الإلهي، وأن يكون مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا}.. فهل نحن كذلك؟..

٦١- إن من بواعث الهمة والجدية والنشاط، هو تذكر هذه الآية: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}، فهو كان عدماً، وكذلك صائر إلى عدم.. فإذا كان اللقاء بالله -عز وجل- واقعا لا محالة، لماذا لا نجعله لقاءً اختيارياً؟.. (موتوا قبل أن تموتوا)!.. لكي نرى حقائق الأمور، ينبغي رفع حجاب الغفلة والشهوات النفسية، قبل فوات الآوان، وحينها لا ينفع الندم ولات حين مناص!..

٦٢- إن حقيقة الولاية المأخودة من (القرب) تعني الاقتراب ممن ندعي ولايته، في حقل (العقيدة، والسلوك، والمشاعر).. وإلا فلا يتحقق القرب الذي يدعيه الموالي..

٦٣- إن هنالك ممارسات خاطئة في أسلوب الدعاء وطريقته، رغم أهمية الدعاء في أصله.. فمن ذلك: اتخاذ الدعاء وسيلة لتفريج الهموم، دون أن يكون الدعاء وسيلة لتعميق الصلة مع رب الأرباب.. ولهذا نلاحظ الداعي يبتعد عن جوه الروحي المتميز، بمجرد الحصول على حاجته..

٦٤- إن الداعي الذي يدعو لقضاء حاجة ولم تتحقق؛ يعيش حالة من اليأس، والسخط اللاإرادي تجاه الخالق الحكيم الذي يعطي حاجة الداعي: إما معجلة، أو مؤجلة، أو مؤخرة إلى يوم القيامة.. بحيث يتمنى لو لم تستجب له دعوة واحدة، لما يرى من الأجر الجزيل..

٦٥- إن البعض يعيش حالة من الاسترخاء والفتور بعد الدعاء الذي يصاحبه شيء من الرقة، وكأنه يركن إلى ذكر ربه له.. وهو غافل عن حقيقة أن لكل يوم حكمه، فلا ينبغي الركون إلى ساعة الذكر السابقة، وهو الآن من الغافلين.. فإن العجب اللاحق لحالة الإقبال من المهلكات..

٦٦- إن البعض يعتمد على الدعاء، تاركا السعي في تحقيق حاجته، وكأنه يريد من الله -تعالى- أن يقوم بكل شيء نيابة عن الداعي!.. وما الدعاء إلا توفيق بين الأسباب من العبد، والمسببات من المولى..

٦٧- يتحول الدعاء -وخاصة عند الالتزام بذكر أو ورد معين- إلى حالة من لقلقة اللسان، لا يفقه الإنسان شيئا مما يقول.. ومن المعلوم أن هذا النمط وإن كان خيرا من العدم، إلا أنه لا يعتد به كثيرا في تحقيق القرب من المولى، الذي ينظر إلى القلوب لا إلى الصور والأبدان..

٦٨- إن إقامة الصلاة حقيقة تغاير حقيقة إتيان الصلاة، والفرق شاسع بين الإتيان والإقامة!..

٦٩- إن النوافل من سبل تعويض النقص في الفرائض.. فالمؤمن يلتذ بالصلاة بين يدي الله عز وجل، ولا يكاد يشبع من الفريضة، لذا فإنه ينتظر جوف الليل، ليقوم بالمستحبات الليلية.. وبالتالي، فإنه يتدارك تقصيره بالنوافل الليلية والنهارية..

٧٠- إن حرارة اللقاء بين العبد وربه، تعكس مدى قرب العبد من الله عز وجل.. فلو رأيتم إنسانا يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص؛ ولكنه لا يُقبل في صلاته.. اعلموا أنه بعيد عن ربه؛ لأنه لو كان قريبا لأقبل الله تعالى عليه..

٧١- إن الظلم قد لا يلازم العداء دوماً، بل إن الإنسان قد يظلم حتى نفسه التي بين جنبيه.. ومن المعلوم أن الظلم هو التنقيص في إعطاء الشيء حقه، فالأب عندما لا يعطي ولده حقه -وهو يحبه- فإنه يعد ظالماً له.. فإذن، نحن من هذه الجهة قد ظلمنا علياً (ع)، حيث قطّعناه إلى قطع تلائم أمزجتنا.. فمثله كمثل منظر جمالي، اجتمعت فيه صور متداخلة في غاية الجمال، غير أن كل ناظر إلى هذا المنظر يستوقفه ما يستهويه ويناسب مذاقه..

٧٢- إن عليا (ع) هو الشخصية التي حيرت العقول وأذهلت الألباب والجامعة للأضداد، ومن الظلم أن ينظر إليه من زاوية من الزوايا.. فإذن، علينا أن ننظر إليه نظرة شاملة، على أنه خليفة الله في أرضه، الذي حقق هدف الخلقة، والذي رفع استغراب الملائكة عند خلق آدم: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}..

٧٣- إن عليا (ع) هو التجلي البشري الأرضي لأسماء الله الحسنى، بمقدار ما يأذن الله -عز وجل- بتجلي صفاته في عبد مخلوق.. فلنكن في جامعية علي (ع) في عبوديته، وفي خُلقه، وفي علمه، وفي سعيه وجهاده، وفي كل صوره الجمالية التي أعجبتنا، فأخذنا نقتطف منها حسبما نريد..

٧٤- إن من الملفت حقا: أن الإنسان المتوازن في مشاعره، لا ينسى الإحسان إذا كان صادرا من أخيه الإنسان.. بينما نجده لا يؤدي أقل درجات شكر المنعم الواهب لهذا الوجود.. فنرى البعض يتكاسل مثلا في القيام بركيعات -ليست لها كثير قيمة بين يدي ربه-.. والحال أنه يصرف أضعاف ذلك في كل باطل ولغو، لا يعود إليه بنفع في دين أو دنيا!..

٧٥- إن طبيعة من جمع بين الكرم والحكمة؛ عدم إظهار المنة على من ينعم عليه.. ولكن الله تعالى -وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحكماء- يذكر عباده بنعمه في مختلف الحقول، ليكون ذلك باعثا على العودة إليه -وفاء لجميله على العباد- فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.. فكيف إذا كان الإحسان هو عبارة عن نعمة الوجود، وما يستتبعها من النعم التي لا تعد ولا تحصى؟..

٧٦- إن البعض يتمنى الحالة المثالية دائما، ويفترض أنها هي الطبيعية.. والحال أن على المرء أن يكون واقعيا، فإذا تمت له أساسيات الحياة، رأى نفسه في نعمة غامرة، وحاول أن يقنع نفسه بالعمل لزاد الآخرة.. فقد روي عن النبي (ص): (من أصبح وأمسى وعنده ثلاث، فقد تمت عليه النعمة في الدنيا: من أصبح وأمسى معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه.. فإن كانت عنده الرابعة، فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة: وهو الإيمان).. فهل نحن كذلك كما رسمه وأراده حبيبنا المصطفى (ص)؟..

٧٧- إن هنالك حركتين في عالم الوجود في الطبيعة: حركة دائرية لا بداية ولا نهاية لها، وحركة مستقيمة ممتدة.. الحركة الدائرية ليس لها مبدأ ولا منتهى ولا هدف فيها، وليس فيها شوق؛ بخلاف الحركة الممتدة.. الحركة الدائرية في معرض الإحباط والملل واليأس والتقاعس، بينما الحركة الممتدة بخلاف ذلك..

٧٨- ينقسم الناس في الحركة الروحية إلى أقسام: هناك قسم من الناس يعيش الحركة الدائرية، وقسم يعيش الحركة الممتدة، وهناك قوم كالحيطان أو كما عبر عنهم القرآن الكريم كالخشب المسندة..

٧٩- ينبغي أن نستثمر طاقاتنا الباطنية، وقدراتنا الخفية التي اكتشفناها في هذا الشهر، ونحولها إلى وقود للمسير.. فالإنسان الذي روّض نفسه شهراً كاملاً، ما المانع أن يستمر في هذه الحركة؟.. ولنحاول أن نرجو الله -سبحانه وتعالى- في الربع ساعة من اليوم الأخير، أن لا يخرجنا من ضيافته إلى التيه والضلال، ونطلب منه أن يضيفنا سنة كاملةً كما أضافنا شهراً..

٨٠- إن البعض يحصر مفهوم النصر بالقضاء على الخصم عند المواجهة، والحال أن للنصر مفهوما أوسع من ذلك بكثير.. فإن بقاء القيم التي من أجلها ضحى صاحبها، لهو أكبر دليل على النصر.. وهذه هي رسالات الأنبياء والأوصياء نابضة بشعار التوحيد، رغم ما جرى عليهم من صنوف الأذى..

٨١- إن من الطبيعي أن يبتلي الله -تعالى- عباده بحالات الانتكاس بعد النصر؛ لئلا يركنوا إلى قوتهم.. إذ لا ناصر في الوجود إلا الله تعالى، فهو الذي بيده أسباب النصر ولا غير، أليس له {جنود السموات والأرض} كما عبر القرآن الكريم.. وهذا هو الامتحان الذي وقع في معركة أحد، حينما أقبل بعض المسلمين على عاجل الدنيا، فحبس الله -تعالى- عنهم النصر، مع ما وقع فيهم من القتل والجرح البليغ!.. وليعلم هنا أن لله -تعالى- سننه الثابتة في الخلق، ومنها: أن النصر الإلهي للعباد، متوقف على نصرة العباد له، بمعنى إقامة حدوده، وشرائع أحكامه..

٨٢- إن المؤمن الرسالي ينبغي له أن يذوب في عقيدته، وأن يبتعد عن النظرة المادية، ويسلم بأن الله -تعالى- شاء لهذه الذوات المقدسة مستوى من الكمالات والعلم والمعرفة، ما يجعل العقول قاصرة وعاجزة عن الاستيعاب والفهم.. ولكن الأمر يحتاج إلى درجات راقية في الفهم، فأين نحن واستيعاب ما بلغه المصطفى (ص) الذي وصل إلى أعلى مدارج الكمال المعنوي؟!..

٨٣- إنه لمن المؤسف ما يرى عند البعض من استقلال واحتقار دور المرأة المربية في بناء الأسرة المسلمة، واعتقاد أن الدور الأمثل لها هو أن تكون وزيرة، أو قاضية، أو سفيرة أو غيره من المراتب والمناصب.. والحال أن لها دورا راقيا، قد يفوق دور الرجل.. فهي: الزارعة، وهي المهندسة، وعلى يديها وجد العلماء والعظماء والأدباء والفلاسفة في المجتمع..

٨٤- إن للاعتقاد الحق الذي يرتبط بعالم الجوانح، ضريبته المرتبطة بعالم الجوارح.. فمن عرف السبيل الصحيح، عليه أن يبذل جهده في الحركة فيه، وإلا فإنه سيواجه الندامة الشديدة يوم القيامة، حيث قطع نصف الطريق وبقي النصف الآخر.. ومن هنا فإن أشد الناس ندامة يوم القيامة، من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره..

٨٥- إن من فروع الاعتقاد المهم، هو الاعتقاد بالحركة المهدوية، التي تختم بها حياة البشرية.. فإن الله -تعالى- لم يخلق الكون سدى: فكما أن الشمس تجري لمستقر لها؛ كذلك الحركة البشرية تجري لمستقر حضاري، يمثل قمة العدل في تاريخ الإنسان.. فالهدفية والمحورية من سمات هذا الوجود، ولاشك أن محور هذا الوجود هو التوحيد، إذ البدء والختم يعود إلى واهب هذا الوجود، وهدف هذا الوجود هو صيرورة الكون كله بلون واحد، وهو لون العبودية لله الواحد سواء في عالم الجمادات أو الناطقات..

٨٦- إن من الآثار المهمة للاعتقاد بوجود الإمام المهدي (ع) هو شحن طاقات الأمة، وبعث روح الأمل فيها.. ففرق بين من يسير وليس له هدف مرجو ومحدد، وبين من يسير ويحدوه الأمل الكبير بأن نهاية النفق الطويل المظلم هو النور والفلاح.. ومن هنا تأكد الأمر بانتظار الفرج وأنه أفضل الأعمال.. ومن الواضح أن المراد بانتظار الفرج، هو تهيئة الأسباب لقدوم من ننتظر فرجه، وإلا فمجرد الشوق -بل حتى الدعاء- لا يعد من مصاديق انتظار الفرج..

٨٧- إن المعرفة على نوعين: هناك المعرفة الاكتسابية، وذلك من خلال مراجعة بطون الكتب، والاستماع لأهل العلم.. وهناك معرفة إشراقية يتلقى الإنسان فيها جانب من المعرفة: شرحا للصدر، والقاء في الروع، وتسديدا للفكر، وتثبيتا للفؤاد.. ولا شك أن الارتباط النفسي والشعوري بصاحب الأمر (ع) من موجبات التفضل الإلهي لهذه المعرفة الإشراقية..

٨٨- إن من الحقائق المؤسفة، ما نراه متفشياً بين الناس هذه الأيام، من هدرٍ لساعات العمر في كل ما هبَّ ودبَّ، في الأمور اللاهية واللاهادفة.. ولو أن هذا الشيء المنفق عبثاً كان مالاً، لغلبه التألم بل الضجر الشديد، والحال أن العمر هو أغلى شيء في الوجود..

٨٩- لا يقتصر العمل الجاد في الحياة، وتربية النفس والفكر والعواطف، والجوارح والجوانح، فقط على العلماء والمراجع؛ بل أيضاً على عامة الناس.. فإن ابن آدم إذا مات قامت قيامته، فالقبر إما حفرة من حفر النيران، وإما روضة من رياض الجنة.. فالذي يعتقد بهذا المصير، ألا يحق له أن يفكر بشكل جدي ماذا يعمل، ليوقف هدر هذا العمر الذي ذهب عبثاً!..

٩٠- إن الإنسان المؤمن طاقة بناءة، طاقة مفكرة، يطالع ويقرأ ويتأمل؛ لذا تراه في حالة من الهدوء والسكينة لا يخشى شيئاً، تتصاغر في عينه كل عناصر القوى الكبرى المستكبرة، بل تبدو في ذهنه كالدمى.. لأنه يعلم بأن صاحب هذه القوى العظمى هو رب العالمين، وكل ذلك إنما هو من بركات الحركة الفكرية الدائبة والمطالعة المستمرة..

٩١- إن المؤمن عليه أن يحذر في تعامله مع الآخرين، ويجنب نفسه القيام بأي حركة كاسرة لنفس أي كان: أم، أو زوجة، أو أخت، أو خادمة، أو…؛ وإلا فإن الرب له بالمرصاد، وسيبتلى بقساوة في القلب، أو حرمان في الرزق، أو سقم في البدن..

٩٢- إن الذي يرى هدفه واضحاً أمامه عينيه، ولكنه يفتقر إلى الآلات والأساليب الموصلة، لا شك في أنه سيظل قابعاً في مكانه دون حراك، ومن هنا لابد من وجود ما يوصله إلى هدفه.

٩٣- إن الإنسان الذي يسير على غير هدى، لا تزيده كثرة السير إلا بعدا.. ومن هنا نرى كثرة الضحايا والمنحرفين، والدعاوى الباطلة، وقلة الواصلين.. لذا ينبغي له أن يستعين بالقادة (ع) الذين بلغوا الأوج في الكمال العلمي والنفسي والخُلقي، الذين نصبهم الله -عز وجل- لهذه المهمة الخطيرة، والله أعلم حيث يجعل رسالته!..

٩٤- لابد للإنسان المؤمن الإلمام بالثقافة الدينية، سواءً في المجال الفقهي، أو العقائدي، أو بمفردات كتاب الله تعالى.. ومما يثير العجب والأسف، أن يكون الإنسان متخصصا في بعض الحقول المعرفية الدنيوية، في حين يكون غافلاً عما يضمن له سعادته في الآخرة!..

٩٥- إن الإنسان المؤمن لا يقدم مستحباً على مستحب، ولا واجباً على واجب، من تلقاء نفسه، ولمجرد ميله ورغبته.. إنما هناك في التراث الروائي، بعض القواعد التي نستطيع من خلالها أن نفرق بين الواجبات والمستحبات المتزاحمة..

٩٦- إن الذي لا مراقبة له، عليه أن لا يتوقع فوزاً ولا نجاحاً في حركته التكاملية..

٩٧- إن الإنسان المؤمن الذي يعيش سنوات من المجاهدة والمراقبة، لابد وأنه سيصل إلى حالة من التكامل النسبي، تؤهله أن يلقى ربه وهو على أفضل حالة.. لأنه يفكر كيف يرسم مستقبله اللامحدود الأبدي بهذه السنوات المحدودة التي سرعان ما تطوى!.. فكيف به يقنع أن يكون من الضيفان في الجنة، وغايته القصوى حوز الرضوان الإلهي ومجاورة النبي وآله (ع)؟!..

٩٨- إنه لمن الواجب علينا أن نتعلم آداب التعامل مع أقدس البقاع على وجه الأرض، ألا وهي بيوت الرحمن.. فإنه لا نكاد نجد أحدا، إلا وله صلة ببيوت الله تعالى، بنحو من أنحاء الصلة.. فكيف نتعلم آداب التعامل مع المسجد، والذي يعتبر محطة من محطات التعامل القربي مع رب العالمين؟!.. فالتفقه في كيفية التعامل مع مفردات الشريعة، مقدمة للوصول إلى التوفيقات في ذلك المجال..

٩٩- إن على الإنسان المؤمن، أن يستحضر حقيقة أن المسجد بيت رب العالمين حقيقة لا مجازا.. عليه أن يستحضر حقيقة هذا الانتساب، عندما يتوجه إلى تلك البيوت المباركة.. وخاصة عندما يخرج من منزله بهذه النية، مستحضرا حقيقة أنه سيحل ضيفا لله -عز وجل- عندما يكون في تلك البقعة المباركة..

١٠٠- إن الإنسان منذ ولادته وهو في حركة تكاملية، ينتقل من منزل إلى منزل.. فهو في سفر، والسفر لابد له من زاد، ويواجه العقبات.. وهو يحتاج في طريقه إلى الرائد – كما في المثل العربي الرائد لا يكذب أهله- الذي يدله الطريق، ويؤمن له المخاوف، ويكفيه شر الأعداء، وعلى رأس هؤلاء الشيطان الرجيم..

١٠١- إن من بواعث اليقظة والانتباه، هي الجلسات التأملية مع النفس، وإثارة حالة من الغيرة.. فالروح هي أشرف أنواع الوجود، لطيفة ربانية، بها استحق آدم سجود الملائكة.. فلماذا هذا البدن الفاني في كل آن من آنات الحياة يسبح وهي لا؟!.. إنه من المؤسف فعلاً أن يترك الإنسان الظلوم الجهول السباق، فبينما جسمه يسبح، هو يعيش حالة من الغفلة المطبقة!..

١٠٢- إن من موجبات رفع الغفلة : زيارة القبور.. لا لأخذ الأجر والترحم على الموتى فحسب!.. بل لتفقد البيت الذي سيصير إليه؛ تاركاً وراءه كل أنواع المتاع الزائل..

١٠٣- من المعلوم أن طبيعة الأكثرية هي غير عاقلة، لذا ترى كثيراً ما يصرح القرآن الكريم بذمهم: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، {أكثَرُهُم لا يعلمون}، {أكثَرُهُم لا يعقلون}.. ولكن -مع الأسف الشديد- ما يرى هذه الأيام، أن العقل الجماعي يسوق الأفراد والأمم، والحال أنه ينبغي للمرء عدم تجميد الفكر والإتباع الأعمى؛ غافلاً عن القيم والمبادئ الذي جاء بها الشرع..

١٠٤- إن من الأمراض الشائعة هذه الأيام: الإحساس بالوحدة، وعدم وجود الأنيس الموافق.. فالإنسان وإن بدا سعيدا بين أفراد أسرته، إلا أنه بمجرد أن ينفرد عنهم، سواء في المنزل أو خارج المنزل؛ يعيش حالة من الضيق والاكتئاب.. وتزداد الوحشة عند الفراق، كلما زاد أنسه بهم عند الاجتماع.. ومن المعلوم أن حالة الاجتماع مع الأهل والأصدقاء، لا يدوم حتى في الحياة الدنيا، فكيف في عالم تنقطع فيه النسبية والسببية؟!..

١٠٥- إن الحل الأساسي لمن يريد أن يعيش حالة الأنس والسكينة الروحية: هو في الارتباط بالمطلق الذي لا يفارق الإنسان أبدا؛ بدءً من عالم الأرحام الضيقة، ومرورا بالبرزخ، وانتهاء بعرصات القيامة.. والحال أنه هو الذي بيده مقاليد الأمور كلها.. أوَ ليس من الغريب حقا أن يترك الإنسان الاستجداء من الغنى المطلق، ليستجدي من مستجد آخر مثله!.. أوَ هذا من المنطق في شيء؟..

١٠٦- إن أهم سبيل لتحقيق القرب من الحق، هو مقاومة المنكر بكل صوره.. فكيف يتودد الإنسان إلى جهة يمقته صاحبها، وذلك لمداومة المخالفة والعصيان؟!.. إذ من أحب أحدا، أحب ما يتقرب به إليه، ففي حالات الغرام المتعارفة بين المنحرفين من الجنسين، نرى أعلى صور التفاني في هذا المجال، يصل إلى حد قطيعة الأهل وهجرة الأوطان.. رغم أنهما بعد فترة -ليست طويلة- يستيقظان على واقع سرابي، وذلك عندما تتلاشى قوة الغريزة فيهما بفعل التكرار، الذي يوصلهما إلى حد القرف والاشمئزاز في كثير من الأحيان..

١٠٧- إن التعلق والأنس بما دون الخالق، له علاقة عكسية بالأنس بمصدر الأنس في الوجود.. إذ كلما أنس الإنسان بمجالس الغافلين، فإنه ستُسلب منه لذة الإحساس باللقاء الإلهي.. ومن أنس مجالس البطالين، كيف يتوقع أن تفتح له أبواب الورود على بساط سلطان السلاطين، وخاصة مع الالتفات إلى أنه ما جعل الله -تعالى- لرجل من قلبين في جوفه.. ومن المعلوم أن الدنيا والآخرة ضرتان، لا يمكن إرضاء إحداهما إلا بسخط الأخرى، كما هو معلوم من خلال التجربة والبرهان!..

١٠٨- إن من الأسباب الرئيسية في بطء الحركة التكاملية -بل انعدامها- هو فقدان الشهية الباطنية للغذاء المعنوي.. فإن من لا شهية له في هذا المجال، كيف يمكن إقناعه بالتوجه إلى الموائد الربانية؟!.. إذ من المعلوم أن عزة المقام الربوبي، تستدعي أن تكون الحركة الأولى من العبد، وهي القفزة الأولى في كل حركة متواصلة.. فإذا رأى المولى في عبده مثل هذا الصدق، أخذ بيده ليسدده في حركته، وهو ما لاحظناه في فتية أهل الكهف، والمستضعفين من أصحاب موسى (ع)، بل السحرة الذين قاموا في وجه فرعون..

١٠٩- إن حالة الترف والركون إلى زوائد الحياة الدنيا، مما يستوجب المعاقبة، فيما لو أوجب تقصيرا في حق الله تعالى، أو المعاتبة إذا أوجب غفلة وتثاقلا إلى الأرض.. ولقد لاحظنا أن المستأنسين بفضول العيش، يعيشون حالة الخدر الباطني.. ومن الواضح أن النعيم الذي يلفهم، سيتحول مع مرور الأيام إلى شرنقة فيها الهلاك، كهلاك دودة القز!..

١١٠- إن من الغريب أننا نحذر مخاطر كثيرة في حياتنا اليومية، رغم أنها لا ترى كـ: الجراثيم، والإشعاعات الضارة.. ومع ذلك نحسب لها ألف حساب، ليقيننا بأن عدم رؤيتها لا يمنع من ضررها.. والحال أننا أهملنا من أمرنا الله -تعالى- باتخاذه عدوا، ومن المعلوم في هذا المجال: أن صديق العدو عدو، كما أن عدو الصديق عدو آخر.. فهل اكتشفنا تطبيقات لهذه المعادلة؟!..

١١١- إن من أساليب استحواذ الشيطان على النفوس: إلقاء الخاطرة الخبيثة في النفس، وخاصة في ساعات الضعف البشري، واستغلال ساعات تواجد الإنسان في بيئة المنكر، كـ: الخلوة بالأجنبية، ومصادقة أهل المنكر.. واستثمار حالات خروج الإنسان من طوره، وذلك عند اشتداد الغضب والشهوة.. وإيقاع العبد في حالة اليأس من رحمة الله -تعالى- عند التمادي في ممارسة المنكر.. ولكن لنعلم أن من ألقى بنفسه أخيرا في أحضان الرعاية الإلهية؛ فإنه قد دخل ذلك الحصن الذي لا يمكن أن تقتحمه شياطين الجن والإنس!..

١١٢- إن مشكلة الغفلة، لهي من المشاكل المشغلة لبال الكثيرين ممن يعيشون حقيقة: أن الغفلة عن مبدأ الوجود، تحيل الإنسان إلى موجود فارغ لا قوام له.. فإن الانقطاع عن مبدأ الفيض في الوجود، لهو انقطاع عن مصدر كل بركة وتسديد.. فلنتصور جهازا انقطع عنه التيار -وهو سالم في كل خصوصياته- أوَ هل له أثر وجودي في الحالة تلك؟!..

١١٣- ليس في الغفلة دائما عنصر التعمد والإصرار، فإن العدو المتمثل بالشيطان، يريد منا آثار الغفلة ولو حصلت من غير عمد!..

١١٤- إن هنالك فرقا واضحا بين الاستحضار القلبي للمحبوب المطلق، وبين الاستحضار الذهني له.. فإن الكثير منا لو راجع فؤاده، لرأى شعاع ذلك النور، متوهجا في قلبه، إلا أن المشكلة في أنه لا يستحضر وجود مولاه في ذهنه، وذلك لكثرة وجود المشغلات التي تذهل الإنسان عن التفكير في حالة المعية التكوينية.. ومن الآليات العملية لتجاوز هذه الحالة: الالتزام بالتسمية قدر الإمكان -كما دعت إليها الشريعة قبل كل أمر ذي بال- وبالتالي يتوزع الذكر الإلهي -ولو في مرحلة الألفاظ- على نشاطه اليومي.. وهذا بدوره مقدمة للذكر القلبي الدائم..

١١٥- ما من شك في أن جهد العبد ومجاهدته بين يدي الله تعالى، من موجبات انفتاح باب القرب على العبد.. إلا أن العنصر الحاسم في هذا المجال: ارتضاء المولى لجهد عبده، وترشيحه لدائرة الجذب التي من دخلها كان آمنا..

١١٦- إن من مصاديق التقوى، أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الآخرين، كما قال تعالى: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.. ومن هنا على الإنسان أن يقتلع كل الجذور السوداء من نفسه: كالحسد والحقد والكراهية وغيرها من آفات النفس.. إذ أن القلب الذي تلوث بكل تلك الأباطيل، لابد وأن يكون بعيداً عن نور الله عز وجل.. ولكن لا يخلو الأمر من تسديد إلهي في هذا المجال!..

١١٧- لنلتزم بصلاة أول الوقت، فإنه مفتاح صغير لخزائن كبيرة وجواهر قيمة..

١١٨- إن حكمة الله -عز وجل- تقتضي أن يجعل كل شيء في موضعه.. فعمل الحكيم مطابقٌ لقواعد الحكمة، فليس هناك جزافٌ في أمر الحكيم.. وليس هناك ترجيحٌ، بلا مرجّح.. فمثلا: إذا كان هناك عنصران، والحكيم يعطي امتيازا لعنصر دون عنصر، فهذا خلاف الحكمة الإلهية البالغة.. فإذن، إن تصرفات الله -عز وجل- في قلوب العباد: ربطاً، وهدايةً، وخذلاناً، وتوفيقاً؛ كل هذه الأمور منشؤها من العبد.

١١٩- إن نقل المعلومات من الذهن إلى الذهن، يحتاج إلى عمليات معقدة، والأمر ليس من باب كن فيكون!.. فالأفكار والرؤى ليست عبارة عن كتلة مادية، تنقلها من ذهنك إلى ذهن الطرف المقابل!.. هنالك مجموعة قناعات ومبادئ في ذهن الطرف المقابل، لابد أن تغسل هذه القناعات غسيلاً علمياً، لتلفت نظره إلى المقدمات الباطلة، التي أوجبت النتيجة الباطلة.

١٢٠- إن على الإنسان أن يستشعر وجود ربه معه دائما، فيرى بأن الله أقرب إليه من حبل الوريد ومن نفسه، ويعيش هذه العلاقة المتصلة.. فهذا الإحساس هو نعم الضمانة لعدم الاقتراب من المعصية، هل رأيتم إنسانا في محضر السلطان يعصي أوامره؟..

١٢١- مما يثير الأسى أننا لا نرى آثار الأعمال كما ينبغي، والسبب في ذلك ليس النقص في المقتضي، بل وجود المانع.. لذا فالمقتضي لا يؤثر أثره: عودة رطبة تجعلها على النار مدة طويلة، تبقى العودة من دون اشتعال، نعم إذا جفت الرطوبة، ويبست هذه الخشبة؛ فإن كبريتة واحدة تكفي لتشعل النار في هذه العودة.. نحن مشكلتنا في هذه الرطوبات المانعة في وجودنا.

١٢٢- إن الإنسان في العمل التبليغي، عليه أن لا يستعجل الثمار الآنية.. فالفكرة تتغلغل إلى باطن الشخص، وقد لا يعمل بها، ولكن يبقى كملف مستور في حاسوبه.. بعد سنوات في ساعة من الساعات، وإذا به يستذكر هذه النقطة، ويصبح منطلقا لتغيير منهج حياته.

١٢٣- إن الإنسان عندما ينظر إلى المستقبل، يراه مجهولا تماما، وبفضل الله -عز وجل- من الممكن أن يعيش الإنسان حالة الأمل.. ولكن هل هناك من يقسم على القرآن الكريم، أنه سيموت على الحالة التي يريدها الله -عز وجل-؟.. من المؤكد لا!.. لأن هذا الأمر يحتاج إلى يقين جازم!.. فبما أنه ليس هناك ضمانة، فإن قلوبنا لا تقوى على هذا القسم.. وبالتالي، فنحن على خطر عظيم!..

١٢٤- إن المصلح الاجتماعي من أول صفاته، أن يكون ممتلكاً للقلوب.. فإن القلب إذا انقاد؛ الفكرة والعقل ينقادان أيضاً..

١٢٥- إن الرزق إذا تجاوز عن حده، أصبح من موجبات الانشغال والالتهاء، فالاستغناء الظاهري أرضية للاستعلاء الباطني، وهذه قاعدة معروفة (ما قل وكفى؛ خير مما كثر وألهى).. وعليه، فإن المؤمن طلبه من الله عز وجل، أن يعيش حالة الكفاف..

١٢٦- إن البعض يُراجع الرسالة العملية وكُل أمنيتهِ أن يأتي الفقيه بالجواب.. هو يحب أن يعمل معاملة ربوية معينة، أو يقوم بعمل يوافق شهوتهُ مثلاً، وعندما يرى المسألة خلاف مزاجهِ يغّير المرجع.. وهنالك قسم من الناس يلتقطون الفتاوى التقاطا؛ أي يأخذ من كُلِّ فقيه ما يناسب مزاجهِ ورأيه.. هل هكذا يؤخذ الدين؟!..

١٢٧- بما أن الوضوء حالةٌ متكررة في حياتنا اليومية، فمن المناسب أن نعلم بعض الأحكام، وإن كانت واضحة.. البعض -مع الأسف- يخلط بين النية القلبية وبين النية اللفظية.. فأصولاً: النية من أعمال القلب، فـ(لكل امرئ ما نوى) فهي عمل في القلب.. وعليه، فإن الإنسان إذا أظهر ما في قلبه على لسانه فلا بأس، وإذا لم يظهره فإن هذه النية موجودة، بمثابة خزّان من الماء.. فمن المعلوم أن الماء موجود في الخزان، فإذا فتح الصنبور هذا الماء يظهر، وإلا فهو موجود، ولكنه مخزون.. والنية كذلك.

١٢٨- إن الإنسان في قطار العمر له حرية ولا حرية، كما في الحديث (لا جبر ولا تفويض؛ وإنما أمر بين أمرين).. فمنذ أن سقط من بطن أمه، وقطار العمر يسير به في حركة دائبة.. وفي كل يوم هو يبتعد عن الدنيا، ويقترب إلى محطة الآخرة.. وعندئذ فلو أنه أقسم على ملك الموت بأغلظ الأقسام لإمهاله، فإنه لن يستجاب له.. وعليه، فما دام هنالك مجال لاستثمار هذه المحطة النهائية، لماذا لا نستثمر ونستعد لذلك اليوم قبل طي الصحف؟!..

١٢٩- إن التسمية نوع استئذان للتصرف في ملك الله سبحانه وتعالى.. والعبد في محضر الله -عز وجل- ويريد أن يأكل مما خلق من: الطعام، والشراب، واللباس؛ فمن الأدب أن يستأذن مولاه.. واستئذانه لا يحتاج إلى جواب، وإنما استئذانه يكون بالتسمية.. فاستئذانه يعني الموافقة.. والله -عز وجل- أكرم وأجلّ من أن يسميه الإنسان، ويذكر اسمه؛ ولا يأذن له بالتصرف!..

١٣٠- إن من بركات التسمية الوقاية من الذنوب؛ فعندما يسمي الإنسان، ويزاول عملا؛ فإنه من الطبيعي أن يلحظ رضا الله -عز وجل- في ذلك العمل.. فالذي يقوم بعمل ما ويقول: {بسم الله الرحمن الرحيم} بالتفات وتوجه، لا بد أن يراعي رضا الله -عز وجل- في ذلك العمل؛ فلا يعصي الله..

١٣١- إن الشريعة من موجبات السعادة.. البعض يظن بأن الوعود القرآنية ليست كوعود الفيزياء، فرب العالمين وعدنا الماء قطعاً عندما يجتمع الهيدروجين مع الأكسجين.. أما عندما يقول: {إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}؛ يقولون: ربما يوفق وربما لا!.. من قال هذا؟..

١٣٢- إن رب العالمين يمهد الأرضية لترقي البشرية، ولهذا نحنُ لا نستغرب أن يبلغ العلم مداه قبل ظهور إمامنا المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

١٣٣- لا ينبغي أن نبالغ في الاعتقاد، بتقيد الكفار بأنظمة الحياة المختلفة.. فإن هذا التقيد، نابع من اعتقادهم: بأن حفظ النظام، يعود عليهم بالمكاسب والمنافع.. وليس هذا نابعا من اعتقادهم بالنظام كقانون من قوانين الأخلاق الإنسانية.. والدليل على ذلك: أنه لو رأى مصلحته متوقفة على الإخلال بالنظام في أبشع صوره، لما تورع عن ذلك.. وهذا الذي يفسر استخفافهم بحقوق الآخرين من الأمم الأخرى.. والحال أن فقهاءنا الأبرار لا يجيزون الإخلال بالنظام العام في أي بلد من البلدان، من منطلق الوظيفة الشرعية والإنسانية، لا من منطلق المنفعة.

١٣٤- إن الاحتفال بالرموز التي لا ترتبط بالشريعة المقدسة -بل قد تخالفها- من الأمور التي قد تسبب نزول السخط الإلهي على العبد.. فما هو الوجه في تعظيم شخصيات، أو أيام مرتبطة بما تعارفت عليه المجتمعات الكافرة؟!.. ومن ذلك ما يسمى بـ”يوم الحب” الذي صار مناسبة عند الكثيرين، لإظهار الغرام المحرم والممارسات الشهوية.. والحال أن المؤمن كل يوم له يوم حب، كما أراده الله -عز وجل- له.. والحب الذي يلازم الهوى والمجون، لا يوم له في حياة المؤمن.

١٣٥- إن الكثيرين ممن سافر إلى بلاد الكفر قد ينطبق عليه عنوان (التعرب بعد الهجرة) سواء رضوا بذلك أم لم يرضوا.. وذلك فيما لو كانت هجرتهم في معرض الانحراف عن العقيدة، أو ارتكاب الحرام ولو بلحاظ أسرهم.. فإن الأبناء في تلك البلاد تحت رحمة الأجواء المنحرفة التي تحيطهم من كل صوب، سواء داخل المنزل أو خارجه.. وعليه، فإن كان لابد من المكوث في تلك البلاد لفترة من الفترات، فإن على المؤمن أن يعزم على العود إلى البيئة الإيمانية المناسبة، في أول فرصة سانحة له.. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى: أن يحاول تحصين ذريته؛ لئلا يأتي يوم القيامة فيرى جيلا منحرفا عن أصل الدين وتشريعاته، وذلك من ذريته التي نشأت في تلك البلاد من نسله، وبذلك يتحمل أوزار القوم جميعا.. أوَ هل هنالك حسرة أعظم من ذلك؟!..

١٣٦- إن الهجرة عن الوطن، من موجبات النسيان التدريجي للمنبت الأسري.. وبالتالي التورط في تبعات قطيعة الرحم، والتي هي من موجبات المقت الإلهي ، وحرمان الرزق، وبتر الأعمار، وغير ذلك مما ذكر في النصوص الشريفة.. ومن الواضح أن التفات الإنسان لأسرته البعيدة عنه، مع عدم حاجته إليهم من موجبات تحقق قصد الإخلاص، والذي يفتح بركات لا حدود لها في الحياة.

١٣٧- إن مما يؤكد الحاجة إلى التخصص، هو هذا الكم من المفاهيم الهلامية، التي تطرح في أسواق الفكر هذه الأيام.. ولطالما أسيئ استغلالها؛ نظرا لعدم وضوح معانيها وحدودها بدقة، مثل: مفهوم الحرية، والديمقراطية، والشورى، وحرية المرأة، والانفتاح على الغير، والتقليد، والتحديث، والعولمة، وغير ذلك.. ومن الواضح أن هذه المفاهيم، تتوقف عليها مواقف عملية، تغير مجرى حياة الفرد والأمة، سواء في جانب الخطأ أو الصواب.

١٣٨- يجب الابتعاد عن النقاش في الفروع، قبل تثبيت الأصول.. فلا بد من التركيز على القواسم المشتركة، ليكون النقاش مبنياً على أساس علمي ومنطقي سليم.. فهل من المعقول أن نقنع المنكر لوجود الله -تعالى- بعدالته مثلا؟!.. أو نقنع المنكر لنبوة النبي الخاتم (ص) بعصمته مثلا؟!.. أو نقنع المنكر لمبدأ الإمامة واستمرارية التشريع من خلالها، بفروع المذهب الثابتة من خلال كلمات أئمة الهدى (ع): كالتقية، والتبرك، والزواج المؤقت، وغير ذلك من التفريعات الفقهية؟!..

١٣٩- إن من القواعد المهمة في الحوار: التحبب إلى الطرف الآخر، واحترامه، وملاطفته.. وخصوصا إذا كان من المستضعفين، الذين ليس لهم غرض مشبوه من وراء النقاش.. فالمناظر الناجح هو الذي يتكلم بثقة واطمئنان بما يعتقد به، ملتزما حدود الأدب، متورعا عن أسلوب التجريح والسباب والغوغائية.. إذ أنه بذلك يدخل في قلب الطرف المقابل، ليكون ذلك مقدمة لإدخال الفكرة إلى عقله.

١٤٠- إن من موجبات بعث الهمة في نفوس الأمة -وخاصة في ظروف تغلب الشر- هو تذكر الوعد الإلهي القاطع في كتابه الكريم، من استخلاف عباده الصالحين في الأرض، وإن طالت المدة: اختبارا للعباد، وسوقهم إلى قطع الأمل من كل مصدر نجاة غير مرتبط بالسماء، وهو الذي لم يكتب النجاة لبنى إسرائيل، إلا عندما بلغ الطغيان مداه {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ}.. إن الاعتقاد بأن الأرض بدأت بمرحلة من الصلاح من “خلقة آدم (ع)” وتنتهي بالصلاح “دولة المهدي (ع)”؛ يجعل الإنسان لا يضطرب عندما يرى حاكمية غير الله -تعالى- في الأرض، وقد ورد: أن للباطل جولة، وللحق دولة.

١٤١- إن من المسائل الشاغلة للبال عند الكثيرين: مسألة العلاقة بين الفكر والعاطفة، ودور كل منهما في ضمان النجاح في حركة التكامل، والتوفيق بينهما بما يضمن عدم تقديم أحدهما على حساب الآخر.. فكما أن جمود العاطفة يؤدي إلى ضمور الفكر وعدم فاعليته، فإن فوران العاطفة أيضا يؤدي إلى حجب الفكر عن ساحة الحياة.
إن الناس صنفان: فالصنف الأول يتناول أمور الإيمان والعقيدة، تناولا أكاديميا نظريا، وكأنه ينظر إلى ظواهر علمية جامدة، ليس لها انعكاس خارجي على حركة الحياة‍‍.. فشأنه في ذلك شأن من يدرس الرياضيات والفيزياْء، بلا حب أو تعاطف مع موادهما، حتى ولو تخصص فيهما أعمق التخصص.

١٤٢- إن الإلغاء التام للعاطفة قد جر البعض -حتى من تخصص في أمور الشريعة، واشتهر بالكتابات الموسعة فيها- إلى التفريط في أهم الواجبات اليومية، وممارسة المعاصي إلى حد الإسراف وتجاوز الحد.. والحال أن مثلهم في ذلك كمثل المستشرقين الذين ساهموا في إثراء جانب من الفكر الإسلامي، من دون أن يستثمروا هذه المعرفة النظرية، في اتباع هذا الفكر، والتعبد بأقوال صاحب ذلك الفكر.

١٤٣- إن الذين تغلبت عليهم العاطفة في مجال العقيدة، من دون أن يترجموها إلى التزام في الخارج محتجين بالحديث: (وهل الدين إلا الحب)؟.. ومن هنا قد نرى من النساء من لا تلتزم بالحجاب الشرعي، بدعوى أن الدين: حركة في القلب، وطهارة في الباطن.. وهذه دعوى باطلة لا يمكن قبولها، والحديث المذكور يشير إلى أهمية وموقع الحب في الدين، لا أن الدين منحصر بالقلب المنفصل عن قالبه.

١٤٤- إن البعض يلجأ إلى تأجيج العاطفة المبالغ فيها، كنوع من التعويض مقابل ما يرتكب من المعاصي، وكأسلوب من أساليب تهدئة الضمير الثائر على صاحبه.. إذ قد نرى من لا يدفع ما في ذمته من الحقوق المالية الواجبة: كالخمس، والزكاة؛ ملتجئا إلى بعض صور الخير المحدودة: كالمساهمة في بناء مسجد، أو كفالة ليتيم.. وذلك لإرضاء وجدانه، رغم علمه بالتقصير الكبير فيما بينه وبين ربه.. وهل يمكن أن تنطلي هذه الحيلة على من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟!..

١٤٥- إن الموقف الصحيح في نظر الشريعة؛ محاولة التوفيق بين العاطفة والعمل.. فمن جانب: علينا أن لا ننتقص من قيمة العاطفة تماما، إذ ليس من الصحيح ما قد يعتقده البعض، من أن الحب يكتسب قيمته فيما لو تحول إلى عمل، وأنه ليست له قيمة في حد ذاته.. والسر في بطلان هذا القول هو: أن الحب حركة في الباطن، كما أن العمل حركة في الخارج، ولكل منهما قيمته المستقلة في ميزان تقييم الفرد.. ومن جانب آخر: فإن العاطفة إذا لم تتم السيطرة عليها وضبطها، فإنها قد تتحول إلى حالات من الوهم والمبالغة في عالم السياحة والخيال، كما شاهدنا ذلك كثيرا في التاريخ مثل: تأليه عيسى (ع) من قبل أتباعه، وبعض صور الغلو في المسلمين.. فإن العاطفة الفوارة، بمثابة الطاقة الكامنة التي إذا لم تستثمر في المشاريع النافعة، فإنها قد تتحول إلى طاقة تدميرية كبيرة.

١٤٦- لا بد من أخذ الحيطة المضاعفة بالنسبة للأحداث، الذين طالما اكتسبوا الصفات المنحرفة من خلال السفر إلى البلاد المنحرفة.. وكم من المؤسف حقا أن يزج ولي الأمر -وهو الراعي لرعيته- فلذات كبده في مستنقع من الرذيلة، وذلك بأمواله التي جعله الله -تعالى- مستخلفا عليها.. وكذلك لا بد من أخذ الحيطة الشديدة، لعدم التفريط في حد من حدود الله -تعالى- وخاصة بالنسبة للحجاب الشرعي، وقواعد التعامل بين الجنسين.. فإن الكثير يتحلل من هذه القيود عندما يخرج من بيئته المحافظة، وكأنه غاب عن نظر مولاه!..

١٤٧- من الغريب أن البعض يتستر على ما يجهله من أمور الدين، بدعوى الخجل والاستحياء.. والحال أنه لا يجد ضيرا في مراجعة الطبيب، وإن استلزم الكشف على بعض بدنه.. أوَ ليس الاهتمام بما فيه سعادة الأبد، مقدم على ما سواه؟..

١٤٨- إن هناك أمرين يكمل أحدهما الآخر: ألا وهو السلوك الفردي مع الله تعالى، متمثلا في إقامة الصلاة بحدودها، إذ أن كل شيء تبع للصلاة -كما يفهم من النصوص الشريفة-.. ومن ناحية أخرى الاهتمام بالسلوك الاجتماعي، متمثلا بمراقبة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، فلا يفقد حالة الحساسية من المنكر -وخاصة في دائرة القريبين منه-.. فإن من ترك ذلك، ارتفع قبح المنكر من عينه، ومن هنا سهل عليه الدخول في المنكر يوما ما.. وهذه من دواعي النهي عن الهجرة إلى البلاد التي يعم فيها الفساد؛ خوفا من زوال قبح المنكر، ولو خطوة فخطوة.

١٤٩- إننا نعتقد بأن تأثير القول مستند إلى مباركة الله عز وجل، ولاسيما إذا كان في بيت من بيوته، وفي يوم جمعة، فهو الذي يجعل لتلك الكلمة أثراً.. إذ (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يقلبها كيف شاء).

١٥٠- إن من أعظم القربات إلى الله -عز وجل- هي كفالة اليتيم، وذلك لما فيه من ضمان لسلامة المجتمع من انتشار الانحرافات السلوكية، نتيجة لفقدان اليتيم للرعاية الأسرية.. ولا يخفى على الجميع ما لكافل اليتيم من الأجر والثواب عند الله عز وجل، إذ يكون مع النبي (ص) في درجته يوم القيامة.. فعن النبي (ص): (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى.. فيا له من مقام!..

١٥١- إن اشتقاق كلمة المسجد، إنما هو من مادة السجود.. إذ من الواضح أن من أقدس الحركات البدنية بين يدي الله عز وجل، هي حالة السجود.. وهي تلك الحالة التي اختارها الله -تعالى- للتعبير عن كمال التعظيم، عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم (ع)، وهي بحق حركة ملفتة.. حيث يجعل الإنسان أشرف أعضاء بدنه، على أرخص شيء في الوجود؛ وهو التراب.. ومن الواضح من سيرة الأولياء، أنهم كانوا يعشقون السجود أيما عشق!.. فيعتبرونه محطة من محطات السياحة الروحية، التي لا تساويها الرحلات البدنية في عالم الوجود.

١٥٢- إن التراث الحديثي، يمثل عوناً كبيراً لامتلاك حصيلة فكرية معرفية في مجال: معرفة النفس، وتهذيبها، والسعي بها إلى مدارج الكمال.. وإن من أروع المجاميع في هذا المجال، هو كتاب (جهاد النفس) في وسائل الشيعة للحر العاملي (قدس سره).

١٥٣- إن البصيرة هي حصيلة لتلك الثروة المستقاة من الكتب السماوية، ومن التراث الحديثي.. فهو بهذه الخلفية، بإمكانه أن يخرج بنتائج إبداعية تأملية، تنبثق من أعماق نفسه.. مزيتها أنها في أصولها مأخوذة من الكتاب والسنة، ولكنها تناسب حالته.. فإن العلماء يتكلمون في الأمور العامة، ولكن كيف له أن يطبق هذا الأمر على نفسه، فإن الأمر يحتاج إلى بصيرة!..

١٥٤- إن من موجبات السرور: الانسجام مع هذا الوجود المطيع لأمر ربه.. قال تعالى مشيراً لاستجابة السماوات والأرض لأمره تعالى: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.

١٥٥- إننا نعتقد بأن كل من في هذا الوجود، يسبح بحمد الله تعالى، ويشكر تلك الموجودات المقدسة، التي وصلت إلى حقيقة التسبيح والعبودية لله عز وجل.

١٥٦- رغم أن الشريعة أعفت النساء من الجهاد في الظروف العادية، ولكن لا يعني ذلك إعفاؤها عن نصرة الدين فيما أمكنها ذلك -وخاصة في ظروف الضرورة- للقيام بدور مساند للرسالة الإلهية، بدلا من أن تكون عنصر إغراء للرجال فحسب!..

١٥٧- كم من الجميل أن يحسن المرء الاستماع والإتباع، فيلتقط ما يقوله الخطيب من الجواهر، ومن ثم يطبقها في حياته العملية!..

١٥٨- “إن الإنسان الغافل، المتقاعس، البطال، الذي لا يحب التكامل؛ حاله كما يقول الشاعر:
ومن لا يحب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر”

١٥٩- إن الالتجاء إلى العقل في تحكيم الأمور، هو المنجي دائماً.. إذ أن الباري قد ميز بني آدم عن غيره من سائر المخلوقات، بهذا العقل الذي يعد نعمة عظيمة.. وكما قد ورد في الروايات، أن الله بالعقل يعاقب، وبالعقل يتجاوز ويسامح.. ومن السنن الإلهية لهذه النعمة العظيمة، وكقاعدة إلهية مقدسة: (إذا أخذ ما وهب، سقط ما وجب).. فعلى الكل تحكيم عقله في الأمور؛ ليجعله سائقاً إلى رضوان الله في جنان الرحمة الأبدية.

١٦٠- إن العبد قد يصل في هذه الحياة -بعد درجة من المجاهدة- إلى استكشاف بعض ما خفي عن أهل الدنيا المقيدين بسلاسل المادة.

١٦١- إذا لم يمكن بذل النفس في سبيل الله، فإنه بإمكان كل إنسان أن يصب ما لديه من طاقات في رضا الله عز وجل.. ومن مصاديق قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}؛ توجيه الطاقات والقدرات في سبيل الله، بأن يجعلها من أجل بناء المجتمع الإسلامي الذي يريده صاحب الأمر (عج)، من: قضاء لحاجة مؤمن، ونشر لهدى في أمة، وتفريج لكربة مكروب، وإغاثة لملهوف وغير ذلك من وجوه البر.

١٦٢- إن الحديث عن الطاقة الكونية، أغرى الكثير بالبحث عنها، لما استنتجوا من أن: الكون برمته مزود بطاقات متصلة بعضها ببعض، ويؤثر كل جزء بالآخر، وبأن: طاقة النفس الإنسانية، شأنها شأن طاقة الذرة الكامنة، التي لو أمكن فلقها وإخراجها إلى مرحلة الفعلية، لأحدث انفجارا هائلا، يمكن أن يستغل في جانب البناء، كما يمكن أن يستغل في جانب الهدم.

١٦٣- إن أصحاب اتجاه الطاقة الكونية -وهم في حال انتشار واسع- يعتقدون: أن معظم الأمراض المستعصية في هذه الأيام، تنتهي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الاضطراب الباطني، والذي يؤثر بدوره على الإخلال بوظائف الأعضاء الظاهرية.. ومن هنا رأوا بأن سلامة الروافد متوقفة على سلامة المنابع، ومن دون السيطرة على النفس بقواها الخفية، لا يمكن السيطرة على آثار التفاعلات السلبية الصادرة منها، والمنعكسة على البدن كـ: الكآبة، والقلق ، والتوتر، وما شابه ذلك.

١٦٤- إذا اتصل الإنسان بمصدر الطاقة الكونية؛ فإنه من الطبيعي أن تسخر له الطبيعة، بل كل ما سوى المولى ليصل إلى هدفه المنشود.. فهذا الكليم نراه يتقلب من يد إلى يد، مشفوعا بالعناية الخاصة في كل مراحل حياته.. وذلك من بركات الأوسمة الثلاثة التي تلقاها من الحق المتعال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً} و{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} و{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}.. بالإضافة إلى الوسام العام لجميع المؤمنين {… الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.

١٦٥- إن درجات اليقين مختلفة، ومن الواضح أنه لا يصل منه إلى حد الرادعية، إلا ما كان على درجة عالية من التأصل في النفس.. ومن هنا كان لا بد من إضافة عنصر آخر لذلك، يتمثل في الرقابة الاجتماعية، وخاصة رقابة الذين يقيم لهم الإنسان وزنا عاطفيا.. ومن هنا كان الأمر الإلهي متوجها للعشيرة وخاصة الأقربين منهم، حينما ابتعث الله -تعالى- نبيه قائلا: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} .

١٦٦- إن للعقل الجمعي إيجابيات وسلبيات.. فمن سلبياته: أن المتأثر به يفقد القدرة على التفكير السوي، في خضم التفكير الغالب.. فيعير عقله للغير ليفكر به.. ومن سلبياته: أنه مما يوجب الحركة المؤقتة -لو كانت صالحة- وحينئذ بانتهاء تلك الحالة الجماعية تنتهي الحركة، وهو ما نلاحظه في موسم الحج، فيرجع الحاج فاقدا لمعظم ما كسبه في تلك الفترة.

١٦٧- إن من سلبيات العقل الجمعي: أنه يسلب الإنسان القدرة على الابتكار والإبداع، فلا يفكر خارج المألوف لاكتشاف ما هو الجديد.. ومع انعدام الحركة الإبداعية في الحياة، يفقد الإنسان سيره التكاملي.

١٦٨- إن العقل الجمعي يشجع على المراعاة والمراءاة.. فينشط الفرد داخل الجماعة ليرجع إلى الخلوة بما فيها من تكاسل وتقاعس.. وقد ورد في الحديث: (المرائي يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس).

١٦٩- إن من سلبيات العقل الجمعي: أن الفرد ينقلب عما فيه، إذا انقلبت الحركة الجماعية من الصلاح إلى الفساد.. والتاريخ مليء بنماذج من غلبة الروح الجماعية على الفرد، عندما يستولي على أصحابها الشيطان، ومثاله الخوارج في زمان الإمام علي (ع)، وأصحاب مسلم بن عقيل في زمان الحسين (ع).

١٧٠- إن الإدراك الجمعي قد تلتبس عنده المفاهيم، وإذا به يرى القبيح جميلا وبالعكس.. وهو ما نراه من تعارف المنكرات -وكأنها هي الحالة الطبيعية- في بلاد الغرب، وهذا منشأ حكم الفقهاء بحرمة التغرب أو التعرب بعد الهجرة، عندما تكون الظروف ملائمة، لانسلاخ الفرد عن هويته التي ينبغي أن ينبعث منها.

١٧١- إن من إيجابيات العقل الجمعي: تحفيز الهمم، وقدح العزائم، وهو ما نلاحظه في موسم الحج، فيقوم العبد بحركات روحية وبدنية، لا يمكنه القيام بها خارج إطار الجماعة المتعبدة في ذلك الموسم.. ويأتي الكلام نفسه في الصيام، وصلاة الجماعة، والجهاد.

١٧٢- إن العبادات الجماعية، توجد جوا من السباق المحمود والمحموم؛ لأن السائرين إلى هدف واحد، تنتابهم عادة هذه الحالة المقدسة، بشرط خلوها عن الحسد والتنازع.

١٧٣- إذا كانت النتائج في علم المنطق، تابعة لأخس المقدمات؛ فإن الألطاف الإلهية بالنسبة للجمع، تابعة لأرقى الأفراد، فباعتبارهم يلطف الحق بالجميع.. وإليكم هذا النص الدال على هذا المعنى.. قال رسول الله (ص): (إن الملائكة يمرون على حلق الذكر فيقومون على رؤوسهم، ويبكون لبكائهم، ويؤمّنون على دعائهم.. فإذا صعدوا إلى السماء، يقول الله تعالى: يا ملائكتي!.. أين كنتم؟.. وهو أعلم، فيقولون: يا ربنا!.. إنا حضرنا مجلساً من مجالس الذكر، فرأينا أقواماً يسبّحونك ويمجّدونك ويقدّسونك ويخافون نارك، فيقول الله سبحانه: يا ملائكتي!.. ازووها عنهم، أُشهدكم أني قد غفرت لهم، وآمنتهم مما يخافون، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك، فيقول الله تعالى: قد غفرت له بمجالسته لهم، فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم).

١٧٤- إن الجو الجماعي يدفع العبد إلى حالة من الإنابة، والانقطاع إلى الله تعالى، والميل إلى التأسي بأوليائه المعصومين (ع).. ولكن بعد الفراغ من الموسم، تنتابه حالة من الاكتئاب والحزن، لفقدان تلك الأجواء المباركة.

١٧٥- لا بد من الاستفادة من نظرية الاقتران الشرطي، في إثارة الحوافز الداخلية.. فالذي يقرن عبادته بمكان خاص، وفي أجواء خاصة، وتتكرر منه حالات الإقبال في ذلك المكان الخاص؛ سوف يعيش حالة مشابهة بشكل قهري عندما يعايش تلك الأجواء.. ومن هنا أمرنا باتخاذ المصلى في المنزل، وغير ذلك من الأمور التي تربطنا بالعالم العلوي.. ولا عجب في ذلك بعد أن جعل الله -تعالى- عبادته مرتبطة حسّا برموز أرضية، متمثلة بالمادة مثل: الكعبة، أو الحجر الأسود، أو مقام إبراهيم.

١٧٦- إن التأملات العقلية، هي قسم رافد من روافد العقيدة.. فنحن نعلم أنه لا تقليد في أصول الدين، ولكن في الفروع والمسائل الفقهية، فإن الحكَم واضح هو: كتاب الله عز وجل، وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومن زكّاهم النبي من بعده كاستمرارية لمصدر التشريع، في الحديث المعروف: بالنسبة إلى كلمة: (سنتي) أو (عترتي) بعد القرآن الكريم.. فإذن، لا داعي للتوتر في طرح المسائل الفقهية، ما دامت المسألة فقهية، والكلام هو كلام الرسول -عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام-، ومن رشحه الوحي.

١٧٧- إن الإنسان الذي يرى بأنه مخير، وليس هنالك قدرة مهيمنة عليه؛ فإنه يعيش حالة من الفرعونية الباطنية.. لأنه يرى أنه هو صاحب القرار الأول والأخير في هذه الدنيا، ولا شيء يقف أمامه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد}، وإن لم يقل ذلك بلسانه، وإنما لسان حاله يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}.. فيرى نفسه ربا لنفسه على الأقل، فيقول: أنا مالك لأمري، وليس هنالك من يتدخل في شؤوني.

١٧٨- إن العالم المنقب، والباحث الأكاديمي، والإنسان المثقف، عندما يريد أن يدرس مسألة، لا بد وأن يفرغ ذهنه من كل حكم مسبق.. وإلا، لما سمي باحثا، وهذا مفروغ منه حتى في العلوم الطبيعية.

١٧٩- علينا أن نمشي وفق ما جاءت به النصوص، والآيات والسنة المحكمة، حتى لو كان هناك بديل أفضل.. وهذه الأيام المطهرات الطبية متوفرة في كل مكان، وعلى فتوى علمائنا قديما وحديثا، لو جرح أحدنا وهناك دم وتلوث، ولم يستعمل الماء في التطهير، وإنما استعمل المطهرات الطبية.. فلا بد وأن يغسل بالماء، ولو بعد زوال الحرج.. فنحن لا نعتقد بأن الإنسان يجوز له أن يضر نفسه، ولكن عند ارتفاع المانع لا بد من الغسل بالماء، ولا يكفي التعقيم وما شابه ذلك، لأن الدين قد بُني على ذلك.

١٨٠- إن رب العالمين أراد من الإنسان أن يكون خليفة له، يجسد القانون الإلهي على وجه الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}.. وكما هو معلوم عند الأخلاقيين والعارفين بأسرار الشريعة: أن الإنسان ينبغي أن يصل إلى مستوى التخلق بأخلاق الله.. وقد تكون العبارة عريضة، والدعوة كبيرة.. ولكن نحن أمُرنا أن نتخلق بأخلاق الله، بمعنى أن يتحول هذا الإنسان الممكن، هذا الإنسان الضعيف، هذا الإنسان الذي خلق من ماء مهين؛ إلى مظهر من مظاهر تجلي الأسماء الإلهية -طبعاً- مع الاحتفاظ بوصف البشرية.

١٨١- إن مفهوم الانقطاع إلى الله تعالى، من المفاهيم الغالية جداً في عالم الوجود، التي لو تحققت في حق مؤمن لانقلبت حياته رأساً على عقب.. ولكن المشكلة هو أن الناس قد علقوا قلوبهم بغير الله تعالى، وركنوا إلى سواه، وجعلوا في كل زاوية من قلوبهم إله يعبد من دونه تعالى؛ مؤملين بالأسباب الطبيعية وبما في أيدي البشر.. وبالتالي، فإن الله تعالى يكلهم إلى تلك المتعلقات.. ومن هنا نلاحظ أن الرسول الأكرم (ص) وآله الأطهار، حرصوا على هذا الأمر بالطلب من الله -تعالى- بعدم الإيكال إلى النفس؛ لأن في ذلك الهلاك والخسران المبين.

١٨٢- إن الانقطاع إلى الله -تعالى- هو غاية مراد المريدين، وهبة من الله تعالى، متى ما رأى لياقة في عبده؛ فإنه سيعطيه هذه الهبة عاجلا أم آجلا.

١٨٣- إن نعمة الوجود من أجلى النعم الإلهية، لأن الشيء إذا لم يتعلق بالمشيئة الإلهية في الإيجاد لم يوجد.. إن الله -سبحانه وتعالى- عندما أعطى الوجود وجوده، وأعطى الشيء شيئيته، فهو بفضله ولطفه يدعم هذا الشيء بمقومات التكامل، وبعبارة أخرى يمكن القول: بأن كل ميسر لما خلق له، ونحن خلقنا للعبودية المطلقة، ورب العالمين أعطانا المقومات اللازمة لتحقيق هذه الحالة من العبودية.

١٨٤- إن الله -سبحانه وتعالى- تجلى بشيء من جماله، فخلق الورد، وخلق هذه الصور الحسان في عالم الخلقة، التي يعبر عنها البعض: بملكة جمال الكون، فهو بإرادته رسم تلك الصور الجميلة التي تذهل الألباب!.. فكيف بمن رأى تلك اليد التي ترسم هذه الصور الجميلة في عالم الطبيعة!.. وكيف بمن يريد أن يتجلى بشيء من هذا الجمال في ذاته، لا في طبيعته، ولا في بره وبحره!..

١٨٥- لابد أن تكون كل حركة يقوم بها الإنسان موجهة ومدللة، وعارفاً بفلسفة تلك الحركة والحكمة من فعلها؛ وإلا لأصبحت ضرب من ضروب اللغوية في الحياة.. فما الفائدة المرجوة للإنسان الذي يعترف أمام (القس)، أو رجل الدين!.. فإذا كان الغرض عبارة عن استنزال الرحمة الإلهية، والظهور بمظهر النادم، فليكن ذلك بين يدي الله عز وجل.. فإن الله ستار يحب الستر، والمؤمن منهي أن يفضح نفسه أو يسقطها أمام الغير، حتى لو كان عالماً أو رجل دين.. نعم، من الممكن أن يطرح ذلك من دون أن يكشف ستره، باللجوء إلى الأساليب الحديثة التي لا تريق ماء وجهه، وأن يكون بهدف تلقي النصح والإرشاد.

١٨٦- من الطبيعي أن الإنسان إذا اعتقد بأن هذه الفترة المحدودة في الحياة الدنيا، إنما هي مزرعة للآخرة؛ فإنه سيستذوق كل الحوادث التي تمر عليه، لأنه يعلم بالتعويض الإلهي.

١٨٧- إن الدخول في بعض التفاصيل من دون وجود أرضية ذهنية معرفية قوية واضحة المعالم؛ من الممكن أن يجر الإنسان إلى حالة من حالات الانحراف العقائدي.. إذ لابد من المزج بين التعبد الشرعي وبين التدبر الشخصي، وعدم تجاوز الحدود فيهما، بمراعاة المساحة المخصصة للتعبد من الشريعة، والمساحة المسموحة لأن نعمل فيها فكراً.. وعليه، من الضروري الاطلاع على بعض الدورات المنقحة المبسطة، في مجال العقائد من التوحيد إلى المعاد.

١٨٨- إن من الأشياء التي تنافس السلوك الروحي للإنسان، وتصادر ممتلكاته المعنوية؛ همّ الرزق.. فالتفكير في همِّ الرزق، ومستقبل الحياة المادية – في كثير من الأوقات- يكون مدعاة: للجشع، والحرص، والقلق، واستعجال الرزق.. وحتى الالتفاف حول الحلال والحرام؛ لكي يرفع الرصيد في البنوك.

١٨٩- إن الإنسان الذي يخشى يوماً، ولا يخشى يوماً؛ هذا إنسان متلاعب!.. كالموظف الذي يأتي يوماً للشركة، ويتغيب يوماً؛ فهذا موظف مستهتر.. وإن كان اليوم الذي يحضر فيه إلى الشركة، يبذل قصارى جهده لتعويض أيام غيابه!.. هذا الحال بالنسبة لمن يترك يوماً؛ فكيف الحال بالذي يتغيب أشهراً عن مقر عمله؟.. هذا هزَل مع رب العالمين!..

١٩٠- إن القدرات المخزونة للإنسان أكثر بكثير من التي نستغلها!.. إن مثل أحدنا، مثل دولة تملك رصيداً ومخزوناً نفطياً بملايين البراميل، ولكن هذا الإنسان يعيش على وجه الأرض، وهو يستجدي.. هذا المخزون الذي تحت سطح الأرض، يحتاج إلى أدوات لاستخراجه إلى السطح، إذ ما قيمة الكنوز إذا كانت مخزونة؟.. وهل يعتبر هذا الإنسان غنياً؟.. إذن أحدنا قد يكتشف أنه يمتلك قدرات قوية، لو أراد أن يستخرجها لاستخرجها!..

١٩١- لو كان الله -عز وجل- يعطي الأجر على عمل الإنسان أولاً بأول؛ لما بقي إنسانٌ غير موحد على هذه الأرض.. يقول عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.. فالإنسان عندما يعبد الله، ويحيي، ويعمل، ويجاهد، ويزور.. عندما يكتمل النصاب؛ يُعطى جائزةً قيِّمة، لا يدري ما هي؟.. قد تكون ذرية صالحة، أو إنقاذ من مشكلات اجتماعية، أو صحة وعافية.

١٩٢- إن الأئمة (ع) يُريدُنا منا أن نحول الدين إلى ممارسة، لا أن يكون الدين مجموعة من النظريات في عالم الذهن فقط.. فنتغنى بالدين، وبذكر ربِّ العالمين من خلال مناجاة خاشعة في جوف الليل؛ فهذا لا يُغني عن العمل أبداً!..

١٩٣- إن هناك فرقاً بين الخلاف والاختلاف، بعد المشرق عن المغرب!.. لك أن تختلف، ولكن ليس لك أن تخالف!.. لك أن تُبدي وجهة نظرك، ولكن لا تتخذ موقفاً عدائياً من صاحب قول أو فكرة!..

١٩٤- إن ارتفاع سقف الهمة، هذا أمر لابد أن نفكر فيهِ جيداً.. فالذي لهُ همة عالية، لا يقنع بالدرجات البسيطة.

١٩٥- إن الناس في الحياة الدنيا لا يمتازون، فالصالح بجوار الطالح، أما الفصل فإنه يكون في عرصات القيامة.

١٩٦- إن المفاهيم والأعمال في الدنيا مختلطة مع بعضها البعض، والإنسان لا يميز السبيل كما يجب.. نحن في الدنيا لم نستعمل الميزان الإلهي، لذا لنحاول جميعاً قلع العين الباطنية النفسانية الذاتية، ونجعل مكانها عيناً إلهية برزخية، ترى الأمور بمقياس آخر.

١٩٧- إن الأمل بالله -عز وجل-، والظن الحسن بالله -عز وجل-؛ من موجبات الفلاح والنجاح.

١٩٨- إن الإحساس بوجود عدو للإنسان، إحساس مزعج؛ لأنه سيجعله يعيش حالة التوتر الباطني.. فالإنسان عندما يرى عدوه، أو عندما يسمع باسمه؛ فإنه يعيش حالة من التوتر، حتى لو كانت بينهما مشكلة قديمة وقد نسيت.. ولكن بمجرد أن يراه، تثار أحزانه وآلامه.. وكذلك يخشى من كيد هذا العدو.

١٩٩- نحن عندنا صفة مشتركة مع رب العالمين- إجمالا- ونقولها بكل احتياط وحذر: رب العالمين علل العلل وأنشأ الوجود، وأنت بحسب الظاهر علة الوجود لذريتك.. صحيح أن رب العالمين هو الخالق، وهو المصور البديع، ولكن أنت بحسب عالم الأسباب كنت سبباً لإنجاب هذه الذرية الطيبة إن شاء الله، رب العالمين كما أنه {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، عندما خلق الشيء اعتنى به، خلق بني آدم، وأعطاه الهواء الذي يتنفسه {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.. فإذن، إن رب العالمين أوجد الشيء وأعطاه رزقه.. والإنسان متشبهاً بالله عز وجل: فهو أنجب ذرية، لماذا يظلم هذه الذرية بعد الإنجاب؟.. بعض الآباء ينتهي دورهم بمجرد أن انعقدت النطفة، ولا دور لهم في تربية الولد إلى سن متأخرة.. وهذا خلاف الأدب الربوبي الذي يرعى الشيء بعد وجوده.

٢٠٠- لا يخفى أنه من الأفضل للإنسان أن يعيش سلبيات العزوبة -السلبيات غير المحرمة-، وبعض الضيق في الأمور المعيشية؛ من أن يعيش مع زوجة مشاكسة.. لأن المشاكسة في الحياة الزوجية تؤدي إلى أمراض كثيرة، وإلى ذنوب كثيرة: كالنميمة والغضب، وتعدي حدود الله سبحانه وتعالى.. أضف إلى أن الإنسان الذي عنده خصومة مع زوجته، لا يمكنه أن يكون مراقباً لله عز وجل.. فالذي له توتر عائلي -مع الأبوين، أو مع الزوجة، أو مع الأرحام-، لابد وأن يكون على الأقل مشغول الفكر، إن لم يتعد إلى مسائل أخرى -لا قدر الله- من الممارسات المحرمة.

٢٠١- ينبغي التفريق بين الرزق الذي يأتي من قبل الله عز وجل، وبين ذلك الرزق الذي يأتي جزافاً.. هنالك رزق يأتيك حسب الظروف المادية.. مثلاً: إنسان يودع مبلغاً من المال وديعة ربوية، ويأخذ الربح.. فهذا الإنسان مرزوق بحسب القواعد المادية.. وهنالك رزق يأتي من قبل الله عز وجل.. وهذا الرزق الذي يأتي من قبل الله -عز وجل- رزق متميز، بمعنى أنه إيجاب من دون سلب، أي أنه مال جعلت فيه البركات الكثيرة.. ومن هنا نرى بعض الناس يعيش حالة الكفاف، وهو يعيش حالة الاستقرار النفسي، والسعادة النفسية، والذرية الصالحة، والتوفيق للعبادات.

٢٠٢- مع الأسف نلاحظ أن في حياتنا اليومية هنالك صوراً من المَحَرمية العُرفية الباطلة.. فأخت الزوجة تعامل معاملة المَحَرم!.. والحال بأن أخت الزوجة لا صلة لها بالإنسان أبداً، وإن كانت هي مُحرمة على الإنسان من حيث الزواج، إذ لا يجوز الجمع بين الأختين، كما في القرآن الكريم.. ولكن عدم جواز الزواج منها، لا يعني ارتفاع الحجب والقواعد في هذا المجال.. كما نلاحظ -مع الأسف- حالة من حالات الارتياح بين الزوج وبين زوجة أخيه!.. وكذلك في التعامل مع الطبيب زيادة عن المقدار اللازم.. وصور كثيرة عند المصورين في الأعراس، وما شابه ذلك!..

٢٠٣- إن أعظم مكافأة كافأ الله -عز وجل- بها نبيه إبراهيم (ع) عندما همّ بذبح ولده إسماعيل -عطايا رب العالمين، من سنخ العمل، ومن سنخ المجاهدة- وقدمه بين يدي الله -عز وجل- ذبيحاً، وفي بعض الروايات: عندما حاول أن يذبح ولده إسماعيل، رأى السكين لا تعمل في رقبته، فرمى السكين غاضباً؛ لأن هذه السكينة، لا تمتثل أوامره في الذبح!.. ويقولون: السكينة تكلمت -ولا مانع من ذلك-: “الخليل يأمرني، والجليل ينهاني”.. فرب العالمين عوّض ذلك بأن جعل من نسله، نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

٢٠٤- إن هنالك دائرة إلزام، وهنالك دائرة احتياط، واستحباب.. فإذا وردت فتوى باحتياط وجوبي أو استحبابي، وكان هنالك مهرب من هذه الفتوى!.. فلا ينبغي أن نعامل الاستحباب، أو الاحتياط، معاملة الحرام، وترك الواجب!.. مع الأسف البعض منا يخلط بين الأوراق المتشابهة!.. من الحسن أن نعوّد الناس على طريق السلامة والنجاة، ولكن لا على نحو الإلزام الشرعي، الذي قد يُنفر البعض في هذا المجال؟!..

٢٠٥- لا نحب أن نرفع شعار الإخلاص في النية من باب التبرك.. وسبب التأكيد على مسألة الإخلاص في النية، هو أن العمل التبليغي الإسلامي الرسالي من شؤون المولى.. فرب العالمين هو الذي ندعو إليه، وهو المحور في المشروع.. وإذا كان المحور مبتور الصلة بمن يقيم هذا المحور، كيف نتوقع المباركة والنجاح في هذا المجال؟.. أن يذهب الإنسان إلى النقاط المخفية في النفس، فالنفس لها طبقات: الإنسان قد يخلص العمل في الطبقات الأولية من النفس، كأن يلقي محاضرة، ويستحضر قصد القربة إلى الله -عز وجل-.. ولكن عندما ننظر إلى الدوافع الخفية، نلاحظ بأن الدوافع الخفية مشوبة، وقد ورد أن من لامات عدم الإخلاص، أن يفرح الإنسان بالمدح والثناء.. ومن منا لا يتوقع ذلك؟.. فإذن، إن القضية فيها دقة، وفيها مقدار كبير في الخفاء.. ومن هنا عبر عن الشرك في العمل (الشرك في الناس، أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود، في الليلة المظلمة).

٢٠٦- إن الحوزات العلمية هي معسكرات قتال، مقابل معسكرات فيها أعداد أكبر من الشياطين الذين يروننا ولا نراهم.. فإذن، إن الحوزة عبارة عن معسكر قتالي، والطرف المقابل له خبرة آلاف السنين في إغواء بني آدم.. والمعسكر الآخر أقرب إلى قلوب الناس من معسكر الحوزة، لأن سلاح الشياطين هو: إثارة الهوى، والهوى مطابق لميل النفس الإنسانية، فمن الطبيعي أن تكون المعركة غير متكافئة.. ومن هنا لزم علينا أن نحسب حساب الانتصارات المستقبلية.. والأنبياء هكذا كانت خطتهم، فنبي الله نوح (ع) لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وانتهت الحركة التبليغية بإهلاك من في الأرض، إلا سفينته.. ولكن مع ذلك يبقى نوح من الأنبياء أولي العزم، ومن مفاخره أنه على رأس سلسلة من الأنبياء.. فالأنبياء أولي العزم كلهم من ذرية نوح (ع).

٢٠٧- كما أن هنالك تغيراً في أنماط الحياة، وأساليب الحياة المادية -فهذه الأيام تحولت الدابة ذات الأرجل الأربعة، إلى صواريخ تقتحم الفضاء، وتكتشف الكواكب- هنالك أيضاً تغير في أساليب التفكير والتأثير على الآخرين.. في يوم من الأيام كان الشعر هو الإذاعة الرسمية المتنقلة، ولكن هذه الأيام لم يبق للشعر ذلك الدور الذي كان في زمن انعدام الفضائيات، ووسائل الاتصالات العصرية.. لذا لابد من أن نكتشف الأساليب الجديدة، في مسألة فتح القلوب والعقول.. ولهذا بعض العلماء الأجلاء في هذه الأيام حولوا الفقه إلى حواريات، لأن التحرير أو المنهاج لم يعد كتاباً جذاباً لعامة الجمهور.. فهم يريدون فقهاً مصوراً حوارياً باصطلاحات مفهومة، وبعيدة عن التعقيد.. هنالك أساليب جديدة في التأثير، فعلم البرمجة اللغوية العصبية، هنالك نقاط إيجابية فيه.. إذ لا بأس أن نأخذ من كل قوم ما تمرسوا فيه، وما أبدعوا فيه، من أجل تطبيقها على العمل التبليغي الديني.

٢٠٨- نحن نخاطب أرواح، والأرواح أجزاء متكاملة.. إذ لا يمكن للإنسان أن يقول: أخاطب الشخص من زاوية عقله، وليكن قلبه مبغضاً لي، فأنا أتكلم مع عقله، وعقله معي.. وأنا كلامي كلام منطقي، فأتكلم مع جهة توافقني وهو العقل!.. هذا الكلام غير صحيح، في بعض الأوقات نلاحظ جفاء بين الأم وبين ابنتها، تتكلم معها بمنطق شرعي عقلي إلى آخره، ولكن البنت لا تزداد إلا عناداً!.. فالمشكلة تكمن في أن هذه الجسرنة العاطفية منتفية: البنت لا تنظر إلى أمها نظرة محترمة، وكذلك الولد، وكذلك عالم المنطقة، وكذلك صاحب المشروع أو المؤسسة.. إذا لم ينفذ إلى قلب الطرف المقابل، الذي يراد التأثير عليه؛ فإن الخطاب العقلي المنطقي الفلسفي، سوف لن يجد آذاناً صاغية.. فالتودد إلى القلوب أيضاً من مقومات العمل التبليغي، وهو من أصعب المهام.. فالمنطق له قواعد مدونة في كتب المنطق، والفلسفة لها قواعدها في كتب الفلسفة.. ولكن هل رأيتم كتاباً يشرح كيفية الاستيلاء على القلوب؟.. هذه مهارة من المهارات الدقيقة جداً، والمدد الإلهي يأتي في هذه النقطة، بأن الله -عز وجل- يتصرف في قلوب المخاطبين، كما نعلم في الآية المعروفة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.. هنا يأتي دور المدد الغيبي، والارتباط بعالم الغيب في تليين القلوب، وهو ما رأيناه جليا في حياة النبي الأعظم (ص) الذي امتلك قلوب الجاهليين فأوصلهم.

٢٠٩- مع الأسف نلاحظ البعض قبل أن ينام، يأخذ كتابا عشوائياً ويقرأ صفحات منه، ثم يرجعه إلى مكانه.. وعندما يسافر، يجعل في حقيبة سفره كتاباً نافعاً، يقرأ منه سطوراً.. هذه القراءة المبعثرة غير الممنهجة، لا تربي إنساناً مبلغاً له كم من المعلومات المدونة.. بعض العلماء الأفاضل هذه الأيام، معروف بالتأليف الكثير المركز، وهو الشيخ جعفر سبحاني.. هذا الرجل أثرى المكتبة الإسلامية بكتب نافعة، فأسلوبه في القراءة أسلوب أخّاذ.. يمر على مطلب جميل، يدونه في مكان ما، وبالتالي الآن لديه آلاف المذكرات في هذا المجال، وهذا الثراء العلمي جاء من وراء هذه الطريقة في تدوين ما يقرأ.. وهذه الأيام الأمر لا يحتاج إلى أوراق وإلى بطاقات، فهذه الوسائل العصرية هي التي تبرمج، أنت أعط المعلومات وأعطه العنوان، وهو يفهرس لك ما تقرأ.. وبالتالي، بعد عشرة أو عشرين سنة من المطالعة -هذه الساعات التي ذهبت وتبخرت- وإذا بها تحولت إلى مكتبة خاصة بك.. قد يستهوي الإنسان حقلاً من حقول المعرفة، فليثري نفسه في ذلك الحقل.. فالإنسان الذي يريد أن يثري نفسه معلوماتياً بعد الإثراء النصوصي، لابد وأن تكون له هذه الحركة من المنهجية في تجميع المعلومات.

٢١٠- مع الأسف نحن نتوقع أن يكون العمل التبليغي والرسالي، كمزرعة الحنطة والقمح.. فالزارع يزرع زرعه، ويسقيه، وينظر إلى التقويم، ويقول بعد ثلاثة أشهر: لدي هذه الكمية من الحنطة، في كل سنبلة مئة حبة.. فإذا جاء الموسم، ولم يحصل على هذه الكمية، يصاب بانتكاسة نفسية، ويبني على عدم الزراعة، أو يزرع مادة أخرى.. ولكن إذا أصيب في تلك السنة بنكسة زراعية كبيرة، قد يبدل مهنته أساساً.. أما العمل التبليغي، فهو ليس كزراعة القمح والشعير، فالإنسان يلقي محاضرة الآن، وبعد انتهاء المحاضرة يتوقع التغيير في نفوس الخلق!..

٢١١- إن المؤمن لا ينسى أن الحوزات الإسلامية الإمامية في شرق الأرض وغربها، لها عميد واحد، هو المشرف عليها أينما وجدت حوزة تدعو الناس إلى صف الله وأوليائه.. ألا وهو إمامنا صاحب الأمر والزمان (عج).

٢١٢- إن الإنسان العاقل في حركته الحياتية، لابد وأن يعمل في حقلين: حقل إيجاد الدوافع والمقتضيات، وحقل إزالة الموانع.. وفي كل علم من العلوم هنالك بحث حول الآفات التي تعترض الإنسان: في عالم الطب، هناك متحف طبي تحت عنوان: المتحف الطبي المتعلق بآفات البدن.. فلكل عضو حالة سلامة، وحالة آفة.. ومعرفة آفات الأعضاء في الطب، أمر ضروري.. والأرواح كذلك، فالأرواح والأفكار لها آفاتها.. والذي لا يبحث في آفات الفكر والقلب، تكون دراسته ناقصة.

٢١٣- إن الحوزات العلمية، ليست كالمطابع التي تدخل بها رزمة من الأوراق البيضاء الخالية، وإذا بعد فترة قصيرة، تخرج مطبوعة بالصور الجميلة والكتابات النافعة، فهذه حركة ميكانيكية طبيعية!.. أما في الحوزات والجامعات، فإن الأمر ليس كذلك، إذ ليس كل من يدخل في الحوزة العلمية هو بمثابة ورقة بيضاء، تخرج ملونة مطبوعة في الطرف الآخر.. من الممكن أن يكون الأمر تقريباً كذلك في الجامعات الأكاديمية، أي أن الجامعية أو الجامعي يدخل الجامعة، وسير الأمور واضح جداً أمامه: سنوات الدراسة معلومة، والمستقبل الدراسي معلوم، والاستفادة من العلوم.. كل ذلك واضح!.. أما الحوزات ليس كذلك!..

٢١٤- إن المشكلة في الحوزات، هي أن الحوزة تتناول حقلين: حقل الأفكار والرؤى، وحقل القلوب.. أي أن القضية قضية معقدة من هذه الناحية، لأن طالبة العلم سواء هي قبلت أو لم تقبل، هي وارثة الأنبياء في مجالها.. الحوزات الرجالية في جانب الرجال، والحوزات النسائية في جانب النساء.. يمثلون جبهة الدعاة إلى الله -عز وجل-، ومن هنا العملية عملية معقدة ومتقومة بعناصر عديدة.

٢١٥- إن المخلَص هو ذلك الوجود المنتقى.. وهناك ثلاثة من المعصومين، ألقابهم في إطار الانتقاء الإلهي: النبي هو المصطفى، ووصيه هو المرتضى، ووصيه الآخر هو المجتبى.. فهذه الكلمات في فلك واحد: المصطفى، والمرتضى، والمجتبى.. وهي تدل على الاصطفاء الإلهي، هذا هو المخلَص؛ أي الذي انتخبه الله -عز وجل-.. والقرآن الكريم لإثارة الغيرة في النساء، ذكر عينة من المصطفيات في التأريخ، ألا وهي: سيدتنا مريم، سيدة نساء زمانها، رب العالمين اصطفاها وطهرها، لأنه رأى فيها القابلية، فأنبتها نباتاً حسناً.

٢١٦- إن مجرد الدخول في هذا البناء المبارك، أو إدخال الاسم في قائمة أوراق طلبة العلم.. هذا لوحده لا يكون عاصماً، إذ لابد من المراقبة المستمرة، والاستحضار.. هذه الوكالة عن الله ورسوله، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض، فكيف بالمؤمن، وكيف بطالب العلم؟.. فطالب العلم شاء أم أبى، هو خليفة الله، حيث أن هناك أربعة من موجبات الخلافة الإلهية: آدميته، وإسلامه، وإيمانه، وحوزويته.

٢١٧- لابد لطالبة العلم بين فترة وفترة أن تراجع نفسها.. إن البعض نموهم الحوزوي بطيء جداً، فالإنسان في الجانب العلمي، قد يبذل جهده، ذاك إنسان مطالب بالتكليف، ولكن عندما ينظر الأبوان إلى طالبة العلم أو الأقرباء، فإنهم لا يرون هذه الفترة التي أمضتها ابنتهم في الحوزة متناسبة مع نموها الباطني.. حيث أن ست أو سبع سنوات تدخل الطالبة للجامعة، تسمى دكتورة، وتخرج، وتعالج المرضى، وتقوم بمهمة في المجتمع.. مع الأسف البعض منا من الممكن سبع أو عشر سنوات وأحدنا يقتات من الحقوق، وغير ذلك، ويصرف عمره.. والتقدم الباطني الفكري الروحي، هذا التقدم لا يتناسب مع طبيعة أو مدة المرحلة التي قضاها في هذه الأماكن.

٢١٨- إن هنالك أهدافاً معلنة بحسب الظاهر، وأهدافاً غير معلنة، لا يعلمها إلا المقنن والمشرع، هذا في سياسة المدن.. وكذلك الأمر في سياسة الأرواح، هنالك الوجود الظاهري يرى بعض الدوافع، ولكن هنالك دوافع لهذه الدوافع، لابد أن نميز بين هذين القسمين من الدوافع.. الهدف المعلن هو: خدمة الدين.. والهدف غير المعلن، والباعث الحقيقي الأصلي، هو عبارة عن: إثبات الذات، وإظهار الذات.

٢١٩- الاستئكال بالدين؛ أي جعل الدين أداة لكسب الدنيا، وهذا شيء موجود طوال التأريخ.. فهنالك قسم من علماء السلاطين، هؤلاء يحترفون الدين احترافاً، ويعيشون على اسم الدين.. وهذا الاستئكال بالدين موجود منذ خلق الله -تعالى- آدم (ع).. وكم من القبيح أن يحول الإنسان مادة القرب إلى الله -عز وجل- إلى مقدمة لكسب المال والمتاع العاجل.. إذن، البعض يرى بأن دنياه تؤمن من خلال الدين.. وهذا نوع من أنواع الشرك الخفي.

٢٢٠- قال تعالى: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا}.. وهذا الذي نفقده في حياتنا!.. فرب العالمين إذا أحب عبداً، جعل حنانه في القلوب.. إما في قلوب عامة الخلق، إذا كان قائداً من قادة الأمة، وهذا الذي يفسر ظاهرة التفاف الأمة حول علمائها.. فهذا التفاف غير طبيعي، أي هنالك تصرف في القلوب، وحنان من الله عز وجل.. وإما في قلوب الخاصة، نعم {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.. فمن طرق التأثير على الناس، أن تتملك هذا الود الإلهي.. وفي هذه الآية {وُدًّا} نكرة، والنكرة في اللغة العربية من علامات التعظيم والتفخيم.. حتى في هذه الآية {وَحَنَانًا} جاءت نكرة، لتبين حجم هذا الحنان.

٢٢١- في الفتنة العقائدية لا بد أن ندخل، ونخوض، ونتسلح بسلاح العقيدة الحقة، ولكن بشرطها وشروطها.. فالإنسان الذي لم يتقن أوليات الشريعة، ولم يتقن التقليد، والعبادات، ويريد أن ينتقل من ألف باء الدين إلى أدق الأبحاث العقائدية التفصيلية.. والبعض لا يمتلك القدرة الذهنية، فإنسان في مستوى متوسط لا يمتلك القدرة على التحليل، يأخذ الشبهة فتستقر في ذهنه، ثم يقرأ الجواب، فلا يعرف معنى الجواب، فيأخذ بالشبهة ولا يأخذ بالرد.. فيزيد الطين بلة!.. وبالتالي، لا بد أيضاً أن نخوض في الأبحاث العقائدية في الوقت المناسب، وعلى أيدي أناس مهرة، ومن كتب منقحة في هذا المجال.. عليكم بالمعروفات في هذا المجال، وعليكم بالمعروفين من المؤلفين في هذا المجال، لا تذهب يميناً وشمالاً، ولا تقرأ الكتب العقائدية التي هي من مصادر غير موثقة؛ لأنها قد تزيدك شكاً وانحرافاً في هذا المجال.

٢٢٢- الفتنة الحُكمية: هي أن لا يعلم الإنسان تكليفه في الحلال والحرام، هذه الفتنة أيضاً أمرها سهل، فالإنسان المُقلِّد أراح نفسه من هذه الفتنة.

٢٢٣- إن هنالك موازين لتمييز المخلص من غير المخلص، وهنالك موازين لمعرفة المعروف من المنكر.. اعمل بهذه الموازين، تعرف أهله!..

٢٢٤- فرق بين إنسان يطمح في حياته، أن يعيش حياة مادية مريحة، لأهداف شتى منها: أن يكفيه الله -عز وجل- شر الاحتياج إلى الخلق.. إن الذي يعيش حالة استجداء الناس، إذا كان ابتلاء من الله فأكرم به!.. ولكن عادةً يكون نتيجة التقاعس أيام الشباب، فهذه نتيجة عدم الجدية في الحياة، وعدم التخطيط للمستقبل.. وعندما نلاحظ حياة البعض منهم، نرى أنه كان في حالة جيدة، إلا أنه بالحرام والقمار والمخدرات وما شابه ذلك، وصل لهذه الحالة التعيسة.. فإذن، إن المؤمن في سعيه الدنيوي، هدفه أن يستغني عن شرار الخلق، لأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع علياً يقول: (اللهم!.. أغننا عن خلقك، فقال: لا تقل هكذا، فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض، ولكن قل: اللهم!.. أغننا عن شرار خلقك)!..

٢٢٥- إن علياً (ع) يريد أن يربينا على فكرة ما، ألا وهي محورية النفس والذات.. فالبركات كلها حتى السياسية، والثقافية، والاجتماعية، وفتح البلدان، وفتح النفوس، وإرشاد العباد؛ تبدأ من هذه النقطة.. فالإنسان لا بد أن يتحول إلى مكبر صوت، ولكن هذا المكبر لا بد أن يبث حديثاً، وهذا الحديث لا بد أن يكون مسجلاً، والمسجل يحتاج إلى متحدث.. المتحدث يسجل في شريط، هذا الشريط يتحول إلى بوق إعلامي.. فالبركة كل البركة للمتحدث الأول، لا لمن يسجل، ولا لمن يبث.

٢٢٦- إن الإنسان عندما يؤدي النوافل، يسمع أموراً لا يسمعها الآخرون.. أتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال: أدفنتم ها هنا فلاناً وفلانة، أو قال: فلاناً وفلاناً؟.. قالوا: نعم.. فقال: (قد أقعد فلان الآن يضرب.. ثم قال: والذي نفسي بيده!.. لقد ضرب ضربة ما بقي منه عرق إلا انقطع، ولقد تطاير قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة يسمعها الخلائق، إلا الثقلين: الجن، والإنس.. ولولا تمريج في صدوركم، وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع)؛ أي أن القلب الذي لا قوام له، ويفكر في كل حق وباطل، من الطبيعي أن لا تفتح له الأبواب.

٢٢٧- إن هناك من يريد أن يتقرب إلى الله -عز وجل- من زاوية العواطف والمشاعر: ومن هؤلاء قسم كبير من الصوفية المنحرفين.. وفي التاريخ أيضاً البعض منهم ترك الصلاة متعذراً بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.. إذا صار هناك يقين، لم يعد هناك عبادة، كأهل الجنة، هذا أيضاً توجههم.. والأبيات في العشق الإلهي كثيرة، والدواوين الشعرية العاطفية الإلهية موجودة بلغات شتى.. البعض يعيش هذا الجو في الجانب التوحيدي، أو في الجانب التوسلي، كالذين يعيشون في هيام وغرام مع أهل البيت (ع)، فهم يكتفون في الارتباط بالمعصومين بإبراز الحب.. وذلك لأنه يعيش وخز الضمير، ومقصر في العمل، فيمني نفسه بهذه الأبيات وبهذه الممارسات العاطفية؛ إرضاء لنفسه.

٢٢٨- إن هناك ثلاثة مسالك في الحركة الروحية التكاملية: مسلك العمليين: هذا فقط يعبد، ويعمل، ويصوم، ويصلي.. ومسلك التفكريين العقلانيين.. ومسلك العاطفيين والقلبيين.

٢٢٩- إن رب العالمين بعض الأوقات لمصلحة يراها، يتصرف حتى في نفوس الكافرين (إن الله يؤيد دينه بالرجل الفاجر).. ومن مظاهر تصرف الرب في القلوب، هو ما ألقاه من الرعب في نفوس المشركين بعد انتصارهم في غزوة أحد، فلم يكن بينهم وبين القضاء على الإسلام إلا قتل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ودخولهم المدينة، واستباحة أهلها، وإعادة الأمر جاهلية أخرى.. ولكن الله -عز وجل- قذف في قلوبهم الرعب، وحال دون قيامهم بذلك كله، فقفلوا راجعين -مع هزيمتهم للمسلمين- إلى مكة، وهم يقولون وكأنهم استيقظوا بعد سبات: (لا محمداً قتلنا، ولا الكواعب أردفنا).

٢٣٠- إن على الإنسان عندما يسمع وصية لعلي (ع) أو خطاباً من علي لأصحابه، عليه أن يجعل نفسه في زمرة أصحابه، ولا يقول: إنما المخاطب كميل، أو المخاطب سلمان.. لا، أبداً!.. بل المخاطب كل إنسان ينتمي إلى مدرسة علي، ومدرسة علي (ع) هي مدرسة القرآن الكريم.

٢٣١- إن هذا الكتاب المتعلق بقصار كلمات أمير المؤمنين (ع) أو غرر الحكم، يصلح لأن يكون رفيقا مسلياً في السفر.. وأيضا كلمات الإمام أمير المؤمنين (ع)، مواد ثرية ودسمة للتأمل.

٢٣٢- يجب عدم مخالفة المتبنيات التي اعتقدنا بها اعتقاداً صحيحاً.

٢٣٣- إن هنالك جهازاً وسطياً في وجود الإنسان -من الممكن أن نسميه: الإرادة، أو العزيمة، أو البعد الباطني- يأخذ الفكرة، ثم يجعل هذه الفكرة تتفاعل في الوجود، بحيث أن الجوارح تصدر بفعل هذه الفكرة.. ولعل من أفضل التعابير لهذا الجهاز: الإرادة.

٢٣٤- إن من المناسب بين فترة وأخرى أن نتأمل في الكلمات الشرعية، لنتصيد منها بعض القواعد، وتسمى هذه القواعد بالـ”القواعد المتصيّدة”.. فقد لا يكون هناك نص بمضمون تلك القاعدة، ولكن من مجموع الشواهد والقرائن نستفيد تلك الفائدة.

٢٣٥- إن من المفاهيم الباطلة في حياة الناس هذه الأيام، هو الاعتقاد ببعض المؤثرات الوهمية في الحياة.. فهناك قسم من الناس يعتقد بما يسمى بالأبراج والنحوسة -وبتعبير قرآني- هناك حالة من التطير.. وهذه الحالة حالة ممقوتة شرعاً، فالإنسان المؤمن شعاره في الحياة هو عدم اتباع الظن، فإن الظن لا يغني عن الحق شيئا.. فكيف إذا كان الأمر بمستوى الوهم والخيال وما شابه ذلك؟!..

٢٣٦- إن هنالك جهازاً في وجود الإنسان، وهو المسمى بجهاز الإرادة، وإذا لم ندعم هذا الجهاز في وجود الإنسان، فإن الإنسان سيكبو يوماً ماً، وزلة الحكيم قاتلة..

٢٣٧- إن المؤمن يجب أن يكون له سيطرة على الغرائز، ذلك الجهاز العاطفي الميلي في وجود الإنسان، ففي هذه المرحلة يسيطر العبد على ميوله، فلا يريد كل شيء، فلو أن الإنسان ترك حبله على غاربه لأراد كل شيء، لأراد كل مطعوم وكل مشروب، وكل مشتهى في مجال الملذات النسائية وغيرها.. وعليه، فإن هذا الجهاز -الإرادة- يركب في هذه المحطة التي تريد ولا تريد.. فالمؤمن له سيطرته على هذا الجهاز.

٢٣٨- إن رب العالمين هو الذي جعل الإنسان في مستواه، ولولا هذه الرعاية: سفراً وحضراً، يقظة ونوماً؛ لما كان فيما هو فيه.. فإذا ارتفعت الحصانة الإلهية، صدر منه ما لا يخطر في باله أبداً!..

٢٣٩- لا بد لكل حركة من حركات الحياة من فقه لتلك الحركة، فإن المسائل الشرعية تحريماً وتحليلاً وكراهة واستحباباً، لا تنحصر في المفردات الجزئية البسيطة في حياتنا اليومية، بل تتعدى هذه المسائل للقضايا الحياتية المهمة، الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية، حتى في مجال التعامل مع الدول والملل وغير ذلك من مفردات هذه الحياة .

٢٤٠- إن من الأمور التي تحتاج إلى الإلمام بفقه، هو فقه المجالس: أي لقاؤنا، اجتماعاتنا مع الأرحام ومع غير الأرحام، مع المسلمين ومع غير المسلمين، مع العصاة ومع الطائعين؛ كل هذه اللقاءات تحتاج إلى درجة من درجات الفقاهة، واستيعاب القواعد الشرعية الأساسية في هذه المجالس.

٢٤١- إن الإنسان الكامل، والولي الواصل أحكامه أربعة: أما المباح فلا مجال له في حياته.

٢٤٢- إن من الملاحظ في عالم الطبيعة، وفي عالم الشريعة، وفي عالم الإرتباط بالله عز وجل، أنّ للمجاورة وللانتساب آثارها على الشيء.. ففي عالم الفقه مثلاً: إن الماء القليل إذا اتصل بالكُر، أصبح في حُكم الكُر، وإنْ كان قبل لحظات يُعد قليلاً.. وفي عالم الطبيعة كذلك، فمن الملاحظ أن المجاورة للرائحة الطيبة؛ موجبة لاكتساب الروائح الطيبة.. وفي عالم السياسة، إن الذي ينتسب إلى السلطان، ويُعد من حاشيته؛ فيصبح له حصانة وحُرمة ذلك السلطان.. فإذن، إن الانتساب للشيء في الفقه والطبيعة والسياسة وفي عالم العُرف، مما يعطي الشيء آثار ذلك المنتسب إليه.. فكيف إذا انتسب المحدود الممكن البائد الفقير، إلى ذلك المطلق اللامحدود القادر العليم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟!.. فالذي يريد أنْ يتشبه بالخالق جلا وعلا -وحاشا أنْ يكون له كفؤ في الوجود- عليه أنْ يرتبط به، بشكل من الأشكال.

٢٤٣- مَن أراد أنْ يعطيه الرب مزية إضافية عن الخلق، أي يعطيه مزية في عالم الأنفس والآفاق، فعليه بهذا الانتساب الذي يوجب الخلود.. وهذا الانتساب لا يتم إلا عن طريق العبودية الخالصة، لله الواحد القهّار في كل شؤون المعيشة.

٢٤٤- إن الإنسان قد يُبتلى بأزمةٍ منَ الأزمات، فيظن بأنه لا مخرج من تلك الأزمة.. وقد يضطر إلى اللجوء لعشرات الناس، وسؤالهم من أجل حلِّ مشكلته تلك، ولكن الكل يتفق أنّهُ لا خلاصَ مِنْ هَذهِ المُشكلة؛ لأن العقل البشري محدودٌ.. بينما القرآن الكريم يقول: {وَمَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخرجاً * وَيَرزُقهُ مِنْ حَيثُ لا يَحتَسِبْ}.

٢٤٥- إن الناس يعيشون حالة الوهم في هذه الحياة، بمعنى أنّ هناك بعض الأمور التي لا تعد امتيازاً حقيقياً، ولكن الفرد يحسبه شيئاً، وهو ليس بشيء.. كأن يعطى إنسان رتبة عسكرية عالية، ويعد من كبار موظفي الدولة أو الوزارة.. وهو يعلم أنّه بعد سنوات سيؤول أمره إلى التقاعد، وأنه سيكون حبيس بيته إلى أنْ يموت.. وهذه المقامات الدنيوية، والدرجات التي على كتفيه، أو المسمّيات الوزارية، وما شابه ذلك، في طريقها إلى الأُفول.. فمثلاً: هل يكتب على القبر: هذا قبر فلان، الذي كان أخصائياً في جراحة المخ والأعصاب؟!.. إن الإنسان قد ينتابه شيء من السخرية إذا رأى ذلك، لأن هذا ليس من الأمور المتعارف عليها..

٢٤٦- إن على الإنسان أنْ لا يُغَشْ في بعض الإمتيازات التي يحصل عليها في هذه الحياة الدنيا.. نعم، قد يكون للتخصص العلمي: الطبي، أو الهندسي وجه في ذلك.. ولكن الأسوأ من ذلك الانتماءات القبلية، كأن يكون الإنسان منتسباً إلى عشيرة معروفة.. فما قيمة هذه المعروفية في سجل رب العالمين؟!..

٢٤٧- إن الإنسان عندما يتذكر بأنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فإنه سيعيش حالة من الذهول والخوف الشديدين.. لأن الدم -كما هو معلوم- يصل إلى كل جزء من أجزاء الوجود الإنساني، وإلا فإن ذلك العضو يموت.. فالشيطان ينفذ في العواطف والأفكار والسلوك كذلك، أي مثل الدم الذي يجري في كل عضو، حتى في الهواجس والميول الباطنية.

٢٤٨- إن لله -عز وجل- تصرفات في عالم القلوب، يقلب القلوب إيجاباً أو سلباً، حزناً أو فرحاً، إلقاء في الروع أو ربطاً على القلب، أو عكس ذلك.. ولئن كانت المعجزات قد انسدت أبوابها في هذا العصر مثلاً، لعدم وجود ذلك التحدي، فإن الانفتاحات القلبية والواردات الفؤادية بابها مفتوح إلى الأبد.. فليسأل الإنسان ربه -عز وجل- أن يفتح عليه هذه الأبواب، ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار!.. يا مدبر الليل والنهار!.. يا محول الحول والأحوال!.. حول حالنا إلى أحسن الحال بجاه محمد وآله الأطهار) .

٢٤٩- إن الله -تعالى- إذا شاء، فإن له نوعين من التصرف: فمن أدواته في عالم الوجود التصرف في ذرات العالم، وفي النواة، والالكترون، فهو يتصرف فيها كما يشاء.. ونحن نعلم بأن ذرات النار محرقة، فما الذي جعل نار إبراهيم -عليه السلام- تتحول إلى برد وسلام؟!.. وكذلك بالنسبة إلى البحر لموسى عليه السلام، فإن طبيعة الماء تتمازج، وهناك الشد والتوتر بين جزيئات الماء في عالم الفيزياء كما هو معروف، وكذلك قانون الطفو وما شابه ذلك.. ولكن الله -عز وجل- شاء أن يجعل من المياه جداراً كالأنفاق في أعماق الجبال.. فإذن، إن رب العالمين له تصرفاته، متى ما شاء يتصرف في عالم المادة، وهذا الكلام أيضا يقال بالنسبة إلى عصا موسى (ع)، فقد خيل إليهم أن الحبال تسعى، ولكن عصا موسى عليه السلام، ابتلعت الحبال.. وعليه، فإن معنى ذلك أنها حية حقيقية.. فهذه صورة من صور التدخل الإلهي في عالم الوجود.

٢٥٠- إن من الملاحظ في كتاب الكفارات، بأن من ضمن كفارات اليمين إطعام عشرة مساكين.. ولكن في باب العهد يلاحظ بأن الكفارة تتصاعد إلى إطعام ستين مسكيناً.. ومعنى ذلك أن معاهدة الله -عز وجل- أمر ثقيل.. ففي بعض الأوقات يعاهد الإنسان الله عز وجل، لا على نحو العهد الشرعي، أي يقول: عاهدت الله كذا.. ولكن يعاهد الله على ترك منكر عهداً غير ملزم.. صحيح هو غير ملزم بكفارة، ولكن أن يعاهد الإنسان ربه على أمر من الأمور، فهذا أمر عظيم!.. فإذن، إن كفارة النذر أقل من كفارة العهد، وذلك لثقل المعاهدة مع الله عز وجل.. ومن منن الله -تعالى- على الإنسان، أن جعل كفارة العهد إطعام ستين مسكيناً، ولم يؤجل الأمر إلى يوم القيامة، فلو لم تكن هناك كفارة لذلك، لوقع الإنسان في حرج عظيم.

٢٥١- إن من الملاحظ أنه لم يكن في أصحاب الأئمة (ع) -وعلى الخصوص أصحاب الصادقين، أو الباقرين (ع)، الذين هم حلقة الوصل بين أئمة الهدى، وبين المؤمنين في هذا العصر- طبقة متميزة في المجتمع آنذاك بعنوان: طبقة متفرغة للتفقه.. ولم يذكر في التأريخ أن هناك طبقة وشريحة كبيرة من المجتمع تجلس في بيوتها، وينفق عليها من بيت المال للتفقه في الدين.

٢٥٢- إن من الحكم الجميلة هذه المقولة في باب الطعام، يقول أمير المؤمنين (ع): (لا تطلب الحياة لتأكل، بل أطلب الأكل لتحيا).. يا لها من كلمة جميلة!.. فالقضية قضية معادلة في مطلق الاستمتاع في الحياة، فالمؤمن يتزود، وغير المؤمن يتمتع، كما في الروايات.. وبالتالي، فإن المؤمن يحاول أن يحوّل كل متعة في الحياة إلى زادٍ في الآخرة.. ولهذا الشريعة المقدسة أحاطت أنواع الملذات بآداب وسنن: فالطعام يسمى ويحمد الله -عز وجل- عليه.. ومن المعلوم أن من مواضع الاستجابة، الدعاء عقيب الطعام، ولا تعد من ساعات العمر.. لذا ينبغي ألا يستعجل الإنسان في الطعام، ولا يقوم عن المائدة بسرعة، لأنها مائدة رب العالمين، قبل أن تكون مائدة زيد وعمرو.

٢٥٣- إن مسألة المنامات ليست خاصة بالأولياء، فعزيز مصر لم يكن مؤمناً، ولكنه رأى مناماً صادقاً، ولهذا يوسف -عليه السلام- أوّلَ تلك الرؤيا التي رآها الملك.. وعلى الإنسان أنْ يعلم أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، إلا إذا أمضاه المعصوم، فعندئذٍ يصبح له قيمة.. وعليه، فإن الأصل في الظنون هو عدم الحُجية.. والمنام مصداق مِنْ مصاديق الظّنْ، فلا ينبغي أنْ نُعوّل كثيراً على المنامات، ولا ينبغي أنْ نتفاعل سلباً أو إيجاباً لمجرد الرؤيا.

٢٥٤- إنّ تعبير الرؤيا من أسرار الله عز وجل، قد علمها أمثال يوسف الصديق (ع).. أما أن يأخذ إنسان كتاباً مرجعاً في تعبير الرؤيا، فهذا الأمر غير صحيح، ولا ينبغي أنْ يعتد به.

٢٥٥- إذا كان المنام مُبَشِّرا، فإن الإنسان له الحق في أن يستبشر بالمنام الجيد.. وفي بعض الروايات -إن صحت- أن النبي -صلى الله عليه وآله- عندما كان يواجه المسلمين في بعض الحالات، كان يقول: (هل من مبشرات)؟.. فإذن لا بأس بهذا المقدار!.. وأما إذا كان الواقع خلاف المنام، كأن يرى إنسان -قد عصى الله عزّ وجل طوال النهار- في منامه شخصية على أنها هي المعصوم، فلا ينبغي أنْ يفرح بهذا المنام.. فهو يعلم أنه طوال اليوم كان عاصياً، فما رآه في المنام لا يناسب الواقع الذي كان فيه.

٢٥٦- إن الإنسان عمره في الدنيا، مقابل سنوات البرزخ والقيامة عمر قصير جداً.. وعليه، فإن على العبد ألا يستعجل متاعاً عاجلاً في نفسه أو في أمواله.. (ادعني!.. ولا تعلمني).

٢٥٧- إن الذي يريد أن يكون عبداً لله عز وجل، وعبداً قانعاً بأدنى درجات العبودية، ويحب أن يدخل الجنة فقط، فمن الممكن أن يقتصر على الواجبات.. وفي بعض الروايات أن بعض الناس يوم القيامة في الجنة ضيوف على أهل الجنة، أي أنهم لا يستحقون الاستقلالية في الخلود، فيعيشون في كنف أهل الجنة.. ولكن شتان بين أن يكون الإنسان ضيفاً وعالة على أهل الجنة، وبين أن يكون مع النبي وآله (ص) وفي درجتهم!..

٢٥٨- إن رضى الله -عز وجل- عن العبد، يعني السعادة، ويعني الرزق الوفير، والعافية، و..الخ.

٢٥٩- ينبغي مراعاة الشمولية والموازنة في العمل بكل حذافير الشريعة، فللإسلام أحكامه: الاجتماعية والفردية، والبدنية والمالية، والعلمية والعملية.. فلا ينبغي التحيّز إلى جهة على حساب جهةٍ أخرى، وإلا كان صاحبها ممن يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فينمو عنده جانب بشكلٍ غير متوازن، وعندها يقع في دائرة الإفراط والتفريط.

٢٦٠- إنّ المستبد برأيه: سواء في الجزئيات اليومية أو التعاملات السلوكية، أقرب إلى الخطأ والزلل من غيره.. فإنّ المشورة الواعية مع من يوثق بعقله وأمانته، ضمانٌ لتقليل نسبة الخطأ في السير، وخاصة مع استلهام الحق في المشورة.. ومشاورة ذوي العقول المستنيرة بالأنوار الإلهية، إنما هي مشاركة لهم في عقولهم، ولطالما وفرّت على السالك تبعات تجارب الخطأ والصواب.

٢٦١- إنّ الأنس بالحق -وخاصة في حالاته الشديدة- يهيئ العبد لحالة من التثاقل من الخلق، بداهةً أنّ الألذ يُشغل عن اللذيذ، فكيف إذا فقد اللذيذ لذّته؟.. ولكن ذلك لا يعني حالة النفور والتعالي الذي يفوّت عليه واجباته الاجتماعية، إضافة إلى أنّ نفس هذه الحالة من النفور سلبيةٌ في حد نفسها، والعلاج الجامع لهذه الحالة: هو النظرة الطولية إلى ما سوى الله في جنب الله تعالى، إذ أنّ تلك الحالة من النفور، نتيجةٌ طبيعيةٌ للإحساس بالنديّة بين المحبوب وما يُشغل عنه، فإذا لم يعد الغير شاغلاً ما صار ندّاً، وإذا لم يكن ندّاً ما عاد منفوراً.

٢٦٢- إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.. فإن القسوة في التعامل مع النفس والبدن وإجبارهما على بعض الطاعات من دون رغبة -ولو متكلفة- قد تحدث ردة فعل في النفس، تجعلها تنفر من ثقل الطاعة، لتستذوق حلاوة المتع الرخيصة والفانية.. إن الالتزام بأوراد عبادية -سواء في عالم المناجاة أو التوسل- أمر مطلوب، ولكن بشرط عدم التحميل الإجباري المنفر للنفس.

٢٦٣- إن كتمان الحالات الروحية المتميزة عن عامة الخلق، من دواعي إبقاء تلك الحالات.. إضافة إلى تجنيب صاحبها من آفة الرياء المقترن بالعمل، أو العجب اللاحق للعمل؛ وكلاهما من محبطات الأجر.. ولا ينبغي الخروج عن قاعدة الكتمان إلا في ظروف استثنائية: كإخبار ذوي البصيرة في شؤون النفس وتقلباتها، أو تشجيع طالبي الكمال بذكر بعض التجارب المشجعة في هذا المجال.

٢٦٤- إن عصرنا يتسم بالتخطيط والبرمجة حتى في أبسط الأمور!.. ولكن عندما يصل الدور إلى تربية أعقد كيان في الوجود، نرى البعض يتوقع النتائج الباهرة من خلال: الفوضى، والتسيب، وقلة البال، وعدم الإصرار والمواصلة، وغيرها من المعاني التي تضاد البرمجة.. فأمير المؤمنين (ع) عندما يوصي بنظم الأمر، يريد نظم الأمر بمعناه الشامل لكل فروع الحياة.

٢٦٥- إن طول الأمل من روافد الخسارة الكبرى، فإن المتبقي من العمر وإن بدا للوهلة الأولى طويلاً، إلا أن كرّ الليل والنهار، يطوي صفحة الحياة بسرعة، وخاصة أن فرص التعالي الروحي، تزامن فترة النشاط البدني، وهي المرحلة المتوسطة من العمر.. نعم في المرحلة المتقدمة من الحياة، تتم عملية التنضيج والتثبيت لما قد بُني أساسه في المرحلة السابقة.. ولهذا قلما وجدنا حالات الطفرة والإنابة واليقظة في المراحل المتقدمة من العمر، بل الشيطان يمسح على وجهه -بعد تكاثر الذنوب- قائلاً: “هذا وجه لا يفلح أبدا “.

٢٦٦- إن من الخطأ الفادح أن نحصر السعي المركز لحيازة رتب العبودية العالية بفئة من الناس.. فإن الحق المتعال وعد بعدم تضييع عمل عامل من ذكر أو أنثى، فالمهم أن يكون العبد عاملاً لا خاملاً، والشريعة إنما جاءت لتكامل الجميع، فالتلقين النفسي أن العبد دون مستوى حتى التفكير بهذه الأمور، من السبل الشيطانية لتثبيط العبد.. والتاريخ يعرض لنا صوراً بليغة من التكامل سواء في مجال: النساء أو الرجال، الأحرار أو العبيد.

٢٦٧- إن القلب الكبير يستوعب كل المعاني ويخلطها، ويعمل منها معجوناً صالحاً لكل أمراضه.

٢٦٨- إن الإنسان لا يعلم ما هي الطاعة المقبولة عند الله عز وجل، قد يقوم الإنسان بعمل كبير يعوّل عليه، فيأتي يوم القيامة وهذا العمل لم يقبل منه، وقد يكون بناء مشروع عظيم!.. وقد يقوم بعمل لا يلتفت إليه؛ ولكن هذا العمل وقع في موقعه.. فنحن لا نعلم ما هي موازين القبول وعدم القبول!..

٢٦٩- إن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، فرب العالمين لم يخلق العقول متشابهة.. الأبدان من حيث المظهر الفسيولوجي متشابهة في وظائفها، ولكن: العقل، والتفكير، والإدراك، والمزاج؛ كل هذه أمور لكل إنسان بصمته الخاصة فيها.. فكما أنه لا تعدد في بصمة يد الإنسان، كذلك لا تطابق في أفكاره.

٢٧٠- إن الاهتمام بالبنية العقائدية، من موجبات الاستقامة السلوكية.. فالذي يزداد يقينه بالله -عز وجل- وباليوم الآخر؛ سلوكه ينضبط.

٢٧١- لو أن الإنسان في نار جهنم يموت؛ فإنه سيرتاح!.. ولكن ليس هنالك موت: لا موت في النار، ولا موت في الجنة.. والإنسان إذا دخل النار -لا سمح الله- إن لم يخرج منها، كعصاة الأمة، لا يموت فيها ولا يحيى.

٢٧٢- لكل علم موضوع يتناوله، كما أن الطب موضوعه البدن، والهندسة موضوعها العمران، كذلك القلب هو موضوع علم الأخلاق.. وهو من أجلّ العلوم؛ لأنه يتناول الباقي لا الفاني.. ومن المعلوم بأن الله عز وجل، سيجمع الأرض بما عليها يوم القيامة.. وبالتالي، فإن علم النفس، أو علم الأخلاق، أو العرفان من أجلّ العلوم!.. من الضروري أن تكون لنا دراسة إجمالية في هذا المجال، ولا شك بأن المطالعة في هذا الحقل من أمتع المجالات؛ لأنه يتناول نفس الإنسان، وكل إنسان معني بهذا الأمر.

٢٧٣- إن طبيعة موارد الحياة الدنيا أنها محدودة وضيقة، لا تحقق مآرب الإنسان وتشبع رغباته.. وبالتالي، فإن تكالب الناس على هذه المواد، يكوّن التنازع على بعض الأمور.. و كما نعلم، كان أول من تنازع هابيل مع أخيه قابيل، حيث تُقبّل من الأول ولم يتقبل من الآخر.. فإذن، من الطبيعي أن تكون هذه الحالة من الخصومة في حياة البشرية.. لكن المشكلة في أن الإنسان المتخاصم أو المتنازع، عندما يعيش حالة الكره والبغضاء والحقد؛ ينسى الحدود الشرعية في هذا المجال.. ولهذا نلاحظ أن آيات الخلاف في القرآن الكريم، تطالب بتقوى الله، والصفح عن الغير، وتذكر الحدود الإلهية؛ لأن طبيعة التخاصم مما يمكن أن تجر الإنسان إلى مآسٍ وويلات.

٢٧٤- ليس من المانع أبداً أن الإنسان الذي يعيش في الحضيض، أو في الوادي، أن يفكر في القمم العالية، وإن كان يائساً لعدم وجود الإمكانيات الموصلة لهذه القمم.. إذ أن مجرد التمني ليس بالأمر المحرم، (ومن يتهيب صعود الجبال ***يعش أبد الدهر بين الحفر).

٢٧٥- إن الإسلام دين متنوع وجامع، لا يدعو إلى التهجد، وإحياء الليل فحسب!.. وإنما يدعو أيضاً إلى مشاركة الفقراء همومهم، فالبعض من المسلمين -كما نعلم- يعيش حالة الفقر المدقع، لا يكاد يدخل اللقمة السائغة في جوفه، والبعض منهم لا يأكل اللحم لأشهر.. بينما نجد هنالك من يصاب بالتخمة في هذا المجال، إلى حد الإصابة بالأمراض: كمرض النقرس وما شابه ذلك.. وعليه، فإن الإنسان يوم العيد، يحاول أن يشارك الفقراء مشاعرهم، ويثبت جانب التكافل الاجتماعي في الإسلام.. وهو تكميل لبعد من أبعاد الإنسان المؤمن في هذا المجال.

٢٧٦- إن المقدرات الإلهية، ليست مقدرات قاهرة على نحو الإلزام، بل على نحو العلم.. كما الحال عند الطالب الكسول، فعندما يقرر الأستاذ بخبرته عن هذا الطالب المهمل، بأن مآله سيكون السقوط، ثم أنه يمكنه أن يجد في الدراسة وينجح.. كذلك الحال بالنسبة للمؤمن، ما كتب له إنما هو كتابة محضة على نحو الخبر، لا على نحو الإلزامية والقهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى