القرآن

معارف القرآن في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، إن نسيان الله -عز وجل- قد يجتمع مع الطاعة.. حيث أن البعض قد يطيع رب العالمين، فيصلي ويتعود على الصلاة.. فيصبح وجودا تلقائيا يعبد الله عزّ وجلّ، ولكنه لا يعيش حالة الذكر الدائم ولا المتقطع.. فإذن، إن نسيان الله -عز وجل- يكون تارة بعدم الاعتراف به والتحدي؛ وهو الكفر.. وتارة يكون في مقام العمل، ومن منا يذكر هذه الصورة العُظمى في الوجود؟.. هذا الوجود الحقيقي الذي لا يساويه وجود!.. فكل وجود رشحة من رشحات فيضه!.. مَن منا يذكر الله عز وجل؟..

٢- إن كلمة {تبارك} في سورة تبارك هي وصف لله تعالى، أي ذلك الرب هو الذي تصدر منه البركات الكثيرة.. ويجب أن نتأسى بالله -عز وجل- في هذه الصفة..

٣- إن جنات الخلد {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}، تشترى بهذه المساحة البسيطة؛ مثلث الخير والشر: العين والأذن واللسان.. وجهنم الأبد أيضاً تشترى بهذه المساحة البسيطة.. كم من الخسران أن يبيع الإنسان حياته بذلك!..

٤- إن شعار الإنسان العارف، هو هذه الآية القرآنية: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}!..

٥- يقول تعالى في سورة البقرة: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.. فمن موجبات إثارة هذا اليقين، وتنمية هذا اليقين؛ الذهاب إلى المستشفيات وإلى المقابر أيضاً.. ولكن لا بالشكل المذهل!.. فالبعض قد يذهب إلى المقابر، والبعض قد يرتكب الحرام في المقبرة، فبدلاً من أن تكون آلة للتنبيه، تصبح المقبرة أداة للمعصية.

٦- إن الحكمة هو ذلك الجهاز الذي يوسع إناء القلب، {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.. إذا عملت بهذه الآليات: مخالفة للهوى، وتدبرا وتفكرا، وإطاعة للعقل والفكر؛ عندئذ رب العالمين له آلاف الآليات، في ليلة يوسع الإناء..

٧- إن اليقين بعض الأوقات يأتي من المقدمات غير الحسية، بالإخبار الصادق المصدق، {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.. لذا على من يخاف من الجن القرين، أن يخاف من الشيطان القرين؛ لأن هذه حقيقة قرآنية!.. وقد يصل الأمر بالإنسان، أن يصبح الشيطان له قريناً ومصاحباً!..

٨- إن الخطابات القرآنية المتوجهة للنبي (ص)، هي متوجهة لكل المؤمنين: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، لأنه لو كان هذا الخطاب خاصاً بين الله وبين نبيه، لما أنزلها آية في القرآن الكريم!..

٩- إن المؤمن يترك الحرام، لأن الأداة التي يستعملها للحرام، هي ملك لله عز وجل.. فرب العالمين خلق العين وهو صاحبها، وسمح للإنسان باستعمالها فيما أحل فقط.. والإنسان كعبد، ليس مالكاً لهذه العين، {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.. والذي خلق الجهاز الهضمي، قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا..}.. فالذي يلتفت إلى مالكية الله -عز وجل- وإلى كونه عبداً، ليس له أن يأكل أو ينظر أو يذهب إلى أين يشاء، إنما عليه أن يتلقى الأوامر من مولاه!..

١٠- إن كل أمر، وكل عمل في حد نفسه هو لا شيء في جنب الله -عز وجل-، كما يعبر القرآن الكريم عن القلة فيقول: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}.. والنقير عبارة عن الخط الموجود في داخل نواة التمر.. فهل هناك من يشتري هذا الخط؟.. النواة يمكن أن تشترى لغرض الزراعة، أما هذا الخيط الموجود في نواة التمر، غاية في عدم القيمة.. أي الوجود في جنب الله -عز وجل- لا يسوى نقيرا!.. وبالتالي، فإنه إذا أتقنا هذا الجانب، سرت بركات هذا التحول الباطني إلى كل أنشطتنا في الحياة..

١١- إن كلمة {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.. كلمة إنما تدل على روح العبد، وإلا فإن هذا البدن لا قيمة له، ليكون من الله وإليه.. فهو لا يرجع إلى الله عز وجل، إنما هو عبارة عن دابة نركبها إلى المقصد، ثم ندفنها في التراب، ونكمل المسيرة..

١٢- إن القرآن الكريم يهوّل ويبيّن، ويحذّر من كيد إبليس؛ ولكن في نفس الوقت يكشف ماهية الإغواء.. فإبليس ليس له سلطان عليكم، إنه لا يغير ماهية الأشياء، فالقبيح قبيح، والجميل جميل، والشيطان يزين فقط!..

١٣- إن للقرآن ظاهرا وباطنا، ولربما باطن القرآن الكريم، قد يكون أعمق في المعاني والمباني من ظاهره.. فللقرآن -وكما ورد له- سبعون بطناً، لذا لابد لنا من فهم القرآن الكريم بشكله الصحيح، وذلك عن طريق قراءة كتب التفاسير المبسطة أو الميسرة.. ويجب على كل منا وضع جدول حياتي للقراءة السليمة، ويتم ذلك ويعتمد على وضع جدول على مدار الحياة، يحاول أن يعطي للقرآن الكريم حقه، ويصحح الأخطاء، ويراعي التجويد أثناء القراءة.

١٤- إن القرآن الكريم ليس كتاباً تخصصياً، بل بسط الله -تبارك وتعالى- الآيات، ووجه خطابه فيها: للصغير والكبير، وللعالم والجاهل على حد سواء.. إذ قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.. لذا فمن الجميل جداً إيجاد أجواء إيمانية اجتماعية، لتلاوة كتاب الله فيها.. فقد وردت الأحاديث، ترغب في هذا العمل الإيماني الجماعي: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم فيما عنده).

١٥- إن كلمة {اثَّاقَلْتُمْ} فيها تعبير بليغ: يدل على أن الأشياء تميل إلى الانحدار والتسافل نحو الأرض، ما لم تدفع دفعة قوية تخالف وتعاكس تلك الطبيعة.. وعليه، فإن المؤمن إذا لم يقم بحركة ثورية انقلابية على نفسه، فسيكون مصداقاً للتثاقل إلى الأرض، ويكون من شر الدواب كما وصفهم الله تعالى.

١٦- إن القرآن الكريم يؤكد لنا هذه الحقيقة: وهي أنه لا فرق في روح المعصوم إن كان صغيراً أو كبيراً -فالنور هو النور-، بذكره نموذجين لصبيين لم يبلغا الحلم.. فهذا يحيى (ع) يقول الله تعالى عنه: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}.. وهذا روح الله عيسى (ع) يتكلم في المهد بمنطق القيادة والنبوة، وقد قال -تعالى- عن لسانه في القرآن الكريم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}.. ومن هنا تتجلى الحكمة الإلهية في عرض هذين النموذجين، وهي: لتعويد الناس على تقبل شخصية المعصوم مهما صغر سنه.

١٧- إن المؤمن في أيام حياته، لا بد أن يقرأ الألفاظ المشكلة في القرآن الكريم، على الأقل في المصحف الذي بهامشه تفسير بسيط.. لو أن إنسانا هوى فتاة أجنبية، وأرسلت له رسالة؛ ألا يبحث في القاموس كي يعلم ما الذي تقوله هذه المحبوبة؟!.. فكيف إذن بإنسان يدعي أنه يحب رب العالمين، ولا يعلم ماذا يقول؟!..

١٨- {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، إن كيد الشيطان في حد نفسه قوي جدا، ولكن أيضا القرآن يصفه بالضعف، لأن الذي يدفع شره عن الإنسان، هو الذي خلقه.. فالشيطان مخلوق لله عز وجل، وناصيته بيد الله عز وجل؛ فيكفي أن ينهاه ويأمره بعدم الاقتراب من هذا الإنسان المؤمن، الذي يكثر الاستعاذة بالله عز وجل.

١٩- نلاحظ أن استعمال القرآن الكريم لكلمة (الرحيم)، أكثر من كلمة (الرحمن).. الأولى يقال: أنها دالة على الرحمة الخاصة بالمؤمنين، في مقابل الرحمة العامة لكل البشر.. مما يستفاد منه اشتداد الرحمة لمن اتخذ إلى ربه سبيلا!..

٢٠- إن القرآن الكريم يقول: {لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} لم يقل: لنطيبن حياته.. فالإنسان عنده أرواح أخرى، هذه الأرواح حبست في عالم آخر، لا تنزل هذه الأرواح إلا لمن يستحق!.. ولا يعني ذلك أن غيرنا حيٌ، ولكن حياته غير طيبة.. هو في الأصل لا حياة له..

٢١- إن العرب الجاهليين وأدوا بناتهم، ونحن وأدنا أنفسنا -دفناها-.. قالوا في تفسير هذه الآية: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}؛ أي أخفاها بالجهالة والفسوق والمعصية.. ودفن النفس وهي حية تعبير أبلغ من الإماتة، وأبلغ من القتل!..

٢٢- {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}.. رب العالمين يقول: قل كذا، ولكن عندما يصل إلى نفسه تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، فيلغي كلمة (قل) فيقول: {إِنِّي قَرِيبٌ}؛ حتى الواسطة في هذا المجال ملغية هنا..

٢٣- إن الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}!.. كلمة (اخسأ) تقال للحيوان نجس العين، لا تقال لبني آدم!.. في عرصات القيامة العبد يريد أن يتكلم مع ربه مع حبيبه، ولكن الله -عز وجل- يقول: انتهت العلاقة!.. اليوم دار جزاء ولا عمل، وفي دار الدنيا كان العمل ولا جزاء!..

٢٤- إن من يقرأ القرآن الكريم بنية شفاء الباطن، نعم يكون شفاء للباطن؛ ولهذا الشيطان يدخل على الخط؛ لئلا يكون شفاء..

٢٥- إن هذه الآية الكريمة فيها نكته عرفانية جميلة: {إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}.. بعض العلماء يقول: إذا أراد الإنسان أن يصلح بينه وبين زوجته، فإن رب العالمين يتدخل ويوفق بينهما.. فكيف إذا أراد أن يصلح فيما بينه وبين الله تعالى، ألا يتدخل رب العالمين في أن يوفق بينه وبين عبده؟.. ولكن بشرط أن يريد!..

٢٦- إن الله -عز وجل- أراد أن يرفع من مستوى البشر، كما نقرأ في آية الكرسي: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}؛ إذ نسب الإخراج إلى نفسه.. وعليه، فإنه -تعالى- إذا أراد أن يختص العبد باللطف، فإنه يجعل القرآن شفاءً لدائه.. فالآيات القرآنية فيها صفة الإعجاز، وفيها صفة التأثير الذاتي.. والقلوب المستعدة الخالية من الشوائب، عندما تسمع القرآن الكريم -القرآن فيه جهة الباعثية؛ تفتح الآفاق، وتشرح الصدر- تدعو الإنسان، وتحثه على العمل.

٢٧- يقول القرآن الكريم: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ}.. لعل الآية في مقام بيان جهة الاستقلال في الصلاة، فلكل أمة وجهة تتولى إليها في قيامها بين يدي الله عز وجل.. ولكن من الممكن أن ينتقل المرء من هذه الآية إلى حقيقة مهمة من الحقائق.. وهذه الحقيقة تتمثل في أن لكل إنسان أيضاً وجهة في هذه الحياة، فعلى الإنسان أن يدرس ملكاته، وما الذي يمكن أن يقدمه لله وللشريعة.. فمثلاً: إنسان آتاه الله القدرة على استيعاب علوم الدين، فلماذا لا يفكر الأب -عندما يرى في ولده بادرة طيبة، وقابلية علمية، وسلامة نفسية- في أن ينصر دين الله -عز وجل- من خلال هذا الولد، وفي أن يجعل وجهته في الحياة هذه الوجهة.

٢٨- إن القرآن الكريم يعبّر عن نور المؤمن فيقول: {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.. من أين جاء هذا النور يوم القيامة؟!.. إن هذا النور هو نور عمل ليلة الرغائب، ونور عمل أم داود، ونور صلاة الليل.. فكل نور، وكل ظلمة في عرصات القيامة، إنما يأتي من ذلك النور، وتأتي تلك الظلمة من أعمالنا في الحياة الدنيا.

٢٩- إن الإنسان قد يُبتلى بأزمةٍ منَ الأزمات، فيظن بأنه لا مخرج من تلك الأزمة.. وقد يضطر إلى اللجوء لعشرات الناس، وسؤالهم من أجل حلِّ مشكلته تلك، ولكن الكل يتفق أنّهُ لا خلاصَ مِنْ هَذهِ المُشكلة؛ لأن العقل البشري محدودٌ.. بينما القرآن الكريم يقول: {وَمَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخرجاً * وَيَرزُقهُ مِنْ حَيثُ لا يَحتَسِبْ}.

٣٠- إنّ الإنسان المؤمن إذا بَلغَ في الإيمانِ درجة، فإنه يوآخذُ على كل حركةٍ وسكنة.. أما الإنسان الكافر الفاجر، فإن رب العالمين يؤخر حسابه إلى يوم لقائه.. ولهذا يلاحظ بأنّ أهلَ الدنيا وخاصةً الكفار، يعيشون في رغدٍ من العيش، كما يقول القرآن: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.. أما بالنسبة إلى المؤمن، فإن الأمر ليس كذلك.

٣١- {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}.. إنه أمر الوفـــاء الإلهي.. ففي خضم الأحـداث، وفي أعظم النكبات، رب العالمين ينجّي عباده، فهو غيور على أوليائه.. وعليه، فإنه ينبغي على المؤمن ألا يخاف ولا يحزن في كل تقلبات الحياة، ما دام يرى الله -عز وجل- له ولياً؛ فإنه كما أنقذ أصحاب نوحٍ، وأصحاب لوطٍ، وأصحاب صالح؛ فإنه ينقذه.

٣٢- {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}.. تقول بعض النصوص: أنه ما من أحد رأى موسى، إلا وأحبه.. فإذا كانت المحبة صادرة من قِبل الله عز وجل، هكذا يكون أثرها!..

٣٣- {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}.. يفهم من الآية: أن العمل الصالح قد يكون صالحا، ولكن لا يرضاه الرب.. ومعنى ذلك: أن الأعمال الصالحة ذات درجات، والمؤمن الكيس الفطن، هو الذي يشخص سلم الأولويات، ويقدّم الأهم ثم المهم.. وذلك بلا شك يحتاج إلى بصيرة إلهية، وإلى نفاذ في بصيرة الإنسان المؤمن.

٣٤- {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}.. الغريب أن هذا العفريت مفسر بكتب التفسير: بأنه مارد خبيث، سبحان الله!.. مارد خبيث وله هذه القدرة!.. وإذا سمع إنسان عن كرامة أو قدرة خارقة لولي من أولياء الله الصالحين، أو لإمام من أئمة الهدى؛ يعتبرها خرافة ومبالغة وغلو؟!..

٣٥- في قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، إشارة إلى الغضب الإلهي.. ومن المخيف أن هذا الغضب لا يعلم له معادلات معينة، وليس هنالك ما يحدد وقت حلوله على العبد.. ومن المعلوم أن هذه الدنيا دار ابتلاء، فالإنسان إلى أن يوسد حجر اللحد، كم يمر في اختبارات وامتحانات، والشياطين كم تكيد له إلى أن يصل؟!.. المسألة ليست متوقفة على معصية كبيرة أو صغيرة.

٣٦- لو أن أحدنا حكّم في حياته مضامين كلمة (لا إلـه إلا الله) لاستقامت أموره.. فهي مركبة من شقين: شق النفي، وشق الإثبات.. (ولا إلــه)، ينطبق أيضا على الشهوات، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} أليس المقصود بالهوى هو إله يعبد؟!..

٣٧- إن الطريق الذي يحقق في نفسه حالة الاطمئنان، هو هذه الآية {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}؛ وهي علاج لا علاج بعده..

٣٨- من شك أنه على خير، فليختبر نفسه، كما ورد في سورة الجمعة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.. لأن الذي لا يتمنى الموت، عنده خلل في البين.. فمن منا مستعد أن ينقل من دار عمارة إلى دار خراب!..

٣٩- إن هناك أصنافا من المجادلين عرفتهم آيات الكتاب الحكيم: فهناك المجادلون عن جهل، وهناك المجادلون أتباعا أعمى لآبائهم، أو لشياطين الجن والإنس: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}.. وهناك المجادلون عن كبر ٍ وتعال ٍ على الغير: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ}.. وأخيراً هناك المجادلون لأجل هدف مقدس، وذلك للدعوة إلى سبيل الله تعالى، وتوعية المجتمع {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

٤٠- إن من الملفت حقا أن القرآن الكريم حينما يستعمل كلمة السياحة، فإنه يجعل ذلك في سياق عبادي متكامل، يبدأ من الجهاد في سبيل الله تعالى، وينتهي للعبادة الفردية بين يديه.. فتأمل في هذا النص القرآني الذي استعمل فيه تعبير السياحة حيث يقول: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.

٤١- إن القرآن الكريم يدعو أتباعه للحركة الجغرافية والتأملية في الأرض قائلا: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.. وعليه، فلا يكفي الانتقال من بلد إلى بلد، كانتقال الآلات الصماء، وإنما يطلب تلك الحركة الواعية المتأملة.. حيث ينتقل الإنسان فيها من المقدمات إلى النتائج، ومن القشرة إلى اللب، ومن الظاهر إلى الباطن.. فبدلا من النظر إلى المعالم البائدة للأمم السالفة -لمجرد التنزه- فإن الإنسان ذا البصيرة في الحياة، يتأمل في عواقبهم، لا فيما كانوا فيه.. وذلك عندما يرى زوال كل مظاهر القدرة والعزة الظاهرية، واستحالتهم إلى التراب في القبور: حيث الحفرة من حفر النار، أو الروضة من رياض الجنة.

٤٢- إن القرآن الكريم لا يستعمل القسم إلا في موارد التأكيد والأهمية.. وهذا أيضا مما يثير بعض دواعي الأسف، وذلك لأن البعض قد لا يعيش المستوى اللازم من اليقين بالحقائق التي يذكرها القرآن الكريم، ولعله من هذا المنطلق، يقدم القرآن المجيد الأقسام المتوالية، لإثارة دواعي الاستيعاب في هذا الإنسان الظلوم الجهول!..

٤٣- إن من السور المتناولة للسنن الإلهية في هذا الوجود -وخاصة بالنسبة للظالمين- هي سورة الفجر.. فهذه السورة تبين سير الحضارات التي بلغت في عصورها أوج التقدم بحسب ذلك العصر، ولكن الله -تعالى- بإرادته -التي لا يقف أمامها شيء- جعل أمرها إلى الزوال والفناء؛ لأنها كانت تستمد قوتها من موارد الطبيعة الفانية كالجبال والصخور!.. وها هي مدنية اليوم أيضا تستمد أيضا قوتها المزعومة من قوة الذرة وما شابه ذلك؛ ناسين أن ذلك كله من الخلق الإلهي، الذي لو شاء لسلب منه خاصيته.. فإن علة الإحداث هو بنفسه علة الإبقاء، وهل خرج ما خلقه بيده من سلطانه؟..

٤٤- إن القرآن الكريم عندما يقرر حقيقة إهلاك الأمم السابقة، يستعمل كلمة “المرصاد”، وهو يشعر بأن الله -تعالى- يراقب كل أحداث هذا الوجود، الذي لا وزن له أمام سلطانه.. والحال أن طواغيت الأرض غافلون عن هذه الرقابة، ومن هنا يكون الأخذ الإلهي شديدا لهم، وذلك لعدم توقعهم وجود سلطة أخرى فوق سلطتهم.. أوَ هل كان فرعون المدعي لربوبية العباد، يتوقع مصيره الأسود حيث استغاث برب موسى (ع) حال الغرق؟!.. أو هل كان يتوقع أن يكون لقمة سائغة للبحر الذي جذبه إلى فخه، ليمشي برجليه إلى حتفه؟..

٤٥- إن القرآن الكريم لخص مجمل الحركة إلى الله -تعالى- في آية واحدة، حيث يقول تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}.. فالآية تشير إلى أمهات المسائل في مجال حركة الإنسان إلى ربه.. فمن ناحية: لا بد من وجود طريقة ممنهجة يسير عليها الإنسان، متسم بالوضوح في بداياته ونهاياته.. ومن ناحية أخرى: لا بد من الاستقامة على السير عليه، لوجود الحركات المعاكسة من داخل النفس وخارجها.. وعندئذ يتحقق الوعد الإلهي بسقي الماء الغدق (الكثير) المحيي لميت الأرض.. فإن التفضل الإلهي -وإن كان من دون استحقاق- إلا أن له قواعده وموجباته.. فلا جزافية في هذا الوجود الذي خلق في أحسن تقويم!..

٤٦- إن القرآن الكريم محتوٍ على آيات كثيرة، متناولة لهذه المصطلحات: الروح، النفس، القلب.. ويكفي هنا أن نشير إلى هذه الآية: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ أي أن الله -عز وجل- عندما يأتي يوم القيامة، وينظر إلى حصيلة هذا التراث الإنساني الكبير، الذي امتد إلى ملايين السنيين، بل قد يكون المليارات؛ فإن الثمرة التي ينظر إليها هي هذا القلب السليم!..

٤٧- إن البعض يعتقد بتدبيره فحسب!.. ويرى أنه بإمكانه تحقيق بغيته التي يريد، بمعزل عن مباركة الرب تعالى.. والواقع هو: أنه محكوم بسلسلة من القوانين.. هو عليه أن يسعى سعيه المتواضع، والله -تعالى- هو المبارك.. ولهذا نلاحظ في سورة الواقعة، أن الله -عز وجل- ينسب الفعل إليه -تعالى- في قوله تعالى: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}؟.. فالزارع يبذر البذرة، ولكن من الذي يكمل المشوار؟.. إن الإثمار بيد رب العالمين!..

٤٨- قال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} إن الله -عز وجل- أمر الإنسان بالسعي على هذه الأرض، لجني خيراتها والحصول على بركاتها، لقوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}.. وأما نتائج هذا العمل، فهو بيد المولى.. يعطي من يشاء كيف يشاء بما يشاء، من غير حساب ولا ثواب، بل بيديه المبسوطتين ينفق كيف يشاء.. لذا فإن ترغب النتائج المرجوة من جني الثمار اليانعة، أمر مذموم في حال وجود مقسم الأرزاق ومعطيها.

٤٩- إن هنالك بعض الناس ممن لا يحسب له حساب: إما لكونه فقيراً أو للونه، أو لجنسيته.. وبالتالي، فإن كل ما في قلبه من أذى، يفرغه في هذا المسكين!.. وهنا عليه أن يذكر نفسه: بأن كل هذه التقسيمات غير معترف بها عند الله عز وجل، حيث قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

٥٠- إن المتأمل في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. لا بد أن ينتابه شعور الخوف الشديد، لما تستبطنه الآية الكريمة من تهديد بليغ، وحصر للفوز والفلاح للخاشعين في صلاتهم.. ومعنى ذلك أن الذي لا يحقق الخشوع المطلوب؛ فإنه مندرج تحت دائرة الخسران، التي أشار إليها الحق تعالى في سورة العصر: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

٥١- إن العبادات مسألة توقيفية، أي أنه لو أجزنا لأنفسنا أن نُعمل نظرنا في العبادات: واجبة ومستحبة، فردية واجتماعية؛ لخرج الدين عن كونه دينا.. وهذا ما عمله اليهود والنصارى، إلى أن انتهى أمرهم إلى دين محرّف.. لأن الأحبار والرهبان، الذين استلموا القيادة الفكرية في هاتين الديانتين، خرجوا عن منهج السماء.. وكما هو معلوم بأن الفارق بين الدين وغير الدين، وبين الحلال وبين الحرام شعرة واحدة.. فمثلا: الربا قاصمة للظهر، والبيع يبارك الله فيه.. فالكاسب حبيب الله، والمرابي عدو الله.. والفرق بينهما صياغة فقط، فالإنسان قد يشتري نقدا، ويبيع قسطا، وقد يربح ربحا يربحه المرابي.. ففي مقام العمل النتيجة هي هي، ولكن هنا بيع وهنا ربا.. ولهذا قال القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}؛ ولكن الفارق أنه أحل الله البيع، وحرم الربا.

٥٢- لا ينبغي المسارعة في إنكار مقام أو رتبة منقولة عن المعصوم عليه السلام، فالمرء له الحق أن يتوقف إن كان الدليل غير وافٍ.. وأما أصل أن يكون الإمام في هذه المثابة من الصلاحية الواسعة بإذن الله عز وجل، فلا ضير في ذلك عقلاً.. وخاصة أن القرآن الكريم، مهّد لهذا المعنى في حياة السلف من الأنبياء وغير الأنبياء.. فالقرآن تعمد ذكر بعض الحركات التي هي خارج قوانين الطبيعة، فهذا الذي عنده علم من الكتاب، كان قد وعد بأن يأتي بعرش بلقيس {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} وهذا لم يثبت بأنه نبي.. فالقرآن مهّد الأذهان لتلقي هذه المعلومة، وخاصة أن الإعجاز يكون بحسب البشر.

٥٣- إن طبيعة الناس: فطرةً، وتقاليداً، وعادةً؛ قائمةٌ على تكريم الأشخاص في حياتهم، وفي مماتهم.. أضف إلى الكتاب والسنة: فالقرآن الكريم يقول في سورة التوبة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ}.. فعدم القيام على القبر، يكون بالنسبة إلى المنافقين.. وبالتالي، فإنه لا عتب في القيام على قبر الصالحين.

٥٤- قد تكون بعض الآيات ناظرة إلى الإنماء الذاتي للفرد، كما في قوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ}، أو {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.. ولكن هنالك آيات لهجتها ولحن خطابها متوجه للأمة، كآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.. حيث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ركائز رقي الأمة.. فالأمة التي لا تقوم بواجبها في هذا المجال، هذه الأمة لا يمكن أن تتقدم أبداً.. أو آية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.. فلو عملنا بهذه الآية في حياة الأمة، لما طمعت فينا الأعداء.. أو الآية الموجودة في سورة (المنافقون): {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.. لو أن الأمة تدبرت في هذه الآيات الأممية، الداعية إلى رقي الأمة، سوف نخرج مما نحن فيه من الذل والهوان.

٥٥- إن الآيات الأنفسية في القرآن الكريم آيات كثيرة.. وبعض هذه الآيات لو تأملها الإنسان وسمعها أو تلاها، في جو معين من الحضور الذهني والنفسي الكافي، فإنها تقلب حياته رأساً على عقب.. إن أحد الأشخاص لمجرد تأمله في هذه الآيات الثلاث: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، و{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، و{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} صعق، وغير منهج حياته.

٥٦- إن القلب إذا وافق العقل، وتبنى مضامين العقل؛ صدرت الجوارح على وفق هذا الأمير الداخلي.. وهنا يأتي دور الشيطان، أن لا يجعل اتصالا وتفاعلا بين القوى العقلية وبين قوى القلب؛ أي يجعل الإنسان لا يوطن نفسه على ما اعتقد به.. ولهذا فالقرآن الكريم يقول: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}.. فالعلم موجود، ولكن في مقام العمل هذا العلم ما أصبح له من موجبات النجاة؛ أي صار حجة عليه لا له!..

٥٧- إن مسألة الحجاب من ضروريات الدين الإسلامي، إلا أن البعض يحاول أن يشكك في هذا الأمر.. والحال بأن الآية القرآنية صريحة جدا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.. فلو كان الخطاب موجها لأزواج النبي (ص) فقط، لكان من الممكن القول بأن المسألة مختصة بنساء النبي (ص)؛ بمعنى أن الآية في مقام تحصينهن وجعلهن في غاية الحجاب والعفاف.. ولكن الملاحظ هو تجاوز الآية في الخطاب إلى بنات النبي (ص) أيضاً، مما يدل على أن الخطاب شامل للكبار والصغار، وما زاد في التأكيد هو ذكر نساء المؤمنين، ليرتفع أي لبس في هذا المجال.

٥٨- إن طبيعة بني آدم، هي طبيعة تثاقلية، كما يعبر القرآن الكريم، بقوله تعالى: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}.. بمثابة الأجسام التي تخضع لقانون الجاذبية الأرضية، فتميل إلى الأسفل إذا لم تُمسك من الأعلى.. والنفس الإنسانية -كذلك- تتجاذبها عوامل الهوى والميل إلى الشهوات إلى الأرض.. ومن هنا فرب العالمين رأفة بعباده، جعل لهم مواسم عبادية معينة: كما في الحج، وشهر رمضان؛ لتعويض هذا التكاسل، وحتى يستفرغ العبد وسعه في هذه الأيام والليالي.

٥٩- إن سورة الجمعة لا تعرض قضية تاريخية محضة!.. هذه الآيات من سورة الجمعة في مقام بيان صراع بين تجارتين: تجارة مع الله -تعالى- وتجارة الأسواق.. وهذا الصراع قائم منذ القدم وإلى يومنا هذا!..

٦٠- ينبغي أن نعتقد بحقيقة النفحات، ولا ننكر هذه الحقيقة في حياتنا.. والدليل على ذلك من القرآن الكريم، حيث هنالك عدة آيات تؤكد على هذه النقطة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾؛ معنى ذلك أن هنالك فضلاً، وهنالك رحمة؛ تُسدد الإنسان المؤمن.. هذه نفحة تتجلى على شكل إقبال في العبادة تارة، وعلى شكل منع وصد عن الحرام تارة أخرى.

٦١- يقول تعالى: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾، طالما لاحظنا بعض الشباب المراهقين المنغمسين في اللذائذ، لوقفة مع رب العالمين: في عبادة، أو في عمرة، أو في حج، أو في إحياء، أو في صلاة خاشعة.. وإذا به يمج ويكره ويستقذر ما كان يألفهُ قبل قليل؛ هذه نفحة خاصة من نفحات عالم الغيب، تهب على نفس وقلب المؤمن أو المسلم.

٦٢- يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾.. المرآة العاكسة للشمس، فيها خواص الشمس بمقدار مرآتيتها.. كلما صفت المرآة؛ كلما انعكس هذا النور.. فكل مؤمنة هي مشروع لأن تكون هذه المرآة الإلهية، والمرآة تعكس ذات النور.. في قانون الفيزياء: النور بنفسه ينكسر؛ لأن ذلك نور صادر من المرآة.. نور الشمس يأتي إلى المرآة العاكسة، فيغير من اتجاهه.. فالنور هو النور!.. يا لها من سعادة لهذه المرآة، التي تعطينا نور الشمس بواسطة!..

٦٣- إن القلب إذا تبنى الشريعة، وتبنى حكم العقل؛ عندئذٍ سفينة التكامل لا تقف إلا على مرسى وميناء النجاة، وهو مرسى اللقاء الإلهي.. ولهذا القرآن يقول في سورة الحجرات: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.. الشيطان اللعين الرجيم، له يد طويلة في نفوسنا وفي قلوبنا؛ وربّ العالمين ليس له دور؟.. أعطى الحرية لإبليس يلعب في قلوبنا، يحبّب إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ويزيّن لنا الشهوات؛ وربّ العالمين خالق إبليس، ربّ العالمين أرأف بنا من أنفسنا، ما جعل لنفسه دورا – أعوذ بالله- يتدخل في قلوب الناس؟!..

٦٤- إن الأغلال يوم القيامة، هي عذاب حسي؛ ولكنّ هنالك عذاباً معنوياً وروحياً يوم القيامة، لا يقل عذاباً عن العذاب المادي.. فالعذاب النفسي يكون في إعراض رب العالمين عن العبد، فهو يريد أن يتكلم مع رب العالمين، ويناجيه في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى المناجاة، ولكن يأتي الجواب: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}؛ هذا اللفظ يستعمله الإنسان للحيوان النجس!.. ورب العالمين، رب اللطف والكرامة، الذي سبقت رحمته غضبه، وإذا به يستعمل هذا اللفظ لأهل جهنم عندما يستغيثون به.. بينما في الحياة الدنيا، كان يستجديهم فيقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.. هذا الإله الذي ينادي في أسحارِ شهرِ رمضان: (هل من تائب فأتوب عليه؟.. هل من مستغفر فأغفر له؟.. هل من سائل فأعطيه)؟..

٦٥- ما المانع أن يجعل رب العالمين في بعض الآيات خاصية الشفاء، وهو الذي جعل الشفاء في العسل، والعسل كما نعرف هو عبارة عن فضلات نحلة؟!.. القرآن الكريم أيضاً ينزل ما فيه شفاء، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}؛ ولكن انتبهوا إلى تتمة الآية: {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا}.. فالآية التي هي آية شفاء، بمثابة العقاقير التي هي للبعض شفاء ومسكن، وللبعض شقاء وإدمان.

٦٦- إن القرآن الكريم يصف أفسق الناس بأنه من المخلصين، عندما يكون في البحر، ويحيط به الموج من كل مكان: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.. هل في هذا البحر على متن السفينة مؤمنون فقط؟.. بل حتى الفاسق يركب سفينة، ولكن عندما يأتيه الموج من كل مكان؛ فإن الفاسق يتحول إلى أعبد العابدين.. وإذا جاء إلى البر، صار فاسقاً.. فهو قبل سويعات كان من أفضل الناس؛ لأنه عاش الانقطاع إلى الله عز وجل.

٦٧- إن الآية القرآنية الداعية إلى النصر.. هذه الآية عامة لكل الطبقات الاجتماعية: نساء، ورجالا.. {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}؛ بمعنى الجماعة، والجماعة تنطبق على جماعة الرجال وجماعة النساء.. فآية النصر مبدئياً آية واسعة في مفهومها، وشاملة لما يسمى هذه الأيام: بالحوزات الرجالية، والحوزات النسائية.

٦٨- إن البعض من المفكرين أو الفلاسفة يقولون: بأن العلم يطلب لنفسه، سواء أفاد حركة في الحياة أو لم يفد، انتقل إلى الغير أو لم ينتقل.. والحال بأن الآية الكريمة صريحة، في أن المفهوم الإسلامي للعلم والتعلم، ليس كذلك {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}.. فالقرآن الكريم مليء بالإشارات والنكات، وهذه الآية وكأنها آية تبليغية.. ولكن في كل كلمة من هذه الآيات، هنالك نكتة قرآنية.. وبنظرة أولية نلاحظ بأن في هذه الآية هناك ثلاثة عناصر مهمة: يبلغون، ورسالات، ويخشونه.. وكل كلمة من هذه الكلمات، ترمز إلى مفهوم من المفاهيم العالية.

٦٩- إن عملية البناء المادي عملية سهلة، حيث أن هنالك قواعد واضحة، وأشياء ترى بالعين، فالإنسان بإمكانه أن يذلل العقبات الطبيعية.. أما بالنسبة إلى البناء الأنفسي في مقابل البناء الآفاقي، فالنفس أمر لا يرى، يقول تعالى في القرآن الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}؛ فأبهم في الجواب، ثم يقول: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، وكأن الآية تريد أن تقول: أن القضية فوق التصور!.. وهذه الروح التي لا ترى ولا تلمس، ولا تصلها الحواس الخمس.. كيف يمكن للإنسان أن يطورها؟.. فالأمر بحاجة إلى همة عالية في هذا المجال، ومداومة في مقاومة الموانع في هذا الطريق.. حيث أن هنالك منافسين في هذا المجال: الأهواء، والشياطين.. والعمل التبليغي مشكلته، أن الإنسان في حال حرب، وإن لم تعلن هذه الحرب.

٧٠- إن عيسى (ع) من أنبياء أولي العزم، وعندما يصل للسلام يقول: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}!.. ولكن هنيئاً لنبي الله يحيى (ع)!.. ما هذا الود الذي ألقاه عليه، فرب العالمين يقول: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}.. حيث أن هناك فرقاً بين {السَّلامُ عَلَيَّ} وَ{سَلامٌ عَلَيْهِ}.. فعيسى (ع) يسلم على نفسه، ولكن هنا رب العالمين يسلم على نبي الله يحيى!..

٧١- إن الإنسان يوم القيامة عندما يريه ربّ العالمين أعماله، يتمنى لو يكون تراباً تدوسه الأقدام، {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} ولكن الكلّ يعيش هذه الحالة من الخجل بين يدي الله -عزّ وجلّ-.. ورد في بعض النصوص عندما يؤتى بالمسلم يوم القيامة وهو يزجّ إلى النار بفعله، رسول الله (ص) يستحي أمام الأنبياء، أن يروا فرداً من أمته يقاد إلى النار، من مسند عبد الله بن عباس قال: (ألا وأنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي!.. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)؟.. إذا كان الذين كانوا معه هكذا، فكيف بالمسلمين طوال التأريخ؟..

٧٢- إن القرآن الكريم يقول: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفرَحوا}.. عندما يذكر الإنسان النكتة وراء النكتة، والضحكة وراء الضحكة، فلماذا هذا الفرح؟.. هل ترقى في الإيمان درجة؟.. أو هل عمل عملاً صالحاً؟!..

٧٣- إن الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد أن يتصرف تصرفاً، فإن تصرفه يتجاوز قلوب الأصدقاء ليصل إلى قلوب الأعداء.. فيرجى مراجعة القرآن الكريم، حيث يقول: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}.. وعندما يأتي الإمام المنتظر (عج) فإن الرعب سيسير أمامه، إذ أن من جنوده الرعب.

٧٤- إن الزهد جمع في آية من القرآن الكريم، ألا وهي: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.. فالإنسان المؤمن لا تغره الدنيا بما فيها.

٧٥- إن القرآن الكريم يقسم بالخيول التي خرجت للجهاد في سبيل الله تعالى؛ ولأنها خرجت في سبيل الله؛ فكل حركاتها مقدسة؛ أي ذكرت في القرآن: فأنفاسها مسجلة، والنار الذي تصدر أثناء مشيها أيضاً مسجلة، وكذلك وقت إغارتها على العدو، والغبار الذي يتصاعد من حركتها أيضاً مذكور في هذه السورة.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن، إذا صارت حركته في سبيل الله عز وجل؛ يصبح كل شيء فيه مباركاً.. المهم أن يكون الإنسان في الطريق الصحيح؛ عندئذ رب العالمين يبارك في كل وجوده.

٧٦- إن سورة “الهمزة” من السور التي فيها ذم لطائفتين من الناس: طائفة المترفين المستكبرين، الذين يجمعون المال للمال.. وطائفة المغتابين، الذين يترصدون عيوب الناس.. رب العالمين بكلمة واحدة يقول: ويل لهم!.. الويل كلمة مبهمة، قيل: أنها طبقة في جهنم، ولكن هذه الطبقة ما هي مواصفاتها؟.. لا نعلم!.. فكما أن نعيم الجنة لا يخطر ببال أحد؛ كذلك العذاب الإلهي لا يخطر ببال أحد.. فهذه الشمس المحرقة، بالقياس إلى نار جهنم؛ لا شيء!.. فكيف بنار سجرها رب العالمين؟..

٧٧- إن القرآن الكريم عندما يذكر الطبيعة الإنسانية، يذكرها على حسب جنس بني آدم.. يقول تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}؛ ليس معنى ذلك أن كل إنسان في خسر، وإلا كيف يكون الأنبياء والمرسلون والأوصياء في خسر؟.. نعم، هذه الطبيعة موجودة، وإذا لم يعمل الإنسان على نفسه، فإنه سيكون في خسر؛ فالإنسان بطبعه ظلوم جهول!.. معنى ذلك: أن الفوز يحتاج إلى مخالفة الطبع.

٧٨- إن من موجبات البسط التدبر في الآيات الأنفسية، يقول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}.. ولو بحثنا في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم؛ لوجدنا آيات كثيرة تتناول موضوع القلب، وبأسماء مختلفة: القلب، والروح، والنفس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى