الموت

ذكر الموت في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الاستعداد للموت إنما يتم في سنوات الشباب وفوران النشاط.. وإلا فمع فتور الهمة، وضعف الأعضاء في مرحلة الشيخوخة، قد يعجز العبد عن اكتساب الدرجات العليا من الكمال.. فكم يتوهم البعض -خاطئا- عندما يسوّف في التوبة إلى ما بعد انتهاء فترة طيش الشباب؟!.. أو هل يضمن الحياة أولا؟!.. ثم هل يضمن التوفيق للتوبة ثانيا؟!..

٢- إن الإنسان كلما زاد اعتقاداً بهذا السفر –الموت-، وبأن هنالك مراحل مخيفة بعد هذا السفر، وأنه بحاجة إلى زاد، كلما زاد تحركاً في الحياة..

٣- إن ذكر الموت يحيي القلوب، والإنسان يستفيق على الواقع، ويتدارك الموقف، قبل أن تقفل الملفات..

٤- عندما يلبس الإنسان ثوبي الإحرام، فليتذكر الشبه الشديد بين ثيابٍ ثلاثٍ بيض.. حيث أن الإنسان له عهد بثلاثة أنواع من الثياب، في ثلاثة مراحل من حياته: عندما يلد الطفل، فإنه يلف في الثوب كما يلف المحرم.. وكذلك الميت، حيث يلف في لباس الكفن.. فلباس الإحرام يذكرنا بساعة الولادة، ويذكرنا أيضاً بساعة الممات؛ أي أن الإنسان في حال الإحرام، يتذكر البداية ويتذكر النهاية..

٥- إن الناس يحتاطون في حياتهم الدنيا، فهم لا يتناولون منتوجاً غذائياً، مضى على انتهاء تاريخ صلاحيته يوم واحد، بل يرمون به في سلة المهملات.. ولكن عندما يأتي الأمر إلى الآخرة وإلى الدين وإلى السعادة الأبدية، فلا احتياط في ذلك!..

٦- إن من نعم الله -عز وجل- على العبد أن يتذكر الموت بشكل تلقائي.. أي يمشي في هذه الحياة الدنيا، ويرى فنائية كل شيء..

٧- إن من آثار تذكر الآخرة: التعامل الاجتماعي المنضبط.. فالإنسان الذي يعلم أن كل حركة هنا، يترتب عليها أثر في البرزخ وفي القيامة {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.. يكون مؤدبا في حديثه مع زوجته، فهو وبعد أربعين أو خمسين سنة من الزواج، كما اليوم الأول منه، الزوج الودود والمحب.. لأن هذه المرأة أمانة لديه، وهو سيحاسب عليها..

٨- إن ذكر الموت هو الذي يرتب الحياة للإنسان: قولا وعملا.. مثل المغناطيس الذي إذا وضع أسفل ورقة عليها برادة حديد متناثرة لا ترابط بينها؛ فإنه يجعلها منتظمة على شكل قطب سالب وموجب، وخطوط نصف دائرية..

٩- إن الذهاب إلى المقابر، هو من المحطات الجميلة في حياة الإنسان المؤمن.. نعم، يكون ذلك إذا حولنا المذاق.. فمن الأمور التي يهتم بها الإنسان المؤمن، تغيير ذائقته وذوقه والحلاوة التي يستشعرها في وجوده.. إن المؤمن يصل إلى درجة، تتحول لديه المذاقات.. قطعة الحلوى لذيذة وحلوة، إلا أنها لا تغري المؤمن كثيرا..

١٠- إن الإنسان كلما زاد ذكرا للموت، كلما اتزن في مشيته؛ فالقضية ليست قضية رعب وخوف، وتذكر أمور سوداوية.. بل العكس، فإن الإنسان الذي يتذكر الموت، يزداد صلابة في الحياة..

١١- إن من ثمرات ذكر الموت، أن يخطط الإنسان ويبرمج لنفسه في هذه الدنيا قبل الانتقال إلى تلك النشأة.

١٢- إن الموت بالنسبة لنا يعتبر صورة من صور الفناء، والحال بأن الموت بداية الحياة الباقية والحياة الأبدية.. فالموت حقيقة راهنة في حياتنا، نفر منه، وهو يلاقينا شئنا أم أبينا.

١٣- ما يمنع الإنسان أن يصلي في كل ليلة صلاة الوحشة، ويقول: “اللهم!.. إني أصلي هذه الصلاة، لرفع الوحشة عن كل من يحمل في قلبه حب النبي وآله”؟!.. فهذا الإنسان الذي طول عمره، كان يفكر في موتى المؤمنين، ويصلي صلاة الوحشة لكل ميت في هذه الليلة؛ هل يبتلى بوحشة القبر؟..

١٤- إن بعض العلماء يقول: إن البرزخ هو عالم حساب الجوارح.. فهناك عقائد في الذهن، وملكات في عالم القلب، وحركات في عالم الجوارح.. والإمام الصادق (ع) يقول: (والله!.. أتخوف عليكم من البرزخ).. قيل له: ما البرزخ؟.. فقال: (القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة).. فالإمام -عليه السلام- يريد أن ننتبه إلى جوارحنا.. إن الإنسان المؤمن إذا صلحت سريرته وحسن اعتقاده؛ يكون قد تجاوز تقريباً ثلثي الطريق..

١٥- إن تذكر الموت والحشر والحساب، يحدث عند الإنسان اللين والخشوع، ويوجب رقة القلب (كفى بالموت واعظاً)!..

١٦- إن الإنسان الذي يخاف الموت ويضطرب من ذكره، فلا يذهب للمقابر، ويبتعد عن كل ما يذكره بالموت.. عليه أن يراجع نفسه؛ لئلا يتضمنه هذا العتاب الإلهي: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.. وهذا الكلام ليس خاصاً باليهود، وإنما المقياس مقياس عام، والذي يخاف الموت فإن هذا الإنسان لا يعد ولياً..

١٧- إن الصراحة في مواجهة مسألة الموت، خير من التناسي والتغافل.. فقد جعل النبي (ص) جلاء القلوب بـ(قراءة القرآن، وذكر الموت).. ولا يراد منه: الذكر العابر عند زيارة القبور، أو فقد عزيز.. بل الذكر الذي يستلزم برمجة جادة دقيقة، لتحقيق حالة اللقاء الإلهي (اختيارا) قبل اللقاء (قهرا).. ومن المعلوم: أن من {كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.

١٨- إن هنالك ما يسمى بـ(راحة الموت) وهي حالة قصيرة من الالتفاتة قبل الموت تنتاب البعض، لكى يعوض ما نسيه من الوصية، التي قد تخفف عنه كثيرا من تبعات ذلك العالم.. ولكن لا ينبغي التعويل على الوصية في تلك اللحظات الأخيرة، بل لا بد من المسارعة -في ساعة الصحة والفراغ- إلى الوصية بما في ذمته من الحقوق اللازمة، إذ قد يفاجئه الموت كما يتفق للكثيرين!..

١٩- إن تذكر الموت والقيامة: يوجب الانزجار، والردع عن المحرمات، ويبعد عن الركون إلى الدنيا وشهواتها الفانية.. كان رسول الله (ص) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول: (أكثروا ذكر الموت!.. فإنّه هادم اللذات، حايل بينكم وبين الشهوات).

٢٠- إن لكل سفر زاده، وأن هذا السفر الموحش يحتاج إلى زاد، والقرآن الكريم يبين لنا ذلك في آية صريحة، إذ يقول تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}.. ولطالما أظهر أئمتنا (ع) تأوههم لوحشة هذا الطريق وهول المطّلع، مع أنّا نعتقد بأن ما أعده الله لهم من النعيم، لا يخطر على بال أحد.. فإذا كان البعض يعيش حالة الوسوسة، والخوف تجاه جهة معينة: رب العمل، أو الزوج، أو الزوجة: من حيثية الرضا، أو السخط؛ فمن باب أولى أن يعيش الإنسان هذا الهاجس، مع مولاه -جل وعلا- في كل خطوة من خطواته، وأن يكون حريصاً على رضاه وسخطه.

٢١- لا شك بأن لزيارة القبور أثرا بالغا في النفس، إذ تورث حالة من حالات الزهد القهري في الدنيا.. وإن كانت هذه الحالة تزول مع حركة النشاط اليومي؛ ولكن الالتزام بهذه الزيارة بشكل رتيب، مع مراعاة الآداب الشرعية في هذا المجال؛ نافع -إن شاء الله- في عملية تهذيب النفس، وتذكيرها بما ستؤول إليه طال الزمان أو قصر.

٢٢- إن الذي يريد أن يخرج من عالم العجب -خصوصاً بعد أن يقوم بعمل عبادي مرحلي، ويعيش شيئاً من الإقبال؛ فيظن أنه على خير، أو أنه قد أنهى كل المراحل التكاملية- عليه أن يعود إلى نفسه بهذا المقياس المخيف، لمعرفة موقفه من رب العالمين.. فينظر لنفسه: هل يتمنى الموت؟..

٢٣- كلما أحس الإنسان في نفسه ميلاً إلى الدنيا، وقساوة في القلب، من المناسب أن يذكر نفسه بالذهاب إلى المقابر؛ ليرى النهاية الحتمية القهرية التي سيؤول إليها.. ولقد كان بعض علمائنا السلف، يجعل قبراً في بيته، وينام فيه كهيئة الميت، ثم يخرج وكأنه بعث من جديد.. ولعله من أنسب الأوقات في ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ لكون الأعمال لها خصوصية في ذلك الوقت.

٢٤- إنه لمن المؤسف أن تتحول زيارة القبور -في بعض البلاد- إلى حالة من الاختلاط، أو ممارسة بعض السلوكيات التي لا تناسب مثل هذا المقام، مثل توزيع المأكولات والمشروبات بشكل مبالغ فيه.. ولو أن هذا المال صرف صدقة عن روح الميت؛ لكان خيراً من هذه الأمور، بل إن الميت سيفرح أكثر من ذلك بكثير!..

٢٥- إنه لمن المناسب أن يعوّد الإنسان نفسه على الموت، بأن يتصور نفسه في كل ليلة، بأنه سيذهب إلى ربه ولن يرجع.. فمعلوم أن النوم يشكل الموت الأصغر.

٢٦- إن من أهم الموضوعات الإستراتيجية في حياة الإنسان، أن يفكر في مسألة الموت بجدية!..

٢٧- إن المؤمن يتمنى الحياة، كي يعمل لآخرته أكثر!.. عن الإمام الصادق (ع): (تمنّ الحياة لتطيع لا لتعصي.. فلئن تعيش فتطيع؛ خيرٌ لك من أن تموت: فلا تعصي، ولا تطيع).. لذا علينا الابتعاد عن تمني الموت الذي يكون مبعثه: الكسل، والرغبة في الراحة.. بل نتمنى الحياة، لنطيع الله، ولتكون حياتنا كلها لله عز وجل.

٢٨- إن الإنسان معرض للموت في كل لحظة، فكيف ننساه وهو يتبعنا؟!..

٢٩- إن الذي يتذكر هذا السفر الموحش، ويتذكر ما بيده من بضاعة؛ هي حقيقة موحشة.. فالذي يعيش هذا الفقر، والذي يعيش هذه الوحشة، عندما يقول: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة) يرجو أن يعطى له زاد.. فالإنسان الكريم الذي يرى أن هذا الشخص لا ماء له ولا زاد، يصب الماء في قربته، وبذلك يرفع عنه الوحشة والفقر، ويمشي في طريقه.. ورب العالمين خزائنه بين الكاف والنون، {يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، {وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا}.. هكذا هي سياسة رب العالمين في عباده.

٣٠- إن المؤمن لا تفارقه وصيته، ولو في كلياته، ولو على مستوى الثلث.. فالمؤمن لا يخاف من الوصية، فإنها لا تقدم الموت.. فعلى الأقل يكتب في هذه الوصية ما يطلبه من ورثته، ومن تقسيم ثلث أمواله في طاعة الله.. فبجرة قلم، وبسطر واحد، تُفتح له أبواب من الجنان، بما لا يخطر على باله.. فلماذا يفوّت الإنسان هذه الفرصة على نفسه، وهو بإمكانه أن يشتري نعيم الأبد بهذه الحركة؟!.. وهذا ليس بالأمر المخيف.. وكذلك يستطيع أن يوصي، ولو شفهياً مع شيء من التوثيق، بما يريد في هذا المجال من دون أن يشق على ورثته.

٣١- إن مدارك الإنسان محدودة جداً، فرغم غزارة الآيات والأحاديث، التي تتحدث عن فترة ما بعد الموت، إلا أنها يبقى يلفها الغموض وعدم الوضوح، بسبب ضيق أفق الإنسان، واختلاف المقاييس.. وبالتالي، فإن صعوبة رسم صورة جلية في مخيلته لما يرتقبه من أحداث ووقائع، مما يثير الخوف لديه.

٣٢- إن الفكر الإسلامي يزخر بالكثير من المفاهيم والعقائد، التي تعطي رؤية وتصوراً، لما يحدث بعد الموت.. لأجل الحث على التأهب التام لتلك المرحلة مما يهون مسألة الموت، ويحوله من حالة سلبية في الحياة إلى حالة إيجابية.

٣٣- إن تذكر الموت والحشر والحساب، يحدث عند الإنسان اللين والخشوع، ويوجب رقة القلب (كفى بالموت واعظاً)!..

٣٤- إن الزيارة الواعية للقبور من موجبات التزهيد الشديد بالمتاع العاجل؛ ولهذا من المناسب أن الإنسان إذا أقبلت عليه الدنيا بشكل يلهيه عن ذكر الله عز وجل، أن يذهب لزيارة أهل القبور؛ ليرى النتيجة النهائية لكل حركة وجلبة في هذه الحياة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى