المعاشرة والعزلة

التعامل مع الآخرين في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن البصيرة في التعامل مع الآخرين، من موجبات النجاة من الفتنة..

٢- يجب أن يكون هناك حالة وسطية، بين حالة الإفراط والتفريط في مسألة التعامل مع الجنس الآخر..

٣- إن لكل إنسان حقل تأثير اجتماعي، وقد قال (ص): (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).. والنبي (ص) أيضاً لم يفرق بين ذكر وأنثى..

٤- إن الذي يكثر من الصمت الهادف، لا الصمت الذي لا معنى له.. بعد فترة من مزاولة هذه المجاهدة، يصل الإنسان إلى درجة يصبح الكلام ثقيلاً عليه.. إذا أراد أن يتكلم مع أحد يمنّ عليه بالكلام، لأنه يريد أن يعطيه شطراً من حياته، وعندما يزور أحدا في المنزل يمنّ عليه؛ لأنه يعطيه قطعة من وجوده..

٥- إن من الأمراض الروحية وأوبئة النفس المريضة، مرض التبرم والخشونة في التعامل مع الآخرين.. ويعد هذا التصرف الشنيع وبالاً على من قام به، حيث يذهب بأعمال الدنيا هباء، وتبقى تبعاته في الآخرة.. فالتبرم والخشونة والضيق في التعامل مع عبيد المولى عز وجل، ما هي إلا صراع واحتدام للخواطر النفسية، والرغبات الروحية، بإعادة طريق الإرادة والعزيمة.. وكأن قوة الإرادة أمر صعب مستصعب، خارج عن يدي المنتكسين والمتبرمين.. وكأن النفس الأمارة هي من تسوق الروح الطاهرة، والنفس الراقية، في طريق التعامل مع الخلق؛ لتكون عقبة تعوق الوصول إلى الحق..

٦- إن الخشونة في التعامل تبدأ كحالة طارئة، لتتحول إلى ملكة في النفس يصعب اقتلاعها، وإن كان ممكنا بصعوبة.. لأن الملكة حصيلة الأفعال، سواء في جانب الخير أو الشر..

٧- إن التبرم والخشونة، قد تكون أمراً شنيعاً ومريعا إذا تجسد بـ(المؤمنين الرساليين) على الرغم من كل تلك العلوم الجمة التي امتازوا بها.. فإن الإنسان الخشن يتحول بالتدرج إلى إنسان ممقوت في الوسط الذي يعيش فيه، مما يفقده حالة التأثير الإيجابي.. فمن الممكن أن يتعمد الطرف المقابل مخالفة المعروف، نكاية به، وذلك لخطأ في أسلوب التعامل..

٨- إن تراكب المعاصي وتراكمها على القلب، لتغطيه بالحجب، وتتستر عليه بالأكنة.. تجعل الإنسان موجوداً ثائراً، يغاير خلاف الواقع، خادعاً نفسه بالتكامل، بعيداً عن التخاذل والتسافل.. فمن باب أولى بنا أن نغسل قلوبنا من زيغ الأهواء والتبعات، ولنتمثل بالله عز وجل؛ لننال توفيقه ورضاه.. حيث أن الذي يفقد الشفقة في التعامل مع الخلق، عليه أن يتذكر حاجته إلى شفقة مولاه.. فلنرحم من في الأرض؛ ليرحمنا من في السماء..

٩- إن من القواعد المهمة في المدح والذم: عدم المبالغة في المدح والذم.. وترك استخدام عبارات أفعل التفضيل والمبالغة، مثل: ما أحسن خلق فلان، أو ما رأيت مثله!.. بل يكتفي بالتقييم الموضوعي المناسب للمقام.. وقد رأينا بعض المتشرعين يتوقفون عن استخدام مثل هذه التعابير، لاحتمال وجود شبهة الكذب فيها..

١٠- إن على المؤمن أن يبتعد عن التزكية المطلقة للأفراد.. أي عدم إعطاء ضمانة أبدية وثقة مطلقة للشخص الذي نود تزكيته، لزواجٍ أو عملٍ مثلاً.. بل يمكن الاكتفاء بالقول أنه (ثقة إلى الآن) أو (بحسب الظاهر) أو (هكذا أعرف عنه).. إذ كيف يستطيع أحدنا -وهو لا يملك ضمانة لنفسه ولعاقبتها- أن يضمن عاقبة غيره؟!..

١١- إن من آيات الله -عز وجل- أنه خلق الناس على هيئات وأمزجة مختلفة، قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}، وورد في الحديث عن الرسول (ص): (الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة).. فالاختلاف بين الناس سنة طبيعية من سنن الله عز وجل.. ولاشك أن التعامل مع الناس بهذه الأمزجة المختلفة، يوجب شيئاً من الخصومة.. وعليه، من الخطأ أن ينظر الإنسان إلى المجتمع على أنهم مزاج واحد، أو أن ينظر الإنسان إلى المجتمع ويلزمهم بمزاجه.

١٢- إننا لا يمكن أن ننكر أن الإنسان يعيش في هذه الدنيا في ضمن مجتمع، تتعدد فيه المعتقدات والأفكار، وأنه يعيش مع قوم لا يلتقون معه في أصل الدين، وفي أصل قبول المبدأ والمعاد، ويلتقي مع أناس لا يتفقون معه في طريقة فهمهم للشريعة المقدسة، ويلتقي مع أناس يقلدون من لا يرون مبدأً فقهياً معيناً… ومن هنا من الطبيعي أن الذي لا يتأقلم مع الذين يختلف معهم في الرأي، والذي لا يتقن فقه التعامل مع الذين يختلفون معه، أن يقع في سلبيات الخصومة.

١٣- إن الخصومة تبدأ بخلاف مزاجي، أو بخلاف فكري، أو بخلاف مرحلي؛ ثم تتحول إلى عداوة، وميل للانتقام من الطرف المقابل.. وبذلك ينفتح الباب للانتقام بالقول وتوابعه: من الغيبة، والبهتان، والنميمة، والإسقاط، وما شابه ذلك.. وإذا أمكنه أن يتعدى عليه باليد، أو أن يزيله من الوجود، فإنه يعمل ذلك.

١٤- إن التعامل المستمر مع الأشخاص كالزوجة والأولاد، من موجبات عدم الاعتداد بوجودهم بعد فترة من الزمن.. ومن هنا تكثر الانتهاكات في هذا المجال، لعدم استشعار كيانهم على أنهم عيال الله تعالى.

١٥- إن الذي يبتلى بالتعامل القهري مع الجنس الآخر في العمل وغيره، عليه أن يلتفت إلى فقه التعامل مع الأجنبية أو الأجنبي بكل حدوده: من عدم الخلوة المريبة.. وعدم الاسترسال في الكلام الذي لا ضرورة له.. وعدم الظهور بمظهر الإثارة والفتنة.. فإن الضرورات تتقدر بقدرها.

١٦- إن الإنسان لا ينبغي أن يكون مثاليا وخياليا في نظرته للوجود، والأفراد.. فقد قال رسول الله (ص): (مازلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين، مبتلين بمن يؤذينا.. ولو كان المؤمن على رأس جبل، لقيض الله عز وجل له من يؤذيه؛ ليؤجره على ذلك).. وها هم الأنبياء -وهم قمة الخلق- لم يسلموا من كلام المخلوقين، وتهمهم الباطلة.. وعليه، فليس الحل هو الفرار من الخلق، وإنما الثبات أمامهم.. فإن الذي ينفع هو الذي يمكث في الأرض.

١٧- إن من الخطأ معاملة أهل المعاصي الذين تابوا إلى الله -تعالى- توبة نصوحة، معاملة فيها شيء من الازدراء والتنقيص باعتبار الماضي.. إذ من المعلوم أن (الإسلام يجُـبّ (يمحو) ما قبله).. وأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).. وأنه (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار).

١٨- ينبغي الحذر التام عند معاشرة الذين لديهم درجة من درجات الحساسية، وسرعة التأثر، وخاصة في مجال التعامل مع النساء.. فليس كل إنسان يعيش حالة المنطقية والعقلانية في حياته.. فالعاقل هو الذي يلحظ الخصوصيات الفردية لكل واحد منهم عند التعامل معهم، ولا يقيس الجميع بمسطرة واحدة.

١٩- إن المراد بالسنة الإلهية: هي الطريقة الواحدة في تعامل الله -تعالى- مع خلقه.. وقد طرح القرآن نماذج من هذه السنن، فذكر أن عاقبة المرجفين والمنافقين في المدينة، هو إغراء النبي (ص) لقتالهم وطردهم من المدينة.. واعتبر القرآن هذه سنة الله -تعالى- بالانتقام من أعداء الدين.. ومن الملفت في الآية، أنها أشارت إلى أن قلب النبي (ص) بيد الله تعالى، فهو الذي يغريه بقتال المنافقين، كما يدعوه إلى الرأفة بالمؤمنين.

٢٠- إن البعض منا في العمل، وفي الجامعة، وفي المستشفى؛ يشارُ إليهِ بالبنان: هذا الإنسان إنسان متدين.. هذه الصفة إذا التصقت بالإنسان عن حقٍ أو باطل، عليه أن لا يعمل ما يخالف هذهِ الصفة الإيمانية!.. فربُ العالمين سريع الانتقام؛ لأن ذلك الإنسان أصبح يمثل خط الإيمان، فلابدَ أن يعطي هذا الوصف حقهُ.

٢١- إن علينا أن نتعلم قواعد التعامل مع الغير عند الاختلاف؛ لأن من مناشئ الفتن أن نعيش مع بيئة، أو مع كتلة، أو مع فئة تختلف معنا في الرأي.. ومن مهارات المؤمن، التكيف مع الطرف الذي لا يوافقه في الرأي.

٢٢- إن عليا (ع) يقول: (ورضي بالذل، من كشف عن ضره)؛ أي على الإنسان أن يقدم شكواه إلى رب العالمين.. ولكن في نفس الوقت، عليه أن يختار من عباد الله الصالحين من يمكن أن يجري الخير على يديه.

٢٣- إن المزاح والهزل ومفاكهة الإخوان، من المسائل المطروحة، ومما ينبغي أن يعلق عليها.. فهناك صنف من الناس لا يمازح أحداً، ويغلب على حياته حالة الجدية الخشنة أو القاسية دائماً -سواء في تعامله المنزلي، أو في تعامله مع الناس.. ومن الطبيعي أن هذا الوجود، وجود غير مألوف.. فالإنسان الذي لا يألف ولا يؤلف، والذي لا تعلو عليه الابتسامة في الموضع المناسب، من الطبيعي أنه لا يحتمل، وخاصة في الوسط الذي يحتاج إلى شيء من حالة الأريحية وبث جو النشاط.. فمن الخطأ أن يكون تعامل الإنسان مع الطرف المقابل، من باب الجبر الاجتماعي.. فالزوجة -مثلا- تتحمل زوجها لأنها بحاجة إليه، فيما يجلبه إلى المنزل من طعام أو شراب، وهذه الحالة حالة سيئة جداً.

٢٤- يجب تعويد النفس على الرحمة والترحم -أي إظهار الرحمة- وذلك من خلال التعامل اليومي مع الناس، وخصوصاً الرحمة بالوالدين والأولاد، لما لذلك من الفضل عند الله عز وجل.. فالإنسان إذا رحم إنساناً حصلت عنده رقة، فإذا توالت تلك الرحمة فإنها تصير كالملكة.. ورد في دعاء الصباح عن أمير المؤمنين (ع): (واْفتح اللهم لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح).. ومفاتيح الرحمة هي رقة في القلب، تقتضي الإحسان إلى الناس.

٢٥- إن العلاقات البشرية اليوم، قائمة على أساس المصالح الدنيوية الضيقة.. أما أن يجرد الإنسان أخاه من كل وصف، ومن كل عنوان دنيوي، ومن كل طمع مالي، ومن كل شيء سوى الله عز وجل.. أي أن يحبَّ الإنسان أخاه في الله عز وجل؛ فهذا من النادر جداً!..

٢٦- إن التثاقل من الخلق حالة سلبية، وفي نفس الوقت حالة إيجابية.. إذ يمكن للإنسان أن يحول هذه الحالة إلى حالة إيجابية.. وبالتالي، يتوجه إلى الناس: لا حباً لهم، ولا تزلفاً لديهم، ولا طمعاً بثنائهم، ولا حتى الأنس بهم.. وإنما لأن الله -عزّ وجلّ- أمره بذلك..

٢٧- إن الإنسان عليه الالتفات إلى أن التثاقل من الخلق، إذا كان مقدمة لخدمتهم بأمرٍ من الله -عزّ وجلّ- لا لذواتهم؛ فحاله حالة مقدسة.. وأما إذا كان التثاقل مقدمة للعجب والغرور وتحقير الآخرين؛ فهذه حالة سلبية نعوذ بالله من ذلك.

٢٨- إذا اضطر أحدنا إلى الذهاب إلى مجلس من مجالس الغافلين، لغرضٍ من الأغراض.. عليه أن يعدَّ نفسه إعدادا، ويصبّر نفسه، ويلّقن نفسه بالذكر الخفي، ألا وهو قول كلمة: (لا إله إلا الله) الذي من الممكن أن يتلفظ بها الإنسان، دون أن يظهر ذلك على شفتيه.. وبعد ذلك لو زلّ في ذلك المجلس، وقام ورأى قساوة في قلبه، ورأى أنساً مع الغافلين، ورأى أنه خاض مع الخائضين.. أيضاً عليه أن لا ييأس، ويستغفر..

٢٩- إن بعض الناس عندما يبلغ مبلغا إيمانيا يعتدى به، أو حالة روحية راقية؛ فإنه يعيش حالة الابتعاد عن الناس.. بينما روي في الأزمنة السابقة أن (عابد بني إسرائيل، كان إذا بلغ الغاية في العبادة؛ صار مشاء في حوائج الناس، عانيا بما يصلحهم)؛ أي بعد أن صار عنده علاقة متميزة مع رب العالمين.

٣٠- إن الالتفات إلى الغير، إذا كان فيه رضا الله -عز وجل- فلا يضر بالتوجه إليه.. البعض عندما يتكامل أخلاقيا، ويعطى حالات الرقة، ينصرف عن الناس ولا يبالي بآلامهم.. انظروا إلى علي!.. وهو في الصلاة، وفي الركوع، يسمع نداء الفقير؛ يمد له الخاتم.. فالمؤمن يلتفت إلى كل الزوايا: الزوايا الإلهية، والزوايا البشرية..

٣١- إنَّ الأمة لم تمرّ بزخم تبليغي إعلامي كهذا العصر، حيث أنه العصر الأكثر تنوعا في طرح أساليب التبليغ بأشكالها المختلفة.. فإذن أين العذر، وأين الحجة في تقاعسنا؟!..

٣٢- إن من الضروري أن نصنف الوسط الذي نعيش فيه: فالناس حولنا بين من هم ملحقون بالجماد {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}.. وبين من هم كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.. وبين من هم في عداد الموتى إذ {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}.. وبين من هم في عداد النائمين الذين لم تمت أحاسيسهم، ولكن يحتاجون إلى من يوقظهم.. وبين من هم في عداد المستيقظين المقعدين، فيرى الخطر محدقا به، ولكنه لا يستطيع حراكا لعدم وجود تجاوب بين الإرادة الآمرة، والعضلات المؤتمرة.

٣٣- إن من أسباب انجرار الإنسان إلى الخشونة في التعامل مع الغير: التوتر العائلي.. فالذي يعيش حياة زوجية غير مستقرة، يثار لأدنى مثير، فيخرج عن طوره ليزيد حياته المرتبكة تعقيدا وارتباكا.. ومن هنا وجب على كل عاقل، أن يؤسس عشه الزوجي على أساس متين من الرفق والتفاهم؛ لئلا ينفذ الشيطان من خلاله.. فإن كل توتر في الخارج، له جذوره من الداخل.. وهو من موجبات الإحباط حتى في كسب المكاسب الدنيوية.

٣٤- إن النظرة الدونية واحتقار الغير، من موجبات الخشونة في التعامل.. وهو ما نجده في تعامل البعض مع من تحت أيديهم من المستضعفين من الخلق، ناسين إنسانيتهم، وأن لهم كرامتهم عند الله تعالى.. ومن هنا نعزي بعض البلاءات وخصوصا في جانب النساء، إلى استعمال الخشونة مع من تحت أيديهم من الخدم، الذين لا ناصر لهم إلا الله تعالى.

٣٥- إننا لا ننكر بأن المرض، وتقدم السن: من موجبات ميل الإنسان إلى الحدة في التعامل.. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن جوهر الإنسان وصفاء باطنه، يتجلى في مثل تلك الحالات.. فلا ينبغي أن يتخذ الإنسان هذه الظروف، ذريعة لعدم كبح جماح نفسه في استعمال الأساليب الخشنة في التعامل مع من حوله، وإن أعطى الغير له عذرا، مراعاة لحالته.

٣٦- إن من دواعي الخشونة في التعامل مع الآخرين: الطبع الذي أفرزته العوامل الوراثية، والبيئية.. فالذي نشأ في عائلة متوترة، وفي ظل خلاف الوالدين؛ فإنه يميل بطبعه إلى الحدة والخشونة متأثرا بدواع من اللاشعور.. وعليه، فلا بد لهذا الصنف أن يضاعف مراقبته لطبعه؛ لئلا ينساق من حيث لا يشعر إلى هذا الجو الذي لا يحمد عقباه، ولطالما أوجبت الندامة الأبدية.

٣٧- إن وسائل الإعلام تستخدم هذه الأيام المدح و الذم -للأشخاص والأفكار على السواء- سلاحاً خطيراً في التأثير على آراء الناس، وخاصة من لا يمتلك قدرة على التعقل.. وذلك لأن طبيعة النفس الإنسانية تميل إلى تصديق ما تسمع، وتعتبره كاشفاً عن الواقع.. والحال أن المدح والذم، يصف عادة صورة الواقع في أذهاننا، وليس الواقع في نفسه!.. وقلما تكون هذه الصورة الذهنية مطابقة للواقع، إلا في موارد نادرة ممن أراهم الله -تعالى- الأشياء كما هي، وهم المؤمنون الذين أشرقت أنوار المولى في نفوسهم.. وقد ورد في الخبر: (إتقِوا فراسة المؤمن؛ فانه ينظر بنور الله عز وجل).

٣٨- ينبغي للعاقل أن لا يرتب أثرا على مدح وذم فئات من الناس.. فمثلا: لا ينبغي الاعتناء بذم الشخص المبغض و الحاسد، ولا بمدح الشخص المحب، ولا بقول الإنسان المتذبذب المتلون، الذي يمدحك في يوم ويذمك في يوم آخر، ولا برأي الذي ليس له علم ودراية بالممدوح أو المذموم عن تجربة ومعاشرة، ولا بقول السفيه أو الأحمق الذي ليس له قدرة تحليلية للتمييز بين الأشخاص.. وأخيرا:ً لا ينبغي الأخذ برأي الشخص المتعصب، ذي النظرة المسبقة تجاه فئة من الناس؛ فهو يرفض سلفاً كل من انتسب إلى هذه الفئة من دون استثناء.

٣٩- إن من القواعد المهمة في المدح والذم: الموازنة بين مدح الشخص، وتحذيره من سلبيات ما تمتدحه فيه.. فأنت حين تثني على شخص لبشاشته ومرحه مثلاً، ينبغي أن تحذره في الوقت نفسه من التمادي في المزاح، أو اللجوء إلى الكذب لإضحاك الآخرين، وهو من الأمور المحرمة.. وبذلك يحول الثناء إلى عملية هادفة، تمنعه من التمادي في باطله، كما تستطيع أن تقدم له برنامجاً للعمل بما مدحته فيه.. وحينما تمدح كرم شخص مثلا، فإنه يمكنك توجيهه إلى موارد الإنفاق التي ترضى المولى عز وجل، وتذكيره بمستحباته المسنونة، من: تصغيره، وتعجيله، وكتمانه.

٤٠- إن من المهم أن نلاحظ عدم إيذاء الآخرين عند مدحنا لشخص ما، وذلك مراعاة للعدالة في هذا المجال.. فإن تجاهل من هو برتبة الممدوح، قد يثير حزنه أو غيرته أو حسده!.. ومن هنا أيضاً يجب علينا مراعاة العدل، وعدم التمييز بين الأقران؛ تأسياً بالرسول (ص) الذي دعا إلى المساواة حتى في تقبيل الأبناء.

٤١- إن خير وسيلة للتأثير على الآخرين: الدخول إلى قلوبهم واجتذاب مودتها، فإن المحب -غالبا- مطيع لمن أحب!.. ومن هنا لزم أن نوجد جوا من الارتباط العاطفي مع من نعاشرهم -وخاصة مع القريبين منا- ليسهل علينا التعامل معهم والتأثير عليهم.. وإلا فإن الأمور تبقى في دائرة التكلف والتصنع، إما خوفا، أو طمعا.. فتأمل في هذا النص، لترى مدى الاحترام الباطني الذي يكنه غلام الإمام (ع) لمولاه، فكيف بمن يقربه من أهله وأصحابه!.. (دعا الإمام السجاد (ع) مملوكه مرتين فلم يجبه، وأجابه في الثالثة فقال له: يا بني، أما سمعت صوتي؟.. قال: بلى.. قال: فما بالك لم تجبني؟.. قال: أمنتك.. قال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني).

٤٢- إن هناك إحباطا في مجال التعامل مع البشر.. لذا، على الإنسان أن يدرك أن للناس أمزجة مختلفة، وليس من المنطق أبدا أن يتوقع الإنسان من الآخرين أن يبرمجوا أمورهم وفق مزاجه!.. كما أنه هو أيضا لا يرضى أن يرتب مزاجه على وفق مزاج الآخرين.. وعليه، فإن خفض مستوى التوقع من الغير، إضافة إلى الاعتقاد بأن أشرف الكائنات وهو النبي المصطفى (ص) لم يحقق جميع آماله في الأمة، فلطالما آذوه في نفسه وأهل بيته، إلى درجة كان يصرح بعدم رضاه على بعض ما يجرى حوله، بل أن جميع الأنبياء لم يصلوا إلى ما كانوا يطمحون إليه في تغيير الوسط الذي يعيشون فيه.. حتى أن موسى (ع) شكا ما يلقاه من الخلق، قال: (يا رب كف عني ألسنة الناس، ورضهم عني.. قال: يا موسى، هذا شيء لم أختصه لنفسي، فكيف أجعله لك)؟..

٤٣- إن من الواضح اختلاف طبائع العباد بشكل حاد في كثير من الحالات، فإذا اضطررت إلى معاشرة من لا انسجام له مع طبيعتك، فإن الحل لا يكون دائما في إجبار الطرف المقابل على أن يكيف نفسه على وفق مزاجك.. بل المطلوب أن تمتلك قدرة على تحمل الطرف المقابل: مداراة تارة، وإرشادا تارة، وتغافلا تارة أخرى.. فإن المواجهة المباشرة، لا تزيد الأمور إلا تعقيدا، وتبلغ المشكلة أوجها عندما يجد الإنسان في نفسه نفورا تجاه الطرف المقابل.. وحينئذ لا يمكن الاجتماع معه تحت سقف واحد، أو هل يمكن دائما أن نقطع صِلاتنا بأشخاص كالزوجة والأرحام؟..

٤٤- إن من قواعد التعامل في أجواء الانفعال: أن تلقن الطرف المقابل أنك لا تتكلم معه من منطلق اللجاجة والخصومة والانتصار للذات، بل من منطلق الوصول إلى الحق.. فإن اعتقاد الطرفين أنهما يبحثان عن الحق؛ يخفف كثيرا من أجواء الفتنة والتضارب في الآراء.. والقرآن الكريم ذكرها حقيقة واضحة: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.. ويا ليت الذين يتخاصمون في أمور الحياة، يحتكمون إلى العقل والشريعة، أوَ هل هناك حكم خير منهما؟!..

٤٥- لا بد من تقديم الفكرة للطرف المقابل في طبق عاطفي محبب.. فإن كلمة واحدة تنم عن الحب والتقدير؛ تفتح قلب الطرف المقابل، بما يغنيك عن كثير من الكلام والموعظة.. فلاحظ كيف أن القرآن الكريم قبل تكليف المؤمنين بشيء يمهد ذلك بـ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} و{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}.. فلماذا لا نتأسى بالرب الودود في ترقيق لحن الخطاب، والدخول إلى القلوب من خلال المنافذ المحببة!..

٤٦- إن المؤمن الحذق لا يتعامل مع الناس بالصور الذهنية الزائفة، بيد أن غالب الناس لا يتعاملون بالصورة الظاهرية الحسنة للغير؛ وذلك لغلبة التعامل مع الصورة الخيالية الكاذبة، والتي تجعل اللسان يخوض في أعراض الناس بالباطل.. لذا فمن المستحسن ترك تلك الصور الخادعة، وجعل الواقع هو الحاكم في البين.

٤٧- يخطئ البعض في مفهوم صلة الرحم، فتراه يقتصر على وجه واحد: إما الزيارة، أو المساعدة المالية.. في حين أن صلة الرحم معنى شامل، لكل ما يتناسب مع حالة القريب، سواءً كان احتياجاً مادياً أو معنوياً.

٤٨- إن الإسلام هو دين التواصل والتواد والمحبة.. لذا فإن الإسلام لم يوصِ بالأقارب فحسب، بل أمرنا أيضاً بالإحسان إلى الجار، وسن له حقوقا تنبغي مراعاتها والعمل بها.. ولكن -مع الأسف- تجد البعض لا يكاد يعرف مَن جاره، ليصل الأمر إلى الإحسان إليه!.. فلئن كان الجار غير وصول، فإن على المؤمن بأدنى درجات التواصل، وهي التحية والسلام؛ عملاً بوصية النبي ووصيه (ص).

٤٩- ينبغي الموازنة في معاشرة الآخرين، فلا مقاطعة محضة ولا اختلاط اندماجي تأثري، وهذا ما تدعو إليه هذه الآية الكريمة: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}: فمع أن الوالدين كافرين، ويحاولان إجبار الولد على الكفر، إلا أن الأمر الإلهي هو: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.. فيا له من موقف!.. ويا لها كلمة جامعة تحمل كل معاني البر والمعروف!..

٥٠- إن الإنسان لا يتعامل مع الخارج، إلا على أساس صور مختزنة في داخل النفس، والتي كثيرا ما تكون مخالفة للواقع، أو معاكسة لها تماماً.. وهذا هو منشأ الزلل التعاملي، وذلك للانخداع بتلك الصور التي على أساسها يتم التعامل.

٥١- إن تعزية أهل الميت مهارة من المهارات، التي لابد أن يتحلى بها المؤمن.. فإن من أفضل ساعات الوفاء للأهل والأصدقاء، أن نسكن من روعهم.. إذ أن الإنسان المصاب -وخاصة إذا ابتلى بفقد عزيز فجأة- من الممكن أن يعيش شيئا من الأذى البالغ.. ومن هنا ينبغي على المؤمن الزيارة الهادفة لذوي الميت، ومن المناسب أن يقدم له فكرة توحي له بالاطمئنان الكامل.. فلئن كان الفقيد -مثلاً- شهيداً، يذكره بمقام الشهداء عند الله، الذي يغبطه به غيره في عرصات القيامة.. أضف إلى التوصية بالصبر الباطني، علاوة على الظاهري -فإنها مرتبة عالية، لا يصل إليها إلا المقربون- بأن يصل إلى درجة الرضا القلبي، بما كتبه الله تعالى، فلا يتمنى سوى ما وقع، أو يقول: لو إن كذا؛ لكان كذا.

٥٢- لا شك بأن من موجبات قساوة القلب، وحالات الإدبار الشديد؛ بعض التصرفات السلبية مع الآخرين.. وخاصة المستضعفين منهم، أمثال الخادمات في البيوت، كما هو الحال عند البعض الذين يتعاملون مع الخادمة كالأمة.. والحال بأنها عاملة لها أجر وساعات عمل محددة، وهنالك شروط عمل.. أضف إلى أن الإساءة إليها من موجبات تعجيل العقوبة، مما يقلب الأمور عكساً، ويجر الوبال على الأسرة، كما هو مجرب ومشاهد عند الكثيرين.

٥٣- إن الجو الجماعي أرضية خصبة لكل شيء للشر وللصلاح، لذلك نجد الشارع ينهى وبشدة عن الجلوس على مائدة الخمر، ولو شربت ماء زمزم عليها.. والجو الجماعي للطاعة، كالجو الجماعي للمعصية.

٥٤- إن الحزن، والعاطفة، والتفاعل مع مشاكل الأولاد؛ هي سبب في جلبهم إلينا.. إذا أردت أن تحدث علاقة صداقة متينة مع إنسان، وتدخل إلى قلبه؛ إذهب لزيارته في وقت يحب أن يزار فيه كالمستشفى مثلاً، في هذا المكان الموحش.. بهذهِ الحركة العاطفية، تدخل عليه الفرح.. وخاصة إذا أبديت الحزن والأذى.. وكذلك بالنسبة للزوج الذي لديه علاقة متوترة مع زوجته، يحاول أن يرفق بها في مثل هذهِ الساعات.. بلا شك أن ذلك من موجباتِ انفتاح أبواب القلب، وخاصةً أن المؤمن لا ينسى إحسان الآخرين في حقه أبداً!..

٥٥- إن المزاح والهزل ومفاكهة الإخوان، من المسائل المطروحة، ومما ينبغي أن يعلق عليها.. فهناك صنف من الناس لا يمازح أحداً، ويغلب على حياته حالة الجدية الخشنة أو القاسية دائماً -سواء في تعامله المنزلي، أو في تعامله مع الناس.. ومن الطبيعي أن هذا الوجود، وجود غير مألوف.. فالإنسان الذي لا يألف ولا يؤلف، والذي لا تعلو عليه الابتسامة في الموضع المناسب، من الطبيعي أنه لا يحتمل، وخاصة في الوسط الذي يحتاج إلى شيء من حالة الأريحية وبث جو النشاط.. فمن الخطأ أن يكون تعامل الإنسان مع الطرف المقابل، من باب الجبر الاجتماعي.. فالزوجة -مثلا- تتحمل زوجها لأنها بحاجة إليه، فيما يجلبه إلى المنزل من طعام أو شراب، وهذه الحالة حالة سيئة جداً.

٥٦- إن العلاقات البشرية اليوم، قائمة على أساس المصالح الدنيوية الضيقة.. أما أن يجرد الإنسان أخاه من كل وصف، ومن كل عنوان دنيوي، ومن كل طمع مالي، ومن كل شيء سوى الله عز وجل.. أي أن يحبَّ الإنسان أخاه في الله عز وجل؛ فهذا من النادر جداً!..

٥٧- إن الخلافات العائلية كانت موجودة طوال التاريخ، والرحمية لا تستلزم الإنسجام دائماً.. فالإنسان قد لا ينسجم مع أبيهِ، أو مع أمهِ، أو مع إخوانه، أو مع أخواته؛ لأن الرحمية حالةٌ مفروضة.. ولو تُرك للإنسان الاختيار في أنْ يختار له أباً مناسباً، لاختار غير أبيه.. ولكن هذه الأمور إجبارية، فالإنسان لا حقَّ له في أنْ يختار أختاً معينة، أو أخاً معيناً.. ولذا فإنه من الطبيعي أنْ تنتج هذه الحالة من المشاكسة، وعدم الإنسجام.

٥٨- إن الإسلام جاء ليؤكد على هذه النقطة، وهي أنّهُ لو وُجدت أرضية للخلاف بين الإنسان وبين أرحامه، فعليه أنْ لا يُحوّل ذلك أرضيةً للمقاطعة!.. ولهذا ورد التشديد في الإسلام والروايات على مسألة الأرحام؛ لأنّ الله -عز وجل- يعلم بأنّ الأرحام غير متجانسين.. ولعدم التجانس هذا، فإن أرضية الخلاف موجودة.

٥٩- إنّ العبد الملتفت إلى نفسه، شكورٌ في التعامل مع الخلق والخالق، تخلّقا بأخلاق الرب المتعال، ويتجلى ذلك من خلال تقدير أي إحسان من أي أحدٍ وفي أي مجالٍ.. ولهذا لا يمكنه التفريط بحقوق الأرحام (وخاصة الوالدين)، وذوي الحقوق من المؤمنين.. فالتفريط بالحقوق، يعكس حالة الكفران الممقوت عند الرب المتعال.. والكفور مع الخلق لا يُؤمن منه أن يكون كفوراً مع الحق المتعال.

٦٠- إن الإنسان أثناء قيادته للسيارة، يأخذ الحيطة والحذر في كل شيء.. وفي التعامل مع الناس، أيضاً لابد من هذه الحيطة والحذر، فأمير المؤمنين (ع) قال لكميل بن زياد فيما قال: (يا كميل، أخوك دينك.. فاحتط لدينك بما شئت).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى