المؤمن

بلاء المؤمن في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

إن الإنسان المؤمن لا يبلغ الدرجات الكمالية إلا بالتمحيص، فالإنسان الذي لا يتحمل أي بلية في حياته، لا يصل إلى درجة، الدنيا دار ابتلاء.. (الناس يطلبون الراحة في الدنيا، وقد جعلتها في الآخرة)..
إن الله -تعالى- لا يبقي وليه على حالة واحدة، فهو الذي يقلبه من حال إلى حال، ليتعرف عليه في كل حال، بلون من ألوان المعرفة.. فالتجلي الإلهي في ساعة الرخاء، يغاير تجليه في ساعة الشدة والضراء مغايرة تامة، يعرفهما من عاشهما.. ومن هنا لا يستوحش المؤمن من البلاء أبدا، ما دام يرى الوجه الإلهي ناظرا إليه بعين اللطف لما هو فيه.. فلذة تلك النظرة، تذهب عنه كل هم وغم.. فالقلب الطليق لا يبالي بالقالب الحبيس..
(وسكنتُ إلى قديم ذكرك لي).. هذهِ العبارة لها معان منها: أن الشيطان يقول للإنسان: أنتَ على خير، أنسيتَ ليالي القدر كيفَ كنتَ تبكي من خشية الله؟.. وبعد موسم الحج يقول: أنت الآن حاج بيت الله الحرام، أنتَ الآن رجعت كالذهب النقي.. فيستسلم الإنسان لهذه الإيحاءات الشيطانية، ويركن إلى ما هو فيه.. فالمؤمن لو أُهمل، وأوكله الله -عز وجل- إلى نفسهِ، لارتكبَ ما تقشعرَ منهُ الأبدان!..
إن المؤمن الذي هو تحت مجهر المراقبة الإلهية، أقل هفوة في حياته، ربُ العالمين يذكرهُ بخطأه.. لذا على المؤمن كلما وقع في بلية ولو صغيرة، قبل أن يتبرم يقف هنيئة ويقول: ما الذي فعلتهُ اليوم، حتى حدث ما حدث؟.. هذهِ الصفة من صفات الموالين لأهل البيت عليهم السلام..
إن البعض يريد أن يصل للملكوت الأعلى من خلال حياة رغيدة، ورفاهية، وأكل، وشرب، واستمتاع!.. هذه ليست السنة الإلهية في الوجود، إنما البلاء للأمثل فالأمثل، (المؤمن ككفتي ميزان؛ كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه)..
إن المؤمن كريم على الله عز وجل.. فليدعوه أن يأخذ أمانته وهو في عنفوان شبابه، وعلى كرامته، قبل أن يذل ويهان.. ولعل -والله العالم- من يبتلى بهذه العاقبة، كان قد قصر في حق أبيه، الذي مات قبل عشرات السنين، فأراد الله -عز وجل- أن يذيقه شيئاً من الذل في الدنيا قبل الآخرة.. وهذا من موجبات الأسف والندامة في ساعة الاحتضار.
إن على المؤمن أن يحاول الاستقلال في المعاش.. فالقلب المضطرب بلقمة العشاء، وبتأدية الديون، وما شابه ذلك.. لا يتوجه بالعبادات.. فعلينا أن نسأل الله -تعالى- العافية، والكفاف، والاستغناء.. ونقول كما في الدعاء: (اللهم!.. لا تحوجني إلى لئام خلقك)!.. فقول العبد: لا تحوجني إلى خلقك، فهذا خطأ غير مقبول.. بل ليقل: لا تحوجني إلى لئام خلقك.
إن قلب المؤمن عرش الرحمن، فلا يمكن الادعاء أن الإنسان المؤمن لا يبتلى بالضيق، بل أنه في بعض الأوقات تنحبس أنفاسه.. ولهذا نلاحظ أن الله -تعالى- يخاطب نبيه المصطفى (ص): {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}.. إن الضيق للمؤمن قد يكون أمراً لابد منه، قضاءً محضاً، هبة من الله عز وجل، يدفعه إليه؛ ليكفّر عن سيئاته، وليعلم أن المتصرف هو رب العالمين.. وإلا فإذا عاش البسط دائماً، وإذا عاش الفرح دائماً؛ فإنه قد يركن إلى ما هو فيه.. ولكن تأتيه وجبة ضيق، فتضيق به الأرض، وتضيق أنفاسه، ليتكلم مع رب العالمين.
إن من موجبات التحول: التعرض للبلاء الشديد، فإنه بمثابة البوتقة التي تصهر المؤمن، لتحوله إلى وجود مقاوم لا تحركه العواصف، وقور عند الهزاهز.. وعليه، فإن المؤمن يتحين فرص البلاء، ليحول يقظته الطارئة إلى حالة متأصلة من الرقابة المتصلة.
إن من نعم الله -تعالى- على عبده المؤمن أن يبتليه بالبلاء اليسير؛ ليكون ذلك مقدمة لتذكيره بالدعاء، الذي بدوره يدفع البلاء العظيم.. ومن هنا فإنه إذا رزق العبد توفيق الدعاء بعد البلاء؛ كان ذلك علامة على سرعة زوال ذلك البلاء.. وقد ورد في الحديث: (ما من بلية، إلا ولله فيها نعمة، تحيط بها).
إن من الخطأ أن يرتاح الإنسان إلى تتابع النعم الإلهية عليه.. إذ لعل ذلك من صور الاستدراج، الذي يراد منه إتمام النعمة والحجة على العبد قبل العقوبة.. فتأمل في هذا الحديث الذي روي عن الإمام السجاد (ع) ليفتح لك باب الصبر على المصائب، حيث قال: (إنّي لأكره أن يعافى الرّجل في الدّنيا، ولا يصيبه شيء من المصائب أو نحو هذا).
لا شك بأن للمؤمن أعداءه سواء كانوا خصوماً في حركة الحياة، أو في مجال الرسالة.. والمؤمن في مقابل ذلك له حركتان: السعي الفردي من أجل استنقاذ حقه.. والانقطاع إلى الله تعالى.
إن العقل هو الذي يمنع الإنسان أن يعيش عالم الهوى وعالم الغضب؛ وهما من فضائح الإنسان المؤمن.. فالإنسان قد يكون في أعلى درجات الإيمان؛ ولكن قد يفضحه بطنه وفرجه وغضبه.
إن المؤمن إذا وقع في البلاء بعد الطاعة المتواصلة، يُعلم أن هذا الإنسان -إن شاء الله- على خير، وهذا يسمى بلاء رفع الدرجة، لا بلاء رفع العقوبة.. فمرة ترفع عقوبة الإنسان بالبلاء، ومرة ترفع درجة الإنسان بالبلاء.. وفرق بين هذا وذاك!..
إن هناك وظيفتين -حسب الظاهر- مختلفتين، ولكنهما وظيفتان، وهما: الحمل على الأحسن، والحيطة والحذر.. فالحمل على الأحسن مع وجود هذه الأجواء المفسدة؛ أمر صعب.. ولكن المؤمن في نفس الوقت الذي لا يبالي فيه بكلام الآخرين، أيضاً عليه أن يحذر ويدفع البلاء قبل نزوله.
إن المؤمن عندما ينزل عليه البلاء؛ يجب ألا يتبرم كثيراً، بل عليه أن ينظر من أين أُكل؟.. فهذا البلاء هو عبارة عن منبه، يجعله يفكر في الخطأ الذي ارتكبه!..
إن الدنيا دار تعب ومشقة!.. والمؤمن إذا رأى بلاء في ماله، أو في نفسه، أو في زوجته؛ يشكر الله عز وجل.. لأنه إذا كان لابد من البلاء، فليكن في غير الدين، ألا نقرأ في الدعاء: “اللهم!.. لا تجعل مصيبتنا في ديننا”!.. نعم، المصيبة الكبرى هي التي تكون في الدين!.. مثلاً: البعض يقف ليصلي، يحب أن يقول: الله أكبر!.. وكأن هناك شيئاً يدفعه عن الصلاة، لمرض أو لغيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى